تعسف وقسر| كيف تصنع "الداخلية" الأزمة ثم تعاقب اللاجئين والمهاجرين عليها؟
إذا مررت بالإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية في العباسية خلال الأشهر الأولى من عام 2026 التي شهدت تصعيدًا غير مسبوق ضد اللاجئين في مصر، كنت سترى صفًا طويلًا لأشخاص سمر البشرة، بينهم نساء وأطفال، تحيط بهم حراسة أمنية، ويُقيد بعضهم إلى بعض.
لا يبدو المشهدُ للوهلةِ الأولى جُزءًا من إجراءات إدارية اعتيادية إنما نحن إزاء وضع استثنائي لتجميعات مهاجرين وطالبي لجوء، سودانيي الجنسية، يجري احتجازهم في الإدارة المختصة بملفات الهجرة والجنسية تمهيدًا لترحيلهم إلى بلادهم دون الالتفات إلى ظروف الحرب والأخطار التي تحيط بالعائدين.
ما بين القدوم إلى مصر، والإعادة الجبرية إلى السودان الذي لا تزال تتناهشه الحرب، يسقط عشرات الآلاف من المهاجرين في قلب أزمة تصنعها السلطات المصرية لهم، تحول من خلالها دون حصولهم على الإقامة الشرعية، أو تمكينهم من تنظيم وجودهم في البلاد، ليجدوا أنفسهم مطاردين ورهن الاحتجاز، والإعادة إلى بلادهم مرة أخرى.
وعلى الرغم من دخول اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب حيّز النفاذ اعتبارًا من الجمعة 21 أغسطس/آب، فإن ذلك لا يعني أن منظومة اللجوء الجديدة بدأت عملها فعليًّا. فلا تزال عناصر الإطار التشريعي والتنظيمي اللازمة لتطبيق القانون غير مكتملة أو غير معلنة، كما لم تُكشف ترتيبات انتقالية واضحة لإدارة انتقال الاختصاصات أو تنظيم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء. ولم يطرأ، حتى الآن، تغيير مُعلن في قواعد أو إجراءات التسجيل، بينما يظل الإطار المؤسسي المنوط به تنفيذ القانون غير مكتمل.
لا نجاة إلا عبر الصحراء
مع اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل/نيسان 2023، وفرار مئات الآلاف إلى دول الجوار، على رأسها مصر، وبدلًا من توفير طرق دخول آمنة ووصول فعلي إلى إجراءات التسجيل واللجوء، اتجهت السلطات المصرية إلى تشديد شروط الدخول، وصولًا إلى اشتراط استخراج تأشيرة مسبقة للسودانيين، الذين تعفى فئات واسعة منهم من متطلبات التأشيرة، في إلغاء عملي لترتيبات حرية الحركة بناءً على اتفاقية الحريات الأربع بين البلدين.
بالطبع لا يكون استخراج التأشيرات المسبقة في مستطاع أكثرية الفارين إلى البلاد، فلا الحرب تمنحهم الفرصة ولا الظروف الاقتصادية، وحسب شهادات وتقارير حقوقية، تسير إجراءات الحصول على التأشيرة في مسارات غير شفافة وعبر وسطاء وتستلزم تكاليف باهظة لا يقدر عليها المعظم، ليتحول طريق الحماية بذلك إلى مسار انتقائي، ويدُفع كثيرون لعبور الحدود بطرق غير نظامية، في ظل غياب بدائل آمنة ومتاحة.
ووثقت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية شهادات لناجين، أخبروا عن حالات وفاة وإصابات خطرة أثناء العبور إلى البلاد عبر الدروب الصحراوية، سواء بسبب انقلاب المركبات أو تعطلها أو ترك العابرين في مناطق نائية بلا ماء أو غذاء، من بينهم شهادة محمد عبد المجيد (*) التي وثقتها منصة اللاجئين، إذ انقلبت بهم السيارة خلال رحلة الفرار من الحرب، وتم توقيفه وترحيله رغم إصابته الخطيرة؛ "كنت مصابًا، وماتت أمي بعد انقلاب السيارة التي كانت تقلنا للدخول إلى مصر، فوجئت في المستشفى أنني مقيد ووضعت علي حراسة، وقبل انتهاء فترة العلاج عرفت من الضباط أنهم سيرحلونا جميعًا، وسوف تُدفن أمي في أسوان".
هذه النهاية التي انتهت لها رحلة هروب محمد، لا تمثل أثرًا جانبيًّا لسياسة التأشيرات، بل هي نتيجة متوقعة في سياق نزوح جماعي وحرب مستمرة من جهة، وإغلاق الطريق النظامي من جهة أخرى.
فخ في كل شبر
لكنَّ النجاةَ من الصحراء ليست نهاية الخطر، فإن نجا الآلاف فإنه لا تتاح لهم حتى فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب أوضاعهم، ويتم القبض عليهم واحتجازهم بمجرد الوصول إلى المحافظات الحدودية.
وكشف تحقيق شارك فيه الكاتب مع ذا نيو هيومانتيريان نشر في أبريل/نيسان 2024، مستندًا الى صور أقمار اصطناعية وشهادات ميدانية ووثائق وأدلة مرئية متقاطعة، عن عمليات إعادة فورية إلى السودان شملت نساء وأطفالًا، عقب احتجازهم في مناطق حدودية ومقار عسكرية استخدمت عمليًا كأماكن احتجاز، ولم تتح لكثيرٍ منهم فرصة تقديم طلب لجوء أو الحصول على تقييم فردي لمخاطر إعادتهم. كما وثقت منظمة العفو الدولية احتجازًا جماعيًا واعادة قسرية لسودانيين من دون إجراءات واجبة أو وصول فعلي إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
تُظهر هذه الممارسات النهج الذي تتبعه السلطات في مصر حيث تضع اللاجئين في قلب أزمة هي من تصنعها لهم
لا يقتصر الاستهداف على المناطق الحدودية، بل يمتد إلى المدن والطرق المؤدية إلى القاهرة، حيث تتركز عمليًا إجراءات التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فحتى من يتمكن من الإفلات من التوقيف عند الحدود والدخول إلى البلاد، يواجه خطرًا جديدًا أثناء انتقاله إلى العاصمة طلبًا للتسجيل أو المساعدة القانونية، لا سيما في ظل غياب مكتب تسجيل في أسوان يتيح معالجة أوضاع الواصلين بعد العبور.
وفي سبيل الوصول إلى موعد تسجيل أو الحصول إلى خدمة قانونية، تصبح محطات الحافلات والقطارات والكمائن الأمنية على الطريق نقاطَ خطر جديدةً، وفخاخًا لاصطياد المهاجرين وتحرير محاضر لهم تستخدم فيها لغة متكررة وتعبيرات فضفاضة، سبق ووثقتها منصة اللاجئين في مصر، تُبرَّر التحركات الأمنية عادةً بأنها جاءت بناءً على "تعليمات الوزارة" ومعلومات من "مصدر سري"، وتنتهي بتوقيف مجموعات من اللاجئين وتقسيمهم بين متهمين بـ"تهريب المهاجرين" و"الهجرة غير النظامية".
وتستند هذه المحاضر إلى قانون دخول وإقامة الأجانب رقم 89 لسنة 1960، وقانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين رقم 82 لسنة 2016.
هذه المحاضر لا تأخذ دائمًا المسار المعتاد، ولا تنتهي بتحقيق جنائي فردي أو بإثبات مسؤولية محددة؛ إنما تنتهي بإحالة الموقفين إلى "الجهة الإدارية المختصة، وشأنها"، ومن هناك تبدأ إجراءات الإبعاد عبر المنافذ البرية في رحلة طويلة عبر نقل الأشخاص بين أقسام الشرطة، ثم إلى المعابر الحدودية، في مشاهد شبهها أحد المحامين الذين يقدمون الدعم للاجئين والمهاجرين في جنوب مصر، ضمن شهادة سجلها لمنصة اللاجئين، بالاستعراض المسرحي؛ "أنت تعرف ما القرار الذي سوف يتم اتخاذه مسبقًا بالفعل، لأن محاضر الشرطة هي مجرد إجراء شكلي من أجل تجريم وجود الأشخاص داخل البلاد، على الرغم من المخالفة القانونية الظاهرة".
نحن من يصنع الأزمة
تُظهر هذه الممارسات بشكل جليٍّ النهج الذي تتبعه السلطات في مصر ، حيث تضع اللاجئين في قلب أزمة هي من تصنعها لهم، ثم تستغلها في التنكيل بهم وترحيلهم خارج البلاد.
تبدأ هذه الأزمة عبر تقييد الوصول إلى التأشيرة أو التسجيل أو تجديد الإقامة وهو ما لا يخلق وضعًا قانونيًّا هشًا وحسب، إنما ينتج "مخالفة" إدارية تستخدم لاحقًا لإثبات أن الشخص يستحق الاحتجاز والإبعاد؛ بعبارة أخرى تغلق وتتعقد السبل إلى الانتظام، ثم يعاقب من لم يتمكن منه.
هذه الظاهرة تُطلق عليها منصة اللاجئين في مصر وصفَ انعدام التوثيق القسري، وهي لا تتعلق بالواصلين الجدد فقط، وتمتد إلى المقيمين منذ سنوات، والمسجلين لدى المفوضية، وغيرهم ممن ينتظرون مواعيد لاستخراج الإقامة أو تجديدها قد تمتد إلى شهور طويلة، بينما تكون الإقامة محدودة المدة.
الشخص الذي يعاد إلى بلد الخطر قد يفقد مصدر رزقه وشبكته الاجتماعية ثم يجد نفسه مضطرًا إلى عبور حدود جديدة
بهذا المعنى يدخل الآلاف حالة "عدم انتظام" لم يختاروها، وهو ما تستخدمه أجهزة الدولة لتوصيفهم على أنهم موجودون بصورة غير قانونية، دون أن تلتمس الإدارة، وهي في هذه الحالة وزارة الداخلية، العذر ولا تجعل من العائق الذي ساهمت في خلقه سببًا للعقوبة، فالشخص الذي يحمل موعدًا للتسجيل، أو وثيقة من المفوضية، أو دليلًا على طلب تجديد الإقامة، لا ينبغي أن يعامل كما لو أنه أخفى وضعه أو تهرب من القانون.
هذا رغم أن وضع هؤلاء المسجلين يكون "قانونيًّا" ويتمتعون بحماية واجبة طبقًا للدستور المصري، حتى ولو كانوا في حالة "وصول أو وجود غير موثق/أو نظامي".
جحيم الإعادة القسرية
في أغسطس/آب 2023 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3326 لسنة 2023، مانحًا الأجانب المقيمين بصورة غير نظامية مهلة ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعهم وتقنين إقامتهم، في بعض الحالات عبر إيداع مبلغ ألف دولار أمريكي أو ما يعادله وتقديم مستضيف مصري.
ورغم تمديد العمل بالقرار لاحقًا، والتوضيح بأنه لا يشمل اللاجئين وملتمسي اللجوء، استُخدم في الخطاب الإعلامي أداةً وسرديةً لتجريم اللاجئين، عبر تصويرهم بوصفهم أشخاصًا "لم يقننوا أوضاعهم"، بمعزل عن عوائق الوصول إلى التسجيل والإقامة والحماية وأيضًا أنه لا يشمل المسجلين لدى مفوضية اللجوء.
وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن الحملة الأمنية، التي بدأت على نحو بارز في المناطق الحدودية خلال النصف الثاني من 2023 امتدت إلى داخل المدن والطرق ونقاط التفتيش وتوسعت بصورة ملحوظة؛ إذ تجاوز عدد الأشخاص الذين أُبلغ عن احتجازهم خلال عام 2024 أكثر من 20 ألف شخص، قبل أن يتضاعف العدد خلال عام 2025، بحسب شهادات فاعلين في مجال الحماية.
فبمجرد توقيف المهاجر لأي سبب أو في أي مكان، يُنقل إلى أقسام الشرطة، ثم يُعرض في بعض الحالات على النيابة بتهم تتعلق بالإقامة أو الدخول. وحتى لو صدر قرار بإخلاء السبيل، فإنه يرفق بإحالة الأمر إلى الجهة الإدارية، وهو ما لا يعني، في الغالبية العظمى من الحالات الموثقة، استعادة الحرية؛ بل يحول الشخص إلى مسار احتجاز إداري مغلق، ينتهي بنقله إلى الإدارة العامة للهجرة والجوازات والجنسية في العباسية، وهناك يصدر قرار بالإبعاد إلى السودان أو إلى بلد الجنسية، ومن ثم يُنقل المحتجزون بين أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز ونقاط الترحيل.
وتكشف شهادة أدلى بها لاجئ سوداني مسجل لمنصة اللاجئين الأثر الإنساني المتراكم لهذه الممارسات، إذ فوجئ ذات يوم باقتحام مقر عمله واحتجازه ثم إجباره على توقيع وثيقة عودة طوعية، وفي غضون أيام تنقل فيها بين مقار الاحتجاز في وضع سيئ للغاية وصل إلى المعبر الحدودي لتسلمه الشرطة هناك طلبًا للحضور أمام الجهات الأمنية عند استقرار الأوضاع لفحص الملف الأمني.
لم ينتظر أبناء هذا اللاجئ كثيرًا حيث لحق بهم الضرر كما لحق بأبيهم، واضطروا للعودة في رحلة محفوفة بالمخاطر؛ "لا يمكنهم الحياة وحدهم في مصر بدوني، ثم كان علينا البحث عن مكان آخر يمكن أن نجد فيه الأمان".
لا توثق هذه الشهادة تجربة فردية، بل تكشف أثر الإعادة القسرية بوصفها حلقة في دائرة نزوح مستمرة، فالشخص الذي يعاد إلى بلد الخطر قد يفقد مشروعه ومصدر رزقه وشبكته الاجتماعية، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى عبور حدود جديدة بحثًا عن حماية لم تتح له في المرة الأولى.
الأدهى من ذلك هو ما وثقته منظمات حقوقية من ترحيل أشخاص غير سودانيين إلى السودان، بمن فيهم أطفال، إضافة إلى أن الترحيل يحدث تحت ظروف احتجاز قاسية تشمل الاكتظاظ وسوء الرعاية الصحية وصعوبة التواصل مع المحامين والأسر. ووثقت منصة اللاجئين في مصر وفاة 24 شخصًا خلال الاحتجاز أو الترحيل في النصف الأول من عام 2026، منهم على الأقل 19 مسجلًا للمفوضية بينهم طفلان، وقدمت مذكرة بشأنها إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان؛ وهي وقائع تستدعي تحقيقًا مستقلًا وعلنيًا يحدد المسؤوليات ويضمن حق الأسر في معرفة الحقيقة.
بدأت الأجهزة الأمنية في الشهور الأولى من 2026 حملات لاستهداف مقرات تقديم الخدمات للاجئين ومحطيها
رغم أن الإبعاد الإداري ليس محظورًا، من حيث المبدأ، في القانون المصري، الذي ينظم دخول الأجانب وإقامتهم وخروجهم ويمنح الإدارة صلاحيات في هذا المجال، فإنه يظل قرارًا بالغ الخطورة. فهو لا يقتصر على إنهاء إقامة الشخص في البلاد، بل قد يفضي إلى إعادته إلى مكان يواجه فيه خطرًا على حياته أو حريته أو سلامته البدنية. لذلك، لا يجوز التعامل مع الإبعاد بوصفه إجراءً آليًا أو عقوبة جماعية ترتبط بالجنسية أو اللون أو بالعجز عن استكمال إجراءات إدارية معقدة، بل يجب أن يسبقه فحص فردي وجاد لظروف الشخص ومخاطر إعادته، مع ضمان حقه في طلب الحماية والحصول على المساعدة القانونية والطعن الفعال في القرار.
وقد عبَّر عدد من المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة عن قلقهم من تصاعد الاعتقال والاحتجاز والترحيل بحق لاجئين وملتمسي لجوء ومهاجرين في مصر، بمن فيهم مسجلون لدى المفوضية. وأشارت مراسلتهم إلى زيادة بنسبة 150% في وقائع الإعادة القسرية التي أُبلغ عنها بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024 بحق لاجئين مسجَّلين وملتمسي لجوء وحاملي مواعيد التسجيل. وفي ردها، نسبت الحكومة المصرية التوقيفات إلى مخالفات الإقامة أو الدخول غير النظامي، ونفت احتجاز أو ترحيل اللاجئين المسجلين.
تصعيد في ظل قانون جديد
لم يبدِّد صدور قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، في ديسمبر/كانون الأول 2024، ولائحته التنفيذية التي دخلت حيز التنفيذ هذا الشهر، المخاوف من استمرار التعامل مع اللجوء أولًا بوصفه ملفًا أمنيًا، بل المفارقة أنه صدر بالتزامن مع تصاعد حملات توقيف واحتجاز المهاجرين.
ورغم صدورها بعد تأخير تجاوز الموعد المقرر قانونًا، اطلع الكاتب على مسودة للائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب التي أرسلتها رئاسة مجلس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى مكتب وزير الداخلية والمخابرات العامة لإبداء الرأي. إذ كان القانون، الصادر في ديسمبر 2024، قد أوجب إصدار اللائحة خلال ستة أشهر من بدء العمل به، بينما لم تصدر إلا في مايو/أيار 2026.
بينما تزامن ذلك وفقًا لحقوقيين مع اتساع الحملة منذ نهاية عام 2025 وخلال النصف الأول من عام 2026 لتشمل مداهمات أماكن السكن والعمل وتوقيفات في الشوارع ووسائل النقل، بل واستهداف أشخاص يحملون وثائق المفوضية أو تصاريح إقامة أو ينتظرون إجراءات التجديد، إضافة إلى استهداف طلاب الجامعات من غير المصريين وخاصة طلاب جامعة الأزهر والذين مات واحد منهم أثناء احتجازه.
بل بدأت الأجهزة الأمنية في الشهور الأولى من 2026 حملات لاستهداف مقرات تقديم الخدمات للاجئين ومحيطها، وتوقيف الأشخاص أثناء استقبال الخدمة أو الذهاب إليها أو العودة، كما وثقت تقارير ضبط أو تجاهل وثائق الحماية والإقامة أثناء التوقيف، بما يضعف قدرة المحتجزين على إثبات مراكزهم القانونية أمام النيابة والجهات الإدارية.
يثير هذا السياق سؤالًا جوهريًّا متعلقًا بمعنى "العودة الطوعية"؛ هل يصح أن يطلق عليها وصف "الطوعية"، إذا كان يتم توقيع الاستمارة الخاصة بها في ظل الاحتجاز والخوف والحرمان من التواصل الفعال مع المحامين، والتهديد بالإبعاد إلى بلد يشهد حربًا وانتهاكات جسيمة؟
هذا ينطبق على المبادرات التي يجري الترويج لها تحت مسميات العودة أو قوافل الأمل، إذا كانت تشمل أشخاصًا محتجزين أو لا تضمن لهم خيارًا فعليًّا بين العودة والبقاء وطلب الحماية.
لا يتعلق الأمر، إذًا، بإنفاذ محايد لقواعد الإقامة أو بمجرد "ضبط للهجرة"، إنما بمسار يغلق منافذ الحماية، وينتج انعدام توثيق، يحول إلى مخالفة، والمخالفة إلى احتجاز، والاحتجاز إلى ترحيل. ذلك كله يتم دون فحص فردي لمخاطر الإعادة، ودون ضمان الوصول إلى اللجوء والطعن والمساعدة القانونية، ليصبح الإبعاد الإداري غطاء للإعادة القسرية المنهجية.
في المقال المقبل سنحلل الإطار القانوني الذي يفترض أن يقيد سلطة الإبعاد، ومدى حدود مشروعية عمليات الاحتجاز والترحيل التي تنفذها وزارة الداخلية، وما الذي تقوله أحكام القضاء المصري والالتزامات الدولية لمصر عن هذه الممارسات.
(*) اسم مستعار
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

