فتى صموت أصبح صوت المقاومة.. أبو عبيدة "الأيقونة الملثم"
في سبتمبر/أيلول 2004، عاد الشاب هادئ الطباع من خطوط المواجهة في شمال قطاع غزة، حيث كانت المقاومة تخوض قتالًا عنيفًا مع جيش الاحتلال الإسرائيلي في معركة أيام الغضب. وقبل أن ينفض عن سترته العسكرية غبار الميدان استدعاه قادته في كتائب عز الدين القسام لمهمة مختلفة؛ قراءة بيانٍ باسم الذراع السياسية لحركة حماس في مؤتمر صحفي.
الشاب الذي كان في العشرين من عمره، رغم ظهوره قبل ذلك في إصدارات مرئية جرى تعريفه فيها بـ"قائد في كتائب القسام"، ترسخ حضوره هذه المرة في الوعي العام.
جلس خلف طاولة مزدحمة بالميكروفونات والسلاح؛ وجهه مخفي تحت لثام أسود وعِصابة خضراء. قرأ البيان بصوتٍ ثابتٍ وأجاب عن أسئلة الصحفيين، ثم غادر المنصة كمن أدى مهمة عابرة. لكنَّ هذه الدقائق القليلة غيّرت حياتَه إلى الأبد، وصنعت منه "أبو عبيدة" الناطق باسم كتائب القسام وصوت المقاومة الفلسطينية ووجهها الملثم.
لم يكن اللثام يخفي وجه أبو عبيدة فقط وإنما شخصيته التي ظلت مجهولة حتى إعلان كتائب القسام في 29 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، مقتله رفقة زوجته وأولاده في قصف إسرائيلي، كاشفةً عن اسمه الحقيقي، حذيفة سمير عبد الله الكحلوت/ أبو إبراهيم.
في سنوات ظهوره الأولى، تنوّعت ألوان لثام أبو عبيدة بين الحطّة الخضراء والسوداء والحمراء، إلى أن جاء عام 2006، وناقش مع قادته ضرورة الاستقرار على لون. ولأن القائد القسامي وائل نصار، الذي قتلته إسرائيل قبلها بعامين، ظهر عبر قناة الجزيرة ملثمًا بالأحمر؛ تقرر تثبَّيت هذا اللون ليصبح السمة البصرية الدائمة للناطق باسم الجناح العسكري.
فلسطينيًا بامتياز
كان حذيفة فلسطينيًا نموذجًا، حياته تتواشج مع قصة فلسطين؛ طفل ولد عام 1984 لأسرة هُجرت من قرية نِعليا إلى مخيم جباليا شمال قطاع غزة بعد النكبة، تلقى تعليمه الأساسي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
كأغلب أبناء بلده المحتل كان عليه الانضمام إلى تيار مقاوم، فانخرط مبكرًا في الكتلة الإسلامية، الذراع الطلابية لحركة حماس، مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، لكن هذا لم يعطله عن دراسته وأنهى دراسة الثانوية العامة بتفوق عام 2002.
بدأ دراسة الهندسة قبل أن يتحوّل إلى الدراسات الشرعية في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة، ونال فيها درجة الماجستير من قسم العقيدة عام 2013، عن رسالته "الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام".
"بعيدًا عن الميدان، كان يميل إلى الدراسة المنظمة، متفوقًا في مساره الأكاديمي، قطع شوطًا في الدراسات العليا قبل أن تجذبه المهمات الثقيلة إلى مسار آخر"، يتحدث شقيقه عبد الله الكحلوت لـ المنصة.
يغالب عبد الله ألمه، ويحاول السيطرة على دموعه وهو يحكي؛ "كان حضوره أقل من أثره؛ يمر سريعًا ويختفي طويلًا، ويترك فراغًا أكبر من زمن الغياب، فمع تطور دوره تقلّصت اللقاءات وازدادت المسافات، حتى صار الشوق إليه أقرب إلى انتظار مؤجل".
ميلاد الأيقونة
مع بزوغ شمس اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى، ظهر الملثم ليعلن باسم كتائب القسام ما اعتبره بداية فصل جديد في تاريخ المقاومة؛ خطاب قصير صاعق حمل رسائل سياسية وعسكرية في آن واحد.
في تلك اللحظة، ومع الحماسة الشعبية التي رافقت أيام الطوفان الأولى، تحوّل أبو عبيدة من متحدث عسكري إلى أيقونة جماهيرية، خاصة للأجيال الجديدة، باعتباره الصوت الذي دشّن شرارة واحدة من أعنف المواجهات في تاريخ الصراع مع الاحتلال.
لكنه كان معروفًا قبل ذلك بسنوات لدى أجيال أخرى، فهو الملثم الذي أعلن في يونيو/حزيران 2006 نجاح المقاومة في تنفيذ عملية "الوهم المُتبدد"، التي نتج عنها قتل جنديَّيْن إسرائيليين، وجرح اثنين آخرين. بالإضافة إلى أسْرِ الجندي جلعاد شاليط، الذي أفرج عنه عام 2011، بعد صفقة مع إسرائيل أفرج بموجبها عن أكثر من ألف أسير فلسطيني.
تأصلت الصورة الأيقونية في حرب الرصاص المصبوب على غزة في 2009، ثم في حرب عامود السحاب عام 2012، ومعركة العصف المأكول عام 2014، التي خرج فيه أبوعبيدة بلثامه يعلن عن أسر الجندي شاؤول آرون.
وبينما كان العالم يحاول استيعاب صدمة الهجوم غير المسبوق، صباح السابع من أكتوبر، بدا أن أبو عبيدة الذي كان يفضل الصمت في حياته العادية على الكلام الكثير، حسب وصف شقيقه عبد الله؛ "منذ صغره مال إلى العزلة الهادئة"، هو من يضبط إيقاع المعركة، فخطابه الأول لم يكن مجرد بيان عسكري، بل إعلان بأن المقاومة باتت لاعبًا حاضرًا في الوعي الإقليمي والدولي. وبهذا الحضور الإعلامي المكثف أصبح كل ظهور له بمثابة مؤشر لاتجاهات المعركة ورسائلها مانحًا كلماته وزنًا يوازي وقع صواريخ المقاومة.
ارتبط ظهور الملثم عادةً باللحظات الحاسمة مثل إعلان عملية نوعية، أو تهديد للاحتلال، أو تثبيت معادلة ردع جديدة، ليتحوّل كل خطابٍ له إلى حدث سياسي وإعلامي ينتظره الفلسطينيون والعرب كما ينتظرون حدثًا كبيرًا، ليظهر بلغةٍ تجمع بين الصرامة والهدوء، وتحمل الرسائل العسكرية إلى جانب السياسية؛ عبارات قصيرة مدججة بالدلالات، تُشهر سلاحًا نفسيًا يوازي سلاح الميدان، لا يتحدث فردًا بل بصوت الجماعة؛ يمثل المقاتلين والشعب الفلسطيني معًا.
لثامٌ يجوب العالم
اللثام الذي يخفي وجهه، ومحاولات منصات السوشيال ميديا الواسعة لتقييد وصول أي منشورات عنه، لم يمنعا صورة أبو عبيدة من أن تصبح أيقونةً بصريةً مطبوعةً على جداريات شوارع وأزقة الدول العربية، متصدرًا أيضًا ملايين المنشورات الرقمية، بل إن الغموض المحيط بشخصيته أضاف إلى رمزيته ما جعله يبسط نفوذَه رغم اللثام، ويصبح الحاضر الغائب في مشهد ما بعد 7 أكتوبر.
تخطى تأثير حذيفة حدود فلسطين ليصل إلى الإقليم والعالم، إذ أصبحت كلماته تُترجم وتتناقلها وسائل الإعلام الدولية، كما ارتقى شعبيًا ليكون شخصية استثنائية ترمز إلى المقاومة المستمرة رغم كل التحديات ووجهًا لا يُنسى في الذاكرة الفلسطينية والعربية وصوتًا يختصر قصة مقاومة تحاول الصمود.
كلماته دائمًا ما تؤدي رسالة مزدوجة؛ تحمل تهديدًا صارمًا للاحتلال ووعدًا مطمئنًا لشعبه، يستخدم لغةً محملة بالتهديد والوعيد للاحتلال، لكنها الوقت ذاته تستحضر معاناة الأسرى والشهداء لتؤكد على أن المقاومة ليست مجرد مواجهة عسكرية بل معركة وجود وهوية.
هذه القدرة على الإلقاء والخطابة واختيار الألفاظ ونطقها لم تكن وليدة الصدفة، فالطفل حذيفة أتم حفظ القرآن مبكرًا "وتشرّب لغته وإيقاعه، وهو ما ظهر في عباراته المقتضبة المحسوبة في خطاباته"، حسب شقيقه عبد الله، بالإضافة إلى سمات شخصية تمتع بها كونه كان شخصًا "حاضر الذهن وسريع البديهة ولديه ذكاء وفطنة تمكنه من التعامل في مختلف المواقف".
لم ير حذيفة فلسطين معزولة عن الأمة العربية والإسلامية، مؤمنًا بأن "ما يحدث في بلاده ما هو إلا اختبار لفكرة الأمة ذاتها، ويرى أن خطوط الإسناد أوسع من حدود الخرائط، وأن العجز ليس في الإمكانات بقدر ما هو في الإرادة"، بحسب عبدالله.
في أحد خطاباته، وجه أبو عبيدة حديثه للأنظمة العربية والإسلامية المتقاعسة عن نصرة غزة "لا نطالبكم بأن تحركوا جيوشكم... لا سمح الله"، كأنه يقول إن تحرك جيوشكم أو نصرتكم لفلسطين أمر "مستبعد جدًا"، حتى أن حدوثه سيكون "كارثة لا يتمنى أحد وقوعها".
تحولت العبارة إلى "سلاح لغوي" يحمل قدرًا من السخرية المريرة، ورسالة لاذعة ضد ما يعتبره البعض تخاذلًا عربيًّا. وبعد الخطاب انتشرت جملة "لا سمح الله" كالنار في الهشيم؛ تداولتها الشعوب العربية وتصدرت تريندات السوشيال ميديا على إكس وفيسبوك وغيرهما، بل تجاوزت الحد ليتداولها مشاهير عرب مثل محمد أبو تريكة عندما قال في تصريحات تليفزيونية لمن وصفهم بجماعة "لا سمح الله"، "المتغطي بالأمريكان والصهاينة عريان"، قبل أن يحثهم على البقاء على الحياد من دون مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
"وإنّه لجهاد.. نصرٌ أو استشهاد" عبارة تجاوزت هي الأخرى كونها جملة ختامية في خطابات المتحدث باسم القسام، لتصبح شعارًا جامعًا يتردد على ألسنة الملايين، مطبوعًا في وجدان الفلسطينيين والعرب وعدًا منه بالثبات ورسالة أمل باستمرار المقاومة حتى دحر الاحتلال.
الاغتيال الرابع
منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى حتى الآن، تداولت جهات رسمية ووسائل إعلام إسرائيلية، في 4 مناسبات، أنباء اغتيال أبو عبيدة؛ إذ أعلنت قناة كان العبرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 استهداف "قيادي مركزي في حركة حماس" عبر غارة دقيقة على حي الرمال، زاعمة أن المواقع التي قصفت هي أماكن وجود أبو عبيدة، فيما التزمت حماس حينها الصمت دون نفي أو تأكيد.
وفي أغسطس/آب 2024، نشر موقع i24 العبري تقريرًا يُرجح اغتيال أبو عبيدة في غارة إسرائيلية، مستندًا إلى غيابه منذ اليوم الـ300 من الحرب، بعد أن أطلَّ ببيانين عسكريين في ذكرى مرور 100 و200 يوم على الحرب. وزاد من التكهنات غياب أي نشاط للمقاومة في ذلك اليوم بجانب عدم ظهوره بعد إعلان الاحتلال اغتيال محمد الضيف.
وفي مايو/أيار 2025، ذهبت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال "يتحقق من اغتيال" أبو عبيدة عقب القصف العنيف الذي استهدف المستشفى الأوروبي في خانيونس بزعم وجود نفق تابع لحماس أسفله، لكن سرعