كابوس التحرش في المدارس| خرائط الاعتداءات في الفصول وحولها
تحليل 71 واقعة يكشف أنماط التحرش وتكرار الانتهاكات
"فضلت أبكي أيام متواصلة، كنت باحضنه وهو نايم وأبكي"؛ تصف الأم سناء صدِّيق رد فعلها بعدما عرفت أن ابنها حمزة يتعرض للاعتداء الجنسي في مدرسته وهو لم يبلغ الثامنة بعد. في البداية لاحظت الأم، وهي مُدرِّسة في حضانة، تغيّر سلوك الطفل؛ "بقى عدواني مع إخواته وأصحابه وهو ما كانش كده، افتكرت إن فيه حد بيضايقه، لكن الموضوع استمر وبقى أسوأ وكل ما أسأله يقول ما فيش حاجة"، قبل أن تكتشف كل شيء.(*)
فذات يوم، ذهبت سناء بسيارتها إلى المدرسة لتعود بحمزة إلى البيت بدلًا من السيارة الخاصة التي تعود به من المدرسة مع تلاميذ آخرين، لكنه تأخر في الخروج يومها "لما سألته قال كنت مع صحابي. بس كان سرحان ومش مركّز". أثار ذلك قلقها، لذلك "أول ما وصلنا البيت حضنته وسألته تاني. انهار في العياط وقال أنا مش عايز أروح المدرسة تاني"، وفق ما تقول لـ المنصة.
في اليوم التالي، بدلًا من الذهاب للمدرسة اصطحبه والده الذي يعمل محاسبًا في نزهة "لحد ما الولد اعترف باللي بيحصل من المُدرّس بتاعه" الذي كان يعتدي عليه جنسيًا؛ لتبدأ العائلة مسار الإجراءات القانونية.
تكتَّمت الأسرة حتى وصل البلاغ إلى النيابة، ثم أُحيل للقضاء، تقول سناء "ما كناش عايزين الخبر يوصل للصحافة عشان ما نضطرش نتعامل مع آثار ده"، وهو منحىً تتبعه معظم الأسر التي تواجه هذا الكابوس، الذي تكاثرت حوادثه خلال الأسابيع الأخيرة، بعد الكشف عن تعرض أطفال للاعتداء الجنسي في المدارس، من بينها واقعة مدرسة سيدز الدولية بالقاهرة حيث كان المعتدين من العاملين، ووجهت لهم تهمة الخطف المقترن بهتك العرض.
وفي الإسكندرية أحالت محكمة الجنايات المتهم بالاعتداء على الأطفال بإحدى المدارس الدولية إلى المفتي، كما أُلقي القبض على مدير إحدى المدارس الخاصة بالقليوبية لتحرشه بطالبة، وصدر حكمٌ نهائيٌّ على المتهم بالاعتداء على الطفل "س" في البحيرة بالحبس المشدد 10 سنوات.
إحصاءات ليست للنشر
اعتمادًا على الأخبار المنشورة في الصحف المصرية عن حالات جرى الإبلاغ عنها عبر محاضر رسمية، رصدت المنصة 71 واقعة اعتداء جنسي على الأطفال في المدارس خلال السنوات الخمس الماضية.
لا يُعبّر هذا الرقم عن حجم الظاهرة، فحسب إحصاء لليونيسف صدر في 2024؛ تعرّض واحد من كل ثمانية أطفال في العالم لإساءة جنسية قبل بلوغ الثامنة عشرة، فيما تشير الإحصاءات الصادرة في 2025 عن المجلس القومي للأمومة والطفولة في مصر إلى ارتفاع بلاغات التحرش بالأطفال بنسبة 35% خلال العامين الماضيين.
لكن الثقافة المجتمعية تعزز الخوف من الإفصاح عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال بسبب الوصم الاجتماعي، لذلك فما يُنشر في الصحف لا يشكّل إلا جزءًا من الحوادث التي جرى الإبلاغ عنها.
ولأنه لا تتوفر لدينا قاعدة بيانات كاملة بسبب إخفاء الإحصاءات الرسمية، إذ رفض المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية مشاركتنا الأرقام الخاصة بالتحرش في المدارس بدعوى أنها ليست للنشر. ومع غياب أي توثيق يمكن الوصول منه لأعداد البلاغات المقدمة، اعتمدنا على المتاح من التغطيات الإخبارية.
