حال البلاد والعباد.. عن قسوة الظروف وصراع الأجيال
دعاني السياسي سامي بدر الدين إلى صالون دوري يعقد في بيته بالإسكندرية بحضور نخبة من مثقفي المدينة والمهتمين بالشأن العام. مدخل الحديث حال مجتمعنا، وما إذا كان الجيل الجديد أقل جدارة من سابقه، إضافة للشعور بأن الماضي أفضل من تلك الأيام التي نعيشها.
لأن غالبية الحضور آباءٌ وأجداد، فقد بدا بينهم اتفاق إلى حد كبير على أن ما مضى كان خيرًا، وأنهم جيل أكثر شعورًا بالمسؤولية، وأكثر انتماءً لوطنه، ويقدِّر أن الكفاح وبذل الجهد هما الطريق الأسلم للترقي في المعاش، وأن العمل على تكوين أسرة، بوصفها نواة المجتمع، هدف أساسي لا يغيب عن الأذهان والأفئدة، وواجب يعاب على من لا يقوم به.
رثاء المعايش وأحوالها
من الطبيعي أن تلقي ظروف العيش الصعب الذي نمر به جميعًا ظلالها على الحديث، وأن يرى بعضنا أن ما نكابده حاليًا أقسى ما عشناه، وأن الخوف من الحاضر له أسبابه، والخوف على المستقبل له ما يبرره، وأن المصريين يشعرون بغربةٍ في بلادهم، وأن طُرق الحراك الاجتماعي باتت معوجة، وهناك الخطر الذي تتعرض له بلادنا، من داخلها ومما يحيط بها، وقد بلغ أشده.
قارب كل من الحاضرين المسألة من زاوية معرفته وخبرته ما أثرى النقاش، إذ كانوا متنوعي الاتجاهات والخبرات الحياتية، فصاحب الصالون سياسي ترشح غير مرة في الانتخابات التشريعية لكنه لم يوفق، وهو عضو نشط بحزب المحافظين الذي يتخذ من "الليبرالية الاجتماعية" رؤية أو أيديولوجية له.
من بيننا القاضي والأديب المستشار بهاء المري، الذي أصدر عدة كتب من واقع ما نظره من قضايا تبيّن جانبًا مهمًا من أحوالنا الاجتماعية، وأخرى عن تاريخ المحاكمات الشهيرة في مصر. وكان معنا الناقد السينمائي الأستاذ سامي حلمي، وهو ناصري، وقد أهداني بعض مؤلفاته.
كما التقيت الأستاذ سعيد الصباغ وهو يساري شارك في حرب أكتوبر ويلقب بالشهيد الحي، يشاركه يساريته من الحضور الدكتور علي الشخيبي، الماركسي العتيد، والدكتورة هدى أبو العلا الباحثة في علم الاجتماع، والأستاذ هشام نور الدين الذي شغل أمين تنظيم حزب الدستور أيام الدكتور محمد البرادعي، والأستاذ مصطفى طلعت وهو محام بأحد البنوك ونجل المحامي والسياسي الوفدي الكبير إبراهيم طلعت الذي ربطته علاقة جيدة بعبد الناصر وحبسه السادات في سبتمبر/أيلول 1981، وله مذكرات شهيرة بعنوان أيام الوفد الأخيرة.
السقوط أسفل خط الفقر
تساءل الحاضرون، وتداخلوا، وأفاض كل منهم في جانب من رؤيته للمشكلات الاجتماعية التي نمر بها، ولم أجد آراءهم وهواجسهم تختلف عن تلك التي ضمها كتابي أبواب الأذى.. دفتر أوجاع أهل مصر، الصادر عن دار الشروق مؤخرًا، وأتيت فيه، من واقع ميداني ونزعة وصفية وتحليلية، على ذكر وتشخيص وتفسير مختلف القضايا والمشكلات والظواهر التي يموج بها المجتمع المصري في الوقت الراهن.
لم أختلف معهم في هذا أبدًا، فهو واضح عيانًا بيانًا، لا سبيل لنكرانه، ولا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال زاعمين أن كل شيء على ما يرام، أو أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، أو أن السياسات المتبعة حاليًا بوسعها أن تُخرج بلادنا سريعًا من الضيق إلى البراح، ومن العوز إلى السترة. فمع صباح كل يوم جديد يسقط كثيرون منّا تحت خط الفقر، ويزداد ما علينا وعلى الأجيال اللاحقة من ديون، بينما يضيق المجال العام، وتغيب الحريات، ويفتقد الناس إلى تمثيل حقيقي لمطالبهم ومطامحهم، ويخافون من تغييب القانون، ويتوجسون من سجون تفتح أبوابها بلا انقطاع.
المحنة التي مرت بها أمتنا في السنتين الأخيرتين أظهرت أن الجيل الذي نتهمه بالخفة واللامبالاة يملك وعيًا عميقًا حيال قضايانا
لكن ما اختلفت فيه مع بعض الآراء هو النظر إلى الجيل الحالي نظرةَ استهانة أو تبخيس، أو الاعتقاد أنه بالضرورة أسوأ حالًا ومآلًا من جيلنا وقت كان يرفل في ريعان الشباب. فمثل هذه النظرة تتجاهل ما يحيط بشبابنا من ظروف صعبة، بل قاسية، ساهمنا نحن في جعلها كذلك، فقلوبنا طالما تمنت تحسين شروط الحياة، بما يجعل حال أولادنا وأحفادنا أفضل، لكن سواعدنا لم تفعل ما عليها في سبيل أن ينتقل هذا من مجال الأمنيات والينبغيات إلى واقع متحقق وراسخ.
قلت إن مطالعة الحوليات التاريخية، ليس لأمتنا فقط بل لأمم أخرى أيضًا، تظهر أن هناك ثلاثة أشياء متكررة باستمرار؛ الأول هو أن يوم القيامة اقترب، إذ ظهرت علامات الساعة الصغرى والكبرى في الطريق، والثاني هو أن الأيام السابقة أفضل من الحالية، وأن الذين عاشوها أسعد ممن لحقوا بهم، ففي الماضي الاحترام والوقار والبركة والكفاح، وكل هذا راح بتقدم الأيام، وحل محلها التكالب والطمع والحقد والتباغض والتواكل. الثالث هو أن أهل الجد والاجتهاد والعلم قليلو الحظ إذا قورنوا بأهل المجون والخلاعة، أو حسب التعبير الدارج وقتها "أهل الهنك والرنك"، فكم من صاحب علم ظل يعاني من شظف العيش بينما غانية راحت ترفل في النعيم.
مقارنة بين أجيال
قلت إن من الطبيعي، لا سيما مع قسوة الظروف التي نمر بها، أن يتملكنا شعور بالغبن من أيامنا، لكنه شعور زائف في الغالب الأعم، حين نبرئ أنفسنا من التسبب فيما نحن فيه، ويمعن كل منا في لوم غيره، ثم لوم أيامنا نفسها، وهي مسألة حواها بيتا شعر كثيرًا ما نحيل إليهما:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا
من هنا، يصبح ما نقوله عن أن الجيل الحالي ليس جديرًا باحترام وتقدير من جيلنا محض افتراء، فنحن حين نصفه اليوم بأنه جيل يفضل أغاني المهرجانات، كان هناك قبل 50 عامًا من عابوا على جيل الهيبيز والبيتلز، ومن سبقوا هؤلاء جميعًا بالتحسر على الطرابيش التي أطاح بها الزمن من فوق الرؤوس.
وقلت إن المحنة التي مرت بها أمتنا في السنتين الأخيرتين أظهرت أن الجيل الذي نتهمه بالخفة واللامبالاة يملك وعيًا عميقًا حيال قضايانا، فهو الأكثر طلبًا للحرية الفردية والعامة والعدل والمساواة، وهو الأحرص على إسماع صوته، ونصرة ما يراه جديرًا بالمؤازرة.
الدليل على هذا أن أبناءنا فاجأونا جميعًا بحرصهم على مقاطعة سلع الشركات التي تساعد إسرائيل، ووزّع الأطفال والصبية والشبان والفتيات قوائم بهذه السلع على السوشيال ميديا، ونادوا بحفظها على ظهر قلب، وبعضهم كانوا يلومون الآباء والأمهات حين يرونهم متساهلين في هذا.
نفاجأ أيضًا برفض هذا الجيل للعنصرية، بينما كثير من أبناء جيلنا ومن سبقه لم يتعاطوا مع هذا الأمر بما يستحق من وزن. وربما لم يعلّم أغلبنا أولاده مقت التعصب لعرق أو دين أو لغة أو جهة، إنما عرفوه من مصادر أخرى للمعرفة، يستقونها عبر الإنترنت والموبايل، حيث صاروا أكثر اطلاعًا على ثقافات وأحوال الأمم الأخرى.
وقلت أيضًا إن من الطبيعي أن يجرف كلًّا منا حنينٌ إلى شبابه، مدفوعًا بالقاعدة الراسخة التي تبين أن ما ذهب لا يعود، وأ1ن الزمن لا يقدر عليه أحد، لكن أغلبنا يسحب حنينُه الشخصيُّ أو الفردي إلى حنين عام للأيام التي ولّت، وكما أنه يتمنى عودة الشباب، وهذا مستحيل، يتمنى عودة الزمن القديم، وهذا أمر افتقدناه إلى الأبد. ولسنا بدعة في هذا، فكل الأمم تقريبًا لدى أفرادها حنين إلى ماضيهم.
هنا ثار تساؤلٌ جديدٌ عن انتماء هذا الجيل لبلده، فأجبت بأننا يجب ألا ننسى ما أحدثته ثورة الاتصالات باعتبارها جانبًا مهمًا جدًا من "العولمة" التي استفحلت في هذه الأيام، ولم تكن كذلك أيام شبابنا، فصارت فكرة "المواطن العالمي" أكثر شيوعًا، ليس في بلادنا فقط، إنما أيضًا في سائر بلاد الدنيا المعاصرة.
كما أنه لم ينطل على هذا الجيل تحصيلُ الانتماء عبر الشعارات والأغاني التي تدغدغ العواطف، وتهيج المشاعر، إنما يُعمِل عقلَه في ربط الانتماء بالعيش الحر الكريم في بلده، وما سعيه للهجرة، وحرصه عليها، إلا لضيق العيش، لكنَّ أبناءه حين يذهبون بعيدًا لا تنقطع أواصر صلتهم ببلدهم، ولا يغيب حنينٌ أغلبهم إليه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

