تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
إدوين هابل وكوبرنيكوس وأرسطو

الكون بين التشكك والفهم

رحلة تطور علم الكونيات

منشور السبت 8 آب/أغسطس 2026

في أغلب الأحاديث التي جمعتني بأصدقاءٍ عن علم الكونيات/Cosmology، وكثير منهم مهتمون بالعلوم، كنت ألمحُ علامات الدهشة بل والتشكيك فيما أقول، وكأنني أتحدث عن موضوع لا قبل للعقل الإنساني بفهمه أو التحقق من ظواهره. فكيف يمكننا أن ندرس الكون بأكمله، بل كيف يمكن أن نعرف ما هي قوانين الفيزياء في مجرة أخرى تبعد عنا مليارات المليارات من الكيلومترات. فلم يذهب أحد هناك ليخبرنا عن تلك القوانين!

حينها كنت أقول: نعم لقد نجحنا في ذلك. نحن سكان هذا الكوكب الذي يدور حول نجم متوسط في مجرةٍ تضم مئات مليارات النجوم، استطعنا فهم واختبار ما فهمناه عن الكون كنظام فيزيائي واحد، بل وأسست تلك المحاولات أحد أكثر العلوم دقة وتعقيدًا في عصرنا الحديث.

هذا الشك الذي يراود أصدقائي مشروع ومفهوم تمامًا، فالكون يمتد لمسافاتٍ تتجاوز قدرتنا على التخيل، وعمره يُقدر بـ 13.8 مليار سنة، ويحتوي على كمياتٍ هائلة من المادة والطاقة لا يمكن للعقل البشري استيعابها بسهولة. وهنا يكمن سحر العلم، أنه لا يطلب مِنَّا فهم هذا النظام المعقد دفعة واحدة، بل يدعونا إلى التساؤل واستكشاف جوانبه واحدة بعد الأخرى.

إن تاريخ علم الكونيات هو تاريخ تطور أفكارنا عن العلم. فقد تحول هذا الشك الأوَّلي إلى فضول علمي منظم، قادنا إلى مشاهدات وتجارب لا حصر لها، خرجت منها نظريات ونماذج قابلة للاختبار والنقد والتعديل، حتى وصلنا لنموذجنا الحالي عن الكون.

الأزمنة القديمة

نموذج كوبرنيكوس لتفسير حركة الكواكب انطلاقًا من فرضية "مركزية الشمس"

لنعد بالزمن قرونًا إلى الوراء إلى العصور القديمة، حيث سادت النظرة الأرسطية عن الكون.

آمن الفيلسوف اليوناني أرسطو يؤمن بأن الكون منظم بشكل هرمي مثالي، تقع الأرض في مركزه الثابت وتجذب الأجسام الساقطة نحوها فتسير في خطوط مستقيمة. برأي أرسطو انقسم الكون إلى عالمين: عالم التغير والفساد الذي نعيش فيه على الأرض، وعالم الكمال السماوي الذي تسكنه الكواكب والنجوم والأجرام السماوية وكان يعتقد أنها تتكون من مادة مختلفة. تتحرك الأجرام السماوية في فيزياء أرسطو تتحرك في دوائرَ مثاليةٍ حول الأرض، وكان الاعتقاد السائد أن هذه الحركة الدائرية هي الحركة الأكثر كمالًا.

لم يكن نموذج أرسطو مجرد فلسفة مجردة، بل استند إلى ملاحظات فعلية لكنها غير دقيقة. فعندما ينظر الإنسان إلى السماء ليلًا، يبدو له بالفعل أن الكواكب والأجرام تدور حوله، وأن الأرض ثابتة تحت قدميه. ومن منطلق هذا الانطباع الحسي المباشر، بدا طبيعيًا أن يرى في الأرض مركز الكون. حملت هذه النظرة في طياتها فكرةً تداعب نرجسيتنا، فحواها أن الإنسان والأرض يحتلان مكانة خاصة في الكون الذي خُلق بأسره للدوران حولنا.

ظلت النظرة الأرسطية مسيطرة لأكثر من ألفي عام، حتى جاء العالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543) ليقلب الصورة على رأسها. في كتابه الشهير De revolutionibus  orbium coelestium/عن دوران الأجرام السماوية، إذ طرح نموذجًا ثوريًا تكون الشمس في مركزه بدلًا من الأرض. هذا النموذج، المعروف باسم النموذج الكوبرنيكي، لم يكن مجرد تغييرٍ جغرافي في موقع الأرض، وإنما ضربة قاصمة لفكرة مركزية الأرض والإنسان في الكون.

في البداية أقنع نموذج كوبرنيكوس قلة قليلة من العلماء، لكن بعد عقود كان لأعمال كل من يوهانس كبلر (1571-1630) وجاليليو جاليلي (1564-1642) الأثر العظيم في تثبيت نموذج كوبرنيكوس و بالتدريج سقطت فكرة مركزية الأرض، وفتح الباب أمام فهم جديد للكون.

مع تطور الفكر العلمي، تبلور مفهوم أعمق وأشمل يُعرف بـ"مبدأ كوبرينكوس العام"/Copernican Principle. ينص هذا المبدأ على أن الأرض والشمس والمجموعة الشمسية ليست مواقع مميزة أو خاصة في الكون، بل إن كل مكانٍ في الكون مثله مثل أي مكانٍ آخر من حيث الخصائص الفيزيائية والقوانين. تأكد ذلك أكثر عن طريق قوانين نيوتن للحركة والجاذبية والتي وحدت بين الميكانيكا الأرضية والميكانيكا السماوية في الفيزياء الكلاسيكية العظيمة. فبسبب قانون الجاذبية لا بد أن يكون توزيع المادة في الكون متجانس ولا يوجد فرق حقيقي في الأماكن المختلفة، فمثلًا لو زادت كثافة المادة في مكان ما لانجذبت المادة إليه وتكتلت معظم مادة الكون بالتدريج في هذا المكان. ولأننا لم نرصد ذلك، فلا يوجد مكان يتمتع بمكانة خاصة أو مميزةٍ عن غيره.

هذا المبدأ ليس مجرد فلسفةٍ جمالية، بل هو حجر الزاوية في علم الكونيات الحديث. فعندما ينظر علماء الفلك إلى أجزاء بعيدة من الكون، يجدون أنها تتكون من نفس العناصر الكيميائية التي نجدها هنا على الأرض، وأن القوانين الفيزيائية هي نفسها في كل مكان.

وهناك المئات من المشاهدات والتجارب الدقيقة التي تؤكد تلك الحقائق عن القوانين الفيزيائية وتكوينات العناصر والمركبات الكيميائية. فالعناصر مثل الهيدروجين والهيليوم وغيرها عندما تُعطى طاقة أو تثار ذراتها تصدر موجات كهرومغناطيسية مرئية (ما نسميه الضوء) وغير مرئية.

نسمي هذه الموجات "طيف العنصر" ونستطيع رصدها وهي بمثابة بصمات أصابع مميزة للعنصر. وبتحليل الضوء القادم من النجوم البعيدة، وجدنا نفس بصمات أصابع الهيدروجين والهيليوم وبقية العناصر والمركبات في هذا الضوء.

وبقياسات أخرى، عرفنا أنها تخضع لنفس قوانين الجاذبية والديناميكا الحرارية التي تَحكم الفيزياء على الأرض. هذا الاتساق المذهل يعني أن قوانين الفيزياء قوانين كونية، أي نستطيع دراسة الفيزياء هنا على الأرض، ومن ثم تطبيق ما تعلمناه على أجزاء من الكون لا يمكننا حتى الوصول إليها!

لماذا لا تتوهج السماء ليلًا؟

منذ وقت نيوتن واجه علماء الكونيات لغزًا محيرا يُعرف بمفارقة أولبرس/Olbers' Paradox. سُمِّيت على اسم عالم الفلك الألماني هاينريش أولبرس (1758-1840). إذا كان حجم الكون كبيرًا وكانت النجوم موزعةً حولك كأوراق البصلة بعضها فوق بعض، سيعني ذلك أن النظر نحو أي اتجاه في السماء يعني أن خط البصر سيصطدم في النهاية بضوء نجمٍ ما قريبًا كان أو بعيدًا. ما يعني أن كل نقطةٍ في السماء يجب أن تتوهج بنور نجم ما، لتصبح السماء في النهاية ساطعة ليلًا، وهو عكس ما نراه تمامًا.

دخل علم الفلك في القرن العشرين مرحلة جديدة تمامًا مع اختراع التلسكوبات الكبيرة والأكثر دقة

شكَّلت هذه المفارقة لغزًا عميقًا ورجَّحت أن افتراضاتنا عن الكون خاطئة، إلى أن ظهر الحل الثوري عند اكتشاف هابل تمددَ الكون وابتعاد المجرات عنا بسرعة تتزايد مع المسافة. فتوسع الكون يؤدي إلى استطالة الطول الموجي للضوء وهي ظاهرة مرصودة تسمى الانزياح للأحمر/Redshift. وبذلك يتحرك ضوء النجوم البعيدة نحو منطقة الضوء الأحمر وما بعد الأحمر فيخرج خارج الطيف المرئي؟ لكن هذا جنون كيف عرفنا أن الكون يتمدد؟ سنتحدث عن ذلك فيما سيأتي، لكن بداية القصة حدثت مع مناقشات وجدالات علمية حادة في بداية القرن العشرين عن مدى اتساع الكون!