تنشر الصحف عادة عن الحوداث التي عرفت طريقها إلى الهيئات القضائية المختصة، وهو ما يُفسّر أن 76% من هذه الوقائع حُبس المتهمون فيها على ذمة التحقيقات (54 واقعة)، و8% منها لا يزال التحقيق فيها جاريًا، بينما أحيلت 4% إلى الجنايات، و7% فقط صدرت فيها ما بين أحكام نهائية وباتّة بالسجن المؤبد أو لمدد تراوحت بين سنة إلى سبع سنوات.
وتُظهر البيانات أن عام 2025 شهد أكبر عدد من الحالات بـ28 حادثة (39%)، فيما وقعت 30% من الحالات عام 2021، وجاء عام 2024 في المركز الثالث بـ20% من إجمالي الـ71 واقعة. ولا يشير تذبذب الأرقام إلى انحسار أو انتشار الظاهرة، إذ يبقى النشر محكومًا بعوامل عدة أبرزها وصول بلاغات الضحايا إلى الجهات القضائية.
استهدف البحث كلمات بعينها مثل التحرش بتلميذ، التحرش بطالب، التحرش في مدرسة، هتك عرض تلميذ، مدرس يتحرش بطالب، مع مراعاة التأنيث، للوصول إلى الحالات التي شكلت قاعدة البيانات بهدف رصد مراحل وأماكن وأنماط التحرش التي يتعرض لها الأطفال.
يُظهر تحليل البيانات تصدّر القاهرة قائمة الاعتداءات الجنسية على التلاميذ بواقع 27 حادثة أُبلغ عنها بنسبة 38%، تلتها الجيزة بـ17 واقعة (24%)، وجاءت الإسكندرية والشرقية والدقهلية في المرتبة الثالثة بـ5 وقائع لكل محافظة، فيما تساوت أسيوط والغربية والبحيرة والقليوبية بحادثتين لكل منها، بينما سُجّلت واقعة واحدة في كل من الفيوم والمنوفية والوادي الجديد وبني سويف.
قد يرتبط تصدّر القاهرة والجيزة بمركزيتهما الإعلامية، وما تحظيان به من متابعة إخبارية أسرع ومساحات أوسع في الصحف مقارنة بمحافظات أخرى.
مثالية المجرمين
تُعرَّف البيدوفيليا بأنها انجذاب جنسي مستمر للأطفال قبل سن البلوغ، ويصنّفها الطب النفسي كـاضطراب جنسي (Paraphilic Disorder). ويُطلق عليها رسميًا اضطراب البيدوفيليا عندما تكون الرغبات متكررة وتؤدي إلى أذىً أو خطرٍ فعليٍّ على الطفل.
ويشير الدكتور وليد هنداوي، استشاري الطب النفسي إلى الإصابة بالبيدوفيليا في تحليله لأنماطٍ من شخصيات مرتكبي مثل هذه الوقائع، بالأخص ممن لا يبدو عليهم سلوك إجرامي.
كما يلفت إلى أن البيدوفيليا تؤدي لاضطراب نفسي شديد قد يصل بالمريض إلى ارتكاب القتل، مؤكدًا لـ المنصة أن الشخصية المرضية تتكون نتيجة العديد من العوامل المجتمعية والأسرية، فـ"أغلب الحالات التي تم تحليل شخصياتها تبين أنها كانت تعاني من غياب الاستقرار الأسري، والإحساس بالدونية تجاه الآخرين مما يغذي لديه شعور الحقد والسخط". وهو ما يتفق مع الدراسات التي تشير إلى تداخل عوامل نفسية وبيولوجية وبيئية دون سبب واحد قاطع.
ويبين هنداوي أن كثيرًا من الحالات تنجح في إخفاء سلوكها الإجرامي تحت قناع الأخلاق والظهور بمثالية مفرطة في بعض الأحيان، لافتًا إلى أن أغلب المصابين بالبيدوفيليا يعانون من الانفصال الجزئي الذي ينتج عنه خلل في العديد من المناطق الدماغية التي تربط بين علاقاته وخياله، وفي الحالات العمرية الأكبر يعاني المريض في أغلب الحالات من عدم الرضا في العلاقات الجنسية الطبيعية أو قد يكون من الشخصيات المنبوذة أسريًا ومجتمعيًا مما يزيد من احتمالية تعرضه للاكتئاب وهو ما يزيد من احتمالية ارتكابه للجرائم.
