تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
إن عقيدة "الدم والنار" التي تأسست عليها إسرائيل لا يمكن مواجهتها إلا بالثبات والصمود والمقاومة

سلاح المقاومة في مواجهة عقيدة "الدم والنار" الإسرائيلية

منشور الاثنين 18 أيار/مايو 2026

"بالدم والنار سقطت يهودا.. وبالدم والنار ستعود". عبَّر هذا الشعار عن العقيدة التي حكمت توجهات وسياسات المنظمات الصهيونية التي تأسست على أرض فلسطين بدءًا من عام 1909، لإقامة وطن قومي لليهود وتحويل المشروع الصهيوني إلى واقع.

منظمة هاشومير (الحارس)، كانت أولى تلك المنظمات التي ارتكبت جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني، وتفككت لاحقًا إلى عدد من المنظمات الصهيونية المتطرفة منها شتيرن وبلماخ والإرجون والهاجاناه، والأخيرة انضوى تحتها لواء ألكسندروني الذي ارتكب مجزرة قرية الطنطورة بعد أيام قليلة من إعلان دولة إسرائيل.

تاريخ الإرهاب

في 22 مايو/أيار 1948، وبعد حصار دام أسبوعين فرضه لواء ألكسندروني على الطنطورة جنوب حيفا، قرر أهالي القرية الاستسلام، لكن القوات المهاجِمة نفذت عملية إعدام جماعي بحق الأسرى، ما أسفر عن استشهاد نحو 300 فلسطيني.

أنكرت إسرائيل المجزرة لعقود، وشككت في شهادات الناجين الذين تحدثوا عن قتل الأسرى، ودفن الجثث في مقبرة جماعية قرب ساحل حيفا فيما يُعرف اليوم بشاطئ "دور".

قبل أربعة أعوام عُرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي الذي يحمل اسم القرية "الطنطورة"، اعترافاتٍ مباشرة من جنود شاركوا في المجزرة.

واستند الفيلم، الذي أخرجه الإسرائيلي ألون شفارتس، إلى شهادات ومراسلات ضباط ووثائق من الأرشيف الإسرائيلي، إضافة إلى تصوير جوي أظهر حفرة بطول 35 مترًا تحولت إلى قبر جماعي لضحايا المجزرة.

"كنتُ قاتلًا.. لم آخذ أسرى قط"، هكذا قال أميتزور كوهين، أحد المشاركين في المجزرة، مضيفًا "حين كنت أجد مجموعة من الجنود العرب يرفعون أيديهم كنت أقتلهم على الفور".

رغم وجود شهادات فلسطينية مبكرة عن المجزرة، فإن إسرائيل حاربت كل محاولة لكشفها

ويقول جندي آخر "لقد وضعوهم في برميل وأطلقوا النار عليهم داخله.. أتذكر مشهد الدم في البرميل".

أما حاييم ليفي، الجندي الإسرائيلي السابق، فيقول إن أحد أفراد الكتيبة "ذهب إلى مجموعة من الأسرى الفلسطينيين وقتلهم جميعًا"، فيما وصف مشارك آخر أفراد الكتيبة بأنهم "لم يتصرفوا كبشر".

ورغم وجود شهادات فلسطينية مبكرة عن المجزرة، فإن إسرائيل حاربت كل محاولة لكشفها؛ ففي مطلع الألفية تعرض الباحث الإسرائيلي ثيودور كاتس لحملات ترهيب ودعاوى قضائية بعدما قدم رسالة أكاديمية في جامعة حيفا تضمنت شهادات ووثائق عن المجزرة، قبل أن يتحول ما أنكره لاحقًا تحت الضغط إلى المادة الأساسية لفيلم "الطنطورة".

ما جرى في الطنطورة تكرر بعد شهرين فقط في قرية الطيرة المجاورة، حين أرغمت العصابات الصهيونية عشرات النساء والعجائز الفلسطينيين المرحلين قسرًا على الجلوس في حقل قمح، قبل أن تسكب عليهم البنزين وتحرقهم أحياءً خلال الهدنة الثانية التي أقرتها الأمم المتحدة، وكأنه طقسٌ اعتاد هؤلاء على ممارسته استنادًا إلى عقيدة تبيح قتل "الأغيار".

لم تكن تلك الجرائم أحداثًا معزولة، بل جزء من استراتيجية صهيونية اعتمدت الصدمة والرعب والترويع الجماعي لدفع الفلسطينيين إلى الفرار؛ وبهذا التكتيك سيطرت العصابات الصهيونية على 774 قرية ومدينة فلسطينية، ودمرت 531 قرية أخرى بالكامل.

كما ارتكبت أكثر من 100 مجزرة ضمن خطة التطهير العرقي التي جرى اعتمادها في مارس/آذار 1948، وعُرفت بالخطة داليت التي وضعتها "الهاجاناه"، وتضمنت حصار القرى وقصفها وإحراق المنازل وطرد السكان وزرع الألغام لمنع عودتهم.

لا بديل للمقاومة

يشير المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، في كتابه التطهير العرقي في فلسطين، إلى أن نزع سلاح الفلسطينيين كان جزءًا أساسيًا من مشروع التطهير العرقي، بهدف منعهم من الدفاع عن أنفسهم وضمان السيطرة الكاملة على الأرض.

ويضيف أن العصابات الصهيونية جمعت مسبقًا معلومات استخباراتية دقيقة عن القرى الفلسطينية، وحددت مواقع السلاح والقادة المحليين، ثم فرضت بعد احتلال المدن الفلسطينية الكبرى عمليات تفتيش صارمة لتجريد الفلسطينيين من أي قدرة على المقاومة.

وبعد انتهاء الحرب فرضت إسرائيل الأحكام العرفية، واعتقلت كل من يشتبه في حيازته سلاحًا، ونفذت إعدامات ميدانية بحق مقاومين سابقين، ضمن رؤية أمنية مستندة إلى نظرية الجدار الحديدي التي طرحها زئيف جابوتنسكي، القيادي الصهيوني، والقائمة على إخضاع الفلسطينيين بالقوة العسكرية الساحقة.

التاريخ يقول إن نزع السلاح لم يكن يومًا مقدمة للسلام، بل كان دائمًا مقدمة للإبادة والإخضاع

منذ النكبة وحتى ما يجري اليوم في قطاع غزة وجنوب لبنان، لم تتغير العقيدة الإسرائيلية، ولم تتوقف سياسة القتل الجماعي والتدمير والإخضاع بالقوة.

المؤسف أن هذا التاريخ الواضح لا يمنع بعض الأصوات العربية من مطالبة حركات المقاومة بالاستسلام وتسليم سلاحها، لإتاحة المجال لما يسمونه "الحلول الدبلوماسية"، التي لا يعترف بها الطرف الآخر، ولا يقبل بها إلا لتحقيق ما فشل في تحقيقه بالقوة.

لكن التاريخ نفسه يقول إن نزع السلاح لم يكن يومًا مقدمة للسلام، بل كان دائمًا مقدمة للإبادة والإخضاع؛ فبالسلاح فقط استطاع الفلسطينيون واللبنانيون منع تصفية قضيتهم، وبالسلاح وحده يمكن تعطيل مخططات التهجير والتطهير العرقي.

في الأيام الأخيرة، وبينما تستضيف القاهرة جولات تفاوض لاستكمال مراحل خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، وتجمع واشنطن وفدَيّ لبنان وإسرائيل لبحث ترتيبات إنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، واصلت قوات الاحتلال تنفيذ سلسلة اغتيالات استهدفت قيادات من حركتي حماس وحزب الله، في محاولة للضغط على الطرفين ودفعهما نحو تسليم السلاح.

يعني ذلك أن تل أبيب لا تسعى إلى تسوية بقدر ما تسعى إلى إخضاع آخر قوتين قادرتين على مواجهتها، تمهيدًا لاستكمال استراتيجيتها في المنطقة دون مقاومة تُذكر.

تدرك حماس وحزب الله ومعهما باقي حركات المقاومة، أن التخلي عن السلاح هو انتحار جماعي، وأن الاحتلال ينتظر تلك اللحظة حتى يكمل ما بدأه قبل 8 عقود، لذا فإن أي ضغوط تمارسها بعض الأطراف الإقليمية والدولية لإقناع الحركتين بالتخلي عن عقيدة المقاومة محكوم عليها بالفشل.

إن عقيدة "الدم والنار" التي تأسست عليها إسرائيل لا يمكن مواجهتها بعقيدة التسليم والانكسار، بل بالثبات والصمود والمقاومة، فما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.