
في السودان.. الحياة تعود ببطء
ما إنْ تأكدت أخبار تقدم الجيش السوداني في أغلب أحياء الخرطوم، حتى اتخذ التاجر السوداني عبد الله زهري باشا قراره بالعودة من مصر إلى بلدته التي تبعد 13 كيلومترًا عن العاصمة.
حزَم عبد الله حقائبه وترك سكنه بمدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، وبدأ رحلة العودة إلى منزله في محلية كرري بمدينة أم درمان التي تعد واحدةً من ثلاث مدن كبرى في العاصمة إلى جانب الخرطوم والخرطوم بحري.
ابتغى التاجر السوداني من رحلته استكشاف إمكانية عودته وأسرته مرة أخرى للسودان، وما إذا كان مصنعه الصغير الذي شيَّده قبل أشهر من بدء الحرب لا يزال على حاله.
وأعلن الجيش السوداني مؤخرًا أن قواته استعادت السيطرة على غالبية مواقع العاصمة الخرطوم إلى جانب عدد من الولايات الأخرى، أبرزها ولاية الجزيرة وسط السودان التي استردها بالكامل بعد أشهر طويلة من الحرب الضروس مع قوات الدعم السريع.
كغالبية السودانيين الذين عادوا إلى مناطقهم، قرر عبد الله زهري صاحب الـ58 عامًا العودة بمفرده دون بقية أسرته "عندهم مدارس ومستحيل نعتمد العودة الكاملة في الوقت الحالي"، يقول لـ المنصة.
لا خدمات.. ولا حكومة
هرب عبد الله من مدينته يوم 20 أبريل/نيسان 2023، أي بعد 5 أيام فقط من اندلاع الحرب، "لدي ثلاث فتيات وولد والبنات لم يقدرن على تحمل أصوات المدافع وقررت الفرار مبكرًا ولحقنا إلى القاهرة ابني الذي يدرس في إنجلترا". وها هو يعود إلى منزله بمحلية كرري بعد أن تأكد من أن محليات أم درمان عادت بالكامل تحت سيطرة الجيش، حسب ما يقول عبر التليفون لـ المنصة.
تضرر منزل عبد الله المكون من طابقين، واحترق الطابق الأول منه بسبب تبادل النيران بين الجيش والدعم السريع. لكن الخسارة الأكبر بالنسبة له كانت فقدان مصنعه الذي شيده بالمنطقة الصناعية بأم درمان لتصنيع "الكرواسون" وافتتحه قبل 6 أشهر من اندلاع الحرب.
يقول "وجدت المصنع عبارة عن جدران مليانة طلقات، وكل شيء انسرق؛ التكييف والمعدات والآلات والأثاث، وما بقى إلا شوية أفران". ورغم ذلك لم يستسلم عبد الله، قرر الاستقرار في البيت، ووجد فرصة عمل في مجال التعدين بمناطق شمال السودان "بروح وبرجع بشكل متقطع بين منطقة العمل وبيتي".
يلاحظ ابن محلية كرري أن غالبية الموجودين بها الآن ليسوا من أبنائها لكنهم نازحون من مناطق أخرى يحاولون تلمس بعض أسباب الحياة بعد سنوات من الدمار والحرب والنزوح. "لكن المشكلة ما في خدمات ولا كهرباء ولا هيئات حكومية مرة"، لذا وحسب عبد الله يعتمد المواطنون في المحلية على أنفسهم وعلى المساعدات الخارجية في الحصول على قوت يومهم.
كما يتجه البعض لتوفير الحد الأدنى من الدخل من خلال بيع الملابس أو مواد البقالة في الشارع، إلى جانب عودة بعض المطاعم والكافتيريات للعمل مرة أخرى، حسب عبد الله.
عودة المواطنين تتطلب الحصول على تصديق أمني من القوات المسلحة بما يساعد على تحقيق الأمن
خلال الأشهر الماضية، تعددت مبادرات العودة الطوعية من المدن والمحافظات المصرية إلى السودان، أبرزها ما أشرفت عليه السفارة السودانية في القاهرة إلى جانب مبادرات أخرى دشنها رجال أعمال سودانيون وذلك عبر توفير رحلات مجانية بالكامل للسودانيين الراغبين في العودة إلى بلادهم حتى مدينة وادي حلفا شمال البلاد.
نهاية الحياة الحضرية
منذ استعادة الجيش السوداني منطقة الحلفايا بشمال مدينة الخرطوم قبل نحو ثلاثة أشهر، وفكرة الرجوع إلى البيت لم تغادر رأس أماني صديق، حتى بادرتْ لاتخاذ الخطوة الشهر الماضي، وعادت هي وزوجها وأبناؤها الثلاثة، لكنها لم تجد في البداية من مأوى سوى إحدى مدارس النزوح بولاية كسلا شرق السودان.
وحين قررت أماني العودة إلى منطقتها، وجدت ما لا يسرها، "لقيت منطقتي التي تقع ضمن نطاق مدينة الخرطوم بحري أشبه بمقلب قمامة مليان أوساخ ومهجور إلا من الحيوانات الضالة، الشوارع فيها سيارات متهالكة ومسروقة وأثاث محروق وآخر متخرب ومرمي على الطرقات ومراتب ومخدات وكراسي مكسورة هنا وهناك"، تقول لـ المنصة.
تضيف عبر اتصال هاتفي معها من منزلها بمدينة بحري "المنظر خلاني أخاف أوصل بيتي، واللي حسبته لقيته، البيت مليان رصاص وما في أثاث، حتى فيه حشائش طفيلية وذباب".
اعتبرت أماني الحال التي عليها البيت دليلًا على نهاية الحياة الحضرية في المكان، لكنها لم تستسلم "فضلت قاعدة عند قرايبي أسبوعين حتى قدرت أنضف الشقة وأستقر فيها".
تؤسس المرأة الخمسينية شقتها من البداية "كل شوية نشتري حاجة جديدة، لكن المشكلة في الخدمات الأساسية"؛ فمدنية بحري تعاني كغيرها من انقطاع الكهرباء والمياه، لكن البيت يظل "أفضل من مقرات النزوح الزحمة وما فيها أي خصوصية" تقول آملةً في عودة الحياة بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.
عودة بطيئة
حسب تصريحات له منشورة بمواقع سودانية محلية، فإن السنوسي سليمان أحمد، المدير الإداري لمحلية بحري، يصر على استعادة الحياة بكل الوسائل المتاحة.
يؤكد السنوسي على أنهم يعملون على إعادة ما نُهِبَ من سيارات نقل، وبدأوا بعربة القلاب الوحيدة المتوفرة لديهم في تنظيف منطقة سوق الحلفاية والمنطقة المتاخمة لمركز صحي الحلفاية بمساعدة جهات أخرى.
فيما يشدد صديق حسن فريني، مدير عام وزارة التنمية الإجتماعية ولاية الخرطوم، على أن عودة المواطنين تتطلب الحصول على تصديق أمني من القوات المسلحة بما يساعد على تحقيق الأمن والاستقرار ويضمن عدم إثارة أي قلاقل أو مشكلات.
الحركة الآن تدب في الأسواق والشوارع بخاصة في المدن التي تم تطهيرها بالكامل من عناصر الدعم السريع
يشير فريني في تصريح لـ المنصة عبر الهاتف من الخرطوم إلى أن المجتمع السوداني يتقدم على الدولة في جهود العودة، لافتًا إلى أن "رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني والمواطنون يتكاتفون من أجل استعادة مظاهر الحياة".
تمتد هذه الجهود، حسب فريني، لتنظيم العودة من مصر أو من الولايات السودانية المختلفة، كما تشمل عمليات تنظيف المدن المحررة وتطهيرها من الألغام. و"ما إن يسيطر الجيش السوداني على منطقة حتى تبدأ تحركات الحكومة عبر الأطقم الفنية المخصصة لتفكيك الألغام، وعمليات النظافة والتعقيم، ثم منح الضوء الأخضر لتدخل وحدات الصحة لعمل التعقيم المطلوب ثم إعلام الأجهزة الأمنية والنظامية للانتشار ثم السماح للمواطنين بالوجود داخل الأحياء المختلفة"، يقول وزير الحكومة المحلية لولاية الخرطوم لـ المنصة.
وأعلن المركز القومي لمكافحة الألغام إزالة أكثر من 6000 جسم متفجر في الخرطوم وحدها، لكن حسب تقارير محلية سودانية المشكلة أكبر بكثير، إذ لا تزال مساحات واسعة مزورعة بالألغام، ولا تتوفر إحصاءات دقيقة عن العدد الفعلي لها، خاصّة أن المعارك لا تزال مستمرة.
دعم غذائي ونفسي
تحاول حكومة الخرطوم بكل ما تستطيع الوصول للحد الأدنى من الحياة، وفي سبيل ذلك توفر احتياجات معقولة من المواد الغذائية والأدوية إلى جانب توفير عدد كبير من الباحثين النفسيين والاجتماعيين للتعامل مع العائدين، لتقديم الدعم النفسي، كما يؤكد وزير التنمية الاجتماعية لـ المنصة.
كما توفر الوزارة 187 مركزًا للإيواء لاستضافة المواطنين الذين جاءوا للخرطوم ووجدوا منازلهم مهدمة، أو استضافة المحررين من قبضة الدعم السريع، وهؤلاء بحاجة إلى رعاية صحية ونفسية "استلمناهم شبه هياكل عظمية فقد عاشوا أوضاع صعبة على مدار ما يقرب من عامين"، يقول صديق.