ولا يوجد حتى الآن شفاء نهائي مثبت لهذا الاضطراب، لكن العلاج النفسي المتخصص، وأحيانًا الأدوية، يمكن أن يساعدا في التحكم في الدوافع وتقليل احتمالات الاعتداء عند الخضوع للعلاج.
الابتدائية تتصدر
"الذكريات تطاردني دائمًا، ريحة أنفاسه الكريهة ونظراته المرعبة، واقفة وجسمي زي لوح التلج ونبضات قلبي هتطلع من صدري من الخوف، كل ده موقفهوش، استمرت ايديه تتحرك على جسمي"؛ لا تزال وفاء حسن، وهي في العقد الرابع من عمرها، تتذكر تعرضها للتحرش على يد أحد مدرسيها خلال المرحلة الابتدائية.(*)
لم تتعاف بعد من آثار الصدمة؛ "مكنتش الوحيدة، شفته بيعمل كده مع بنات تانية، ولا واحدة قدرت تتكلم، كنا بنعيط بس" تقول لـ المنصة.
"كنت بكره حصته وأتحجج بأي حجة عشان أخرج للحمام أو أي حاجة"؛ تتذكر وفاء كيف كان يفعل فعلته في الفصل "بعد ما بيخلص شرح بيلعب معانا لعبة هو يقول شمس، واحنا نرفع إيدينا ونقول شششش، ولما يقول قمر، نخبي وشوشنا بإيدينا على الديسك، ويثبتنا على الوضع ده وينده واحدة عنده يتحرش بيها".
في إحدى المرات قررت وفاء أن تفتح عينيها؛ "بعد ما زميلتي اللي جنبي اتشدت وهي ماسكة في هدومي، شفته مسك إيديها وحطها على منطقة حساسة في جسمه، ولما شدت إيدها جامد، هو بدأ يحسس على جسمها"، وحين بكت الفتاة الصغيرة "إداها شوكولاتة وقال لها أنا بحبك زي بابا وإنتي كنتي واحشاني بس"، في محاولةٍ لاستمالتها عاطفيًا، وهو سلوك يلجأ له نصف المتحرشين بالأطفال لإحكام السيطرة على ضحاياهم، وفق دراسة منشورة في مجلة Deviant Behavior عام 2015.
تقول وفاء التي كانت تعمل في قسم الموارد البشرية في إحدى الشركات الخاصة "قدمت على إجازة لرعاية ابنى من 2023، هو دلوقتي عنده سنتين والحقيقة مش عارفة لما يوصل سن المدرسة أنا ممكن أعمل ايه؟ مش عارفة هبقى قادرة أوديه وله لأ؟ خصوصًا بعد الحوادث اللي اتنشرت عن أكتر من مدرسة الفترة اللي فاتت".
وتُظهر البيانات التي تكشف عنها المواد الصحفية المنشورة أن المدرسة تأتي على رأس الأماكن التي تقع فيها حوادث التحرش بنسبة 58%، فيما جاءت المنشآت التعليمية الأخرى مثل الدرس الخصوصي والسنتر التعليمي في المرتبة الثانية بنسبة 25%، بينما وقعت 14% من الحوادث في المواصلات المستخدمة للذهاب إلى المدرسة من قبل السائقين أو المشرفين.
ووفق ما رصدته المنصة، تتركز حوادث التحرش في المرحلة الابتدائية، بإجمالي 24 واقعة من أصل 71 بنسبة 34%، تليها الإعدادية بـ18 واقعة (25%)، ثم الثانوية بـ7 حوادث، ثم رياض الأطفال في المرتبة التالية، بـ4 وقائع، فيما لم توضح التغطيات الإخبارية المرحلة الدراسة للمعتدى عليهم في 18 واقعة.
تُظهر البيانات أن 96% من الوقائع تندرج تحت بند الاعتداء الجسدي، بإجمالي 68 حادثة، في حين لم تتجاوز حالات التحرش اللفظي ثلاثًا، بنسبة 4%.
ويحتل المدرسون المركز الأول في قائمة المتهمين بالتعدي على التلاميذ بـ35 واقعة بنسبة 49%، يليهم العاملون والموظفون بـ13 واقعة (18%)، ثم السائقون في المرتبة الثالثة بـ8 وقائع (11%).
مصطلحات قاصرة
تُرجع دراسة "الأبعاد الاجتماعية للتحرش ضد الأطفال - دراسة تحليلية وميدانية في محافظة قنا"، الصادرة عن قسم علم الاجتماع في کلية الآداب بجامعة جنوب الوادي عام 2024، تكرار الانتهاكات إلى تقصير الدولة في تشريع قوانين صارمة لمواجهة ظاهرة الاعتداء الجنسي على الطفل، كما تشير إلى تستر المدارس على الجريمة.
تندرج جرائم التحرش الجنسي وهتك العرض تحت مظلة الاعتداءات الجنسية، حسب المحامية هيام الجنايني مسؤولة وحدة الدعم القانوني بمبادرة مؤنث سالم والمهتمة بقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، فالتحرش هو "قيام الجاني بتوجيه إيحاءات أو إشارات جنسية أو إباحية، سواء بالقول أو بالفعل، ضد المجني عليه بأي وسيلة"، ويشمل ذلك التحرش اللفظي وغير اللفظي والتحرش الجسدي.
أما هتك العرض فهو الفعل الذي يمس جسد شخص ويخل بحيائه العرضي ويستطيل إلى عورته دون أن يصل بالضرورة إلى مرحلة الجماع الكامل، ويشمل ذلك كشف العورة أو إجبار المجني عليه على كشفها، ويُعد ارتكابه بالقوة والتهديد سببًا لتشديد العقوبة، وفق المادة 268 من قانون العقوبات.
ويقر القانون عقوبة الحبس من عامين إلى أربعة على كل من تعرّض لغيره بأفعال أو أقوال ذات طبيعة جنسية، ويشدد العقوبة إلى السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات إذا اقترن ذلك بالسعي للحصول على منفعة جنسية من المجني عليه، وإلى سبع سنوات إذا كان المتهم صاحب سلطة على الطفل، سواء كانت عائلية أو تعليمية أو اجتماعية، وذلك وفق المادتين 306 مكرر "أ" و"ب" من قانون العقوبات.
كما يبلغ التشديد ذروته في جرائم هتك العرض والاغتصاب، إذ تنص المواد 267 و268 و269 على عقوبات تبدأ بالسجن المشدد ولا تقل عن سبع سنوات في حالات الأطفال، وتصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام إذا كان المجني عليه دون الثامنة عشرة، أو كان الجاني من ذوي القربى أو الولاية أو المسؤولية عن رعاية الطفل.
تطالب أمل سلامة، عضوة لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بتشديد العقوبات، "أي حد يثبت عليه تحرشه بطفل لازم تكون عقوبته الإعدام"، مؤكدة أن المجلس في الدورة المقبلة سيناقش مشروعات قوانين من أجل إجراءات قوية ورادعة؛ "وتيرة الحوادث الحالية هتفرضه على الأجندة التشريعية".
ويدعو الدكتور وليد هنداوي لضرورة اعتماد الكشف النفسي والاجتماعي للمتعاملين مع الأطفال بشكل دوري لتوفير الأمان والحماية ومحاولة تحجيم الظاهرة، وتوفير وسائل الرقابة والإشراف بكافة المراحل التعليمية، لا سيما المراحل العمرية الصغيرة، إضافة إلى دعم التربية الجنسية داخل الأسرة والمدرسة، ومن خلال البرامج التوعوية.
حتى لو تحقق ذلك على أرض الواقع، فإنه لن يشفي جراح ضحايا الاعتداء الجنسي، إذ لا تزال الذكريات تحاصر وفاء حسن المحاصرة بالقلق والهواجس التي دفعتها للجوء إلى العلاج النفسي، متنمية أن تحقق خطوات قبل وصول ابنها لسن الحضانة. فيما فشلت محاولات الطب النفسي في محو بصماته من روح الطفل حمزة، خاصة وأن الجناة لم ينالوا عقوبتهم بعد.
(*) أسماء مستعارة بناء على طلب المصادر.