دخل علم الفلك في القرن العشرين مرحلة جديدة تمامًا مع اختراع التلسكوبات الكبيرة والأكثر دقة وبدأنا نرى تجمعات نجمية كبيرة كان منها ما سمي السدم الحلزونية/Spiral Nebulae. وفي عام 1920، دار ما يُعرف بـ الجدل العظيم/The Great Debate بين عالمي الفلك هارلو شابلي/Harlow Shapley وهيبرت كورتيس/Heber Curtis، موضوعها الرئيسي طبيعة السدم الحلزونية التي كانت تُرى في السماء.

كان شابلي يعتقد أن هذه السدم الحلزونية مجرد سحب غازية ضمن مجرتنا، وأن مجرة درب التبانة هي الكون بأكمله. أما كورتيس فقد جادل بأن هذه السُدم هي في الواقع مجرات منفصلة وضخمة، تشبه مجرة درب التبانة، وتقع على مسافاتٍ هائلة بعيدة عنا. هذا الجدل لم يكن مجرد خلاف أكاديمي، بل كان يتعلق بسؤال عملي عن حجم الكون! فهل الكون يتكون من مجرة واحدة بها هذه السدم، أم أنه يحتوي على عدد كبير من المجرات؟

اتساع الكون ليس مجازًا

نموذج تطور الكون والحياة عقب الانفجار الكبير big bang

جاء الحسم في هذا الجدل على يد عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل (1889-1953). باستخدام تلسكوب جبل ويلسون الضخم، تمكن هابل من رصد نجوم قيفاوية/Cepheid Variables في أحد السدُم الحلزونية، وهي نجوم يتغير سطوعها بشكل دوري معروف. وبقياس هذا السطوع، استطاع هابل حساب المسافة إلى هذه السدم، واكتشف أنها تقع على مسافات تفوق بكثير حجم مجرة درب التبانة!

بذلك، أثبت هابل أن السدم الحلزونية مجرات منفصلة تمامًا، وأن الكون به مجرات كثيرة مثل مجرتنا!

لكن الاكتشاف الأكثر إثارة كان ما توصل إليه هابل عام 1929. لاحظ هابل أن الضوء القادم من المجرات البعيدة له طيف أو "بصمات أصابع" تنزاح نحو الأحمر. معنى ذلك أن هذه النجوم تتحرك مبتعدة عنا وأن تلك الإزاحة تزداد كلما زادت بعد المجرة. فكل المجرات من حولنا تبتعد عنا، وأن سرعة ابتعادها تتناسب طرديًا مع مسافتها. هذه العلاقة، المعروفة بـ"قانون هابل"، كانت الدليل الأول والأقوى على أن الكون ليس ثابتًا، بل يتوسع! فلو تصورنا المجرات كنقاط مرسومة على بالون كبير يزداد حجمه بمرور الوقت فتتباعد النقاط عليه عن بعضها!

.. وتبقى دائمًا أسئلة مهمة

نعود الآن إلى السؤال الذي بدأنا به: هل يمكننا حقًا أن نفهم الكون؟ بعد هذه الرحلة يبدو أن الإجابة هي نعم! لقد انتقلنا من نظرة أرسطية ترى الأرض مركز الكون، إلى نظرة كوبرنيكية تدرك أننا لسنا في مركزٍ خاص. انتقلنا من لغز أولبرس المحير، إلى مشاهدات هابل الدقيقة التي بدأ بها علم الكون الحديث. نحن نعرف الآن أن عمر الكون حوالي 13.8 مليار سنة، وأنه يتكون من حوالي 5% مادة عادية نفهمها جيدًا، و27% مادةٍ مظلمة نعرف عنها أقل القليل، و68% طاقةٍ مظلمة لا نعرف عنها شيئًا. نحن ندرس تكوين أولى المجرات، ونشأة النجوم، ومستقبل الكون!

قبل اكتشاف المادة والطاقة المظلمة كنا نعتقد أننا نفهم 100% من مكونات الكون، أما الآن فنعرف أننا لا نفهم سوى 5% من مكوناته!

لكن تبقى أسئلة كبرى قائمة: ما هي المادة المظلمة؟ ما هي الطاقة المظلمة التي تسرِّع توسع الكون؟ هل هناك أكوان أخرى يمكن رصدها؟ وما الذي حدث قبل الانفجار العظيم؟ هذه أسئلة لرحلة استكشاف ربما لا تنتهي.