لا يوجد إحصاء رسمي للعائدين إلى العاصمة الخرطوم، وتقدِّر بعض الأرقام عدد من فيها الآن بحوالي 3 ملايين مواطن من بين 11 مليون مواطن سوداني، إلا أنه، وكما يشير صديق حسن فريني، فالعودة بدأت تزيد وتيرتها منذ بداية فبراير/شباط الماضي، و"الحركة الآن تدب في الأسواق والشوارع بخاصة في المدن التي تم تطهيرها بالكامل من عناصر الدعم السريع مثل مدينة أم درمان".
لا يعتقد قريني أن وجود بعض الجيوب لقوات الدعم على أطراف محلية بحري سيعوق تقدم الحياة في الولاية، واعدًا بمزيد من الإجراءات التي ستتخذها حكومة الخرطوم خلال الأيام المقبلة عبر إزالة السيارات المتهالكة وتنظيف الشوارع وتكثيف إيصال المساعدات الإنسانية للمواطنين العائدين.
آثار القدم الهمجية
مثلها مثل الخرطوم، تشهد ولاية الجزيرة وعاصمتها ود مدني، وسط السودان، معدلات عودة متنامية، إذ غادر أكثر من 6000 نازح مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية للسودان إلى مناطقهم خلال الأيام الماضية، واتجه أغلبهم إلى ولاية الجزيرة وبعضهم إلى ولاية سنار، بدعم من ديوان الزكاة بالقضارف.
مليون مواطن عادوا مرة أخرى إلى ود مدني من إجمالي 5 ملايين مواطن كانوا يعيشون فيها قبل الحرب
يصف المبر محمود أمين عام مؤتمر الجزيرة لـ المنصة الوضع في الولاية بأنه آمن لكن بلا خدمات، لافتًا إلى أنه تم إزالة مخلفات الحرب خلال الأسبوعين الماضيين لكن لم تعد الخدمات الصحية مرة أخرى للولاية مع نهب جميع المستشفيات.
وتعاني الجزيرة من عدم وصول المياه إليها، فحسب المبر محمود "محطات المياه والكهرباء في الولاية تعرضت للسرقة، بما في ذلك الزيوت المستخدمة في تشغيل المحطات، كما سرقت أسلاك الكهرباء ومعادن وألواح الطاقة الشمسية التي كانت تعتمد عليها جميع قرى ولاية الجزيرة".
يشير أمين عام مؤتمر الجزيرة إلى أن الولاية أيضًا أمام كارثة صحية لأن المواطنين يضطرون للشرب من أفرع نهر النيل وهي بمثابة ترع كبيرة مياهها ملوثة "فيه كلام عن وجود جثث لقتلى مرمية في النيل، لكن الناس ما عندها خيار تاني مع استمرار انقطاعها عن البيوت".
تشير الإحصاءات إلى أن مليون مواطن عادوا إلى ود مدني من إجمالي 5 ملايين مواطن كانوا يعيشون فيها قبل الحرب. ويقدر المبر أن "الآلاف يتوافدون يوميًا من ولايات القضارف وكسلا في شرق السودان إلى جانب بعض العائدين من مصر"، وسط توقعات بعودة الكهرباء خلال الأيام القادمة إلى مؤسسات الدولة والمستشفيات تمهيدًا لتشغيلها دون أن يعرف أحد موعد عودتها إلى المنازل مرة أخرى.
ووفقًا للأمم المتحدة، أدى استمرار القتال إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، ليصل عدد الفارين من ديارهم إلى 11.5 مليون شخص، ما يجعل أزمة النزوح الداخلي في السودان هي الأكبر على مستوى العالم في الوقت الراهن.
ويقيم النازحون في مراكز إيواء مؤقتة، بعضها يقع تحت سيطرة الجيش في مدن مثل القضارف وكسلا وبورتسودان، بينما تخضع مراكز أخرى لسيطرة قوات الدعم السريع، في أماكن مثل الفاشر والجنينة وزالنجي.
ومؤخرًا ناشد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش المجتمع الدولي لتوفير 6 مليارات دولار لمواجهة الاحتياجات الإنسانية في السودان هذا العام، محذرًا من عواقب وخيمة إذا لم يتم التحرك بشكل عاجل لتقديم المساعدات، كما دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين، وتخفيف المعاناة عن المدنيين.
إلى أن تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، يحاول عبد الله إعادة تأسيس مشروعه "عليا البدء من نقطة الصفر وبعدها يمكن أفكر في عودة بناتي وزوجتي"، بينما تعيش أماني أجواء من الفرح رغم قسوة المشهد داخل المدنية، مصممةً هي وعائلتها على البقاء "لا شيء أصعب من اللجوء، ولا أجمل من شعور الأمان داخل المنزل حتى لو حاوطه بعض قلق".