سوداني على باب المعبر المصري
الريحُ تَسحَبُ أَذيالًا وَتَنشُرُها/ يا لَيتَني كُنتُ مِمَّن تَحسَبُ الريحُ - عمرو بن أبي ربيعة
غلبت قطع تذاكر/ وشبعت يارب غربة - بيرم التونسي
ليست المسافة بين البيتين الأول والثاني زمنيةً فحسب؛ فكلا الشاعرين يعالج معاني كالسفر والغربة بمزاج متباين. عمرو بن أبي ربيعة يعيش التجربة وفق محددات عصره، وقتها لم تُرسم الحدود بعد ولم يعرف إنسان ذلك الزمن الدولة القومية بمؤسساتها وبيروقراطيتها وقوانينها. لم تكن الحدود تُغلق ويُحظر مواطنو بعض الدول من دخول أخرى. لم يعرف اللجوء سياسيًّا كان أو إنسانيَّا. يمتطي دابته ويمم وجهه وفقًا لجغرافيته ذات الخيارات المحصورة.
أما بيرم فعاش عصرًا مختلفًا فيه الجغرافيا أوسع والأقدام مكبلة. لا ساعة لميعاد الرحلة سوى عقارب المجهول. لا حقائب إلا ما اكتنزته الذاكرة وما عاشته الأحاسيس بإفراط، إضافة للكثير من التجارب المؤجلة. هنا الكثير من الحوائط العازلة والأسلاك الشائكة والنظرات المريبة.
أسباب السفر تشعبت وتنوعت؛ الذي يدفع الفلسطيني والعراقي والسوري والسوداني للسفر ليس ما قد يدفع السويدي لذلك. الحرب والجوع والقمع لا ترد غير في مخيلة إنسان العالم الثالث وترغمه على الهجرة عن مراتع صباه ودروب شبابه.
يحدد الواقع السياسي هوية رحلتك. الأفارقة الذين كُدِّسوا في سفن تجار الرقيق ليشيدوا الحضارة الغربية كانوا أيضًا في حكم المسافرين. المهاجرون الهاربون من جحيم أوطانهم والذين ابتلعهم البحر الأبيض المتوسط هم أيضًا على سفر. لا يستقبلهم أحد -لو نجوا من الغرق- بالورود والعناق الحميم، بل معسكرات تعدهم لشتى الإهانات والاستغلال، عدا ما ينتظرهم من قوانين تثبت عليهم جرائم لم يرتكبوها.
مواسم الهجرة إلى الشمال
بعد عشرة أيام من اندلاع الحرب المستعرة في السودان بين الجيش النظامي وميليشيا الدعم السريع، كنت أقف فيما يعرف بـ"المحايد"، وهو اسم المنطقة الفاصلة بين معبر أشكيت السوداني وقسطل المصري، في الحدود الفاصلة بين البلدين. مساحة لا تتعدى الـ100 متر طوليًا، وينتظر فيها المسافرون إذن الدخول لتبدأ بعد ذلك إجراءات التأشيرة.
وقتها حذرَنا ذوي الخبرة السابقة بضرورة الاحتياط من العقارب التي تكثر في البيئة الصحراوية، خصوصًا وأن الفصل كان صيفًا. تأملت هذا التحذير وأنا أرى بأم عيني العقارب تتنقل بحرية بين المعبرين دون الحاجة لجواز سفر أو تأشيرة! أعادت لي هذه المفارقة اللحظات الأخيرة لشخصيات رواية رجال في الشمس للفلسطيني غسان كنفاني، وكيف واجهوا مصيرهم داخل خزان حديدي مغلق تحت درجة حرارة تصهر الحجر قبل البشر. ماتوا لأن في الحدود بين الدول موظفين مهمتهم فرز الصالح المسموح له بالدخول من الطالح.
مجند حرس الحدود المصري الشاب، الذي يبدو أنه يؤدي الخدمة الوطنية، لا تعنيه الأسئلة والخواطر التي تدور داخل رأسي، من شاكلة: هل يعلم أن أبي مدفون في مقبرة بالسويس؟ هل يعرف أن أبناء شقيقتي مصريون بحكم جنسية والدهم؟ هل يعلم أن أول نص شعري لي نُشر في مجلة "صباح الخير"؟ هل يعرف أن نجيب محفوظ كان وما زال كاتبي المفضل؟
السائق الذي أقلنا من أبو سمبل إلى أسوان كان يرتدي جلابية هي عينها التي يرتديها سكان شمال السودان
هل يعلم أنني أصبت بعوز الدم نتيجة السهر لمعايشة الأيام الثمانية عشر إبان ثورة يناير 2011. أسئلة لا تعترف بالحدود والأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة، لكنها لا تعني شيئًا لموظف الجوازات الذي يؤدي دورًا يصب في الأمن القومي، والتقصير فيه يعتبر خيانة عظمى.
حدود متخيلة.. فواصل استعمارية
في كتابه آثار استعمارية: تشكل هوية وطنية في الأردن، يحلل جوزيف مسعد وينقد الخطابات القومية والوطنية لتواطئها في معظم الأحيان مع الفكر الكولونيالي ومؤسساته الاستعمارية كما يوضح في مقدمة الكتاب، ويتتبع أيضًا عملية إنتاج الهوية والثقافة الوطنيتين، فالدولة الوطنية وريثة ما بعد الكولونيالية ذات الحدود الجغرافية، وجيشها، ونشيدها القومي، وسرديتها التاريخية، ومطبخها وأزيائها وأغانيها؛ جميعها مقدرات مقدسة يتحتم على ضباط الجوازات صونها والذود عنها.
كل هذا جميل، لكن الحدود رُسمت بعيدًا عنا، ودون أن يستشيرنا أحد، فضلًا عن ذلك هل تمثل بحقٍ الفواصل الحقيقية بين المكونات الاجتماعية والعرقية التي بعثرها وشظّاها الاستعمار وعزز التباينات بينها؟ فمن مدينة دنقلا السودانية (عاصمة الولاية الشمالية المتاخمة للحدود الجنوبية لمصر) حتى دخولك لأسوان (بوابة مصر الجنوبية)، لا تلمس فروقًا جوهرية بين الناس في أشكالهم وأزيائهم وعاداتهم وتقاليدهم.
سائق الميكروباص الذي أقلنا من أبو سمبل إلى أسوان كان يرتدي جلابية هي عينها التي يرتديها سكان شمال السودان، وحين سألته لماذا تُشغل أغاني سودانية، وكنت أظنه يفعل ذلك مجاملة لنا، رد بأنهم يستمعون لـ محمد الأمين ومحمد وردي وعبد الكريم الكابلي وإيمان الشريف، وكلهم فنانون سودانيون.
الدولة القومية اختراع أوروبي بدأ بالتطهير العرقي في الأراضي التي احتلتها جيوش الرجل الأبيض
لا أروم هنا شطب الخلفيات والسياقات التي أفرزت خصوصية كل شعب، بل ما أريد قوله إن ما يجمع الناس خلف الحدود أكبر وأعمق مما دار في خلد راسمها وحارسها، وأن تعريف ذواتنا كمواطنين ضمن دولة معينة لا يعني بالضرورة مساهمتنا الفعلية في صياغة واقعنا الحالي.
الحملات المسعورة التي تستهدف اللاجئين والفارين من واقع قاسٍ وشروط قاهرة في الدول التي لجأوا إليها هي إفراز لخطاب شعبوي يكتسب شرعيته من أفكار منظري الدولة الحديثة ببنيتها القومية، التي تتمحور حول مفاهيم كـ"الأمة"، ناسبةً لنفسها كلَّ ما هو جميل ونبيل، وملقيةً على الآخر كل ما هو ذميم وقبيح.
في كتابه ثقافة أوروبا وبربريتها يشير المفكر الفرنسي إدجار موران لتبلور مفهوم "الأمة" ضمن السياق الأوروبي الذي تسرب بعد ذلك إلينا وأصبح دعامة ما صار يُعرف بالدولة القومية؛ يكتب موران "ما الذي حدث في هذه السنة الغريبة، سنة 1492؟ لم يحدث فقط اكتشاف أمريكا وبداية غزو العالم الجديد. إنها أيضًا سنة احتلال غرناطة، آخر معقل إسلامي في إسبانيا، وبعد ذلك مباشرة، ظهور مرسوم خاص باليهود والمسلمين يخيرهم بين اعتناق المسيحية أو الطرد. لقد ارتكز هذا الاختراع الأوروبي، الذي هو الأمة، على التطهير الديني في البداية".
هنا بيت القصيد، فقد نحا ذلك التطهير تدريجيًا نحو اتخاذ طابع عرقي استغلته الدولة القومية بعد ذلك لتوطيد سرديتها، وتستحيل معه الحدود حواجز نفسية وشعورية تستدعيها الشعوب في الأزمات والإخفاقات.
هل أبدو ناقمًا في هذه السطور؟ لا بأس، بعض النقمة لا تضر لتزجية وقت لاجئ بالمعنى اللغوي، وليس القانوني، ينتظر جوازه في صف التأشيرة ليدخل أرضًا كانت، إلى وقت لا يتجاوز القرن، أرضًا واحدة تحت سلطة واحدة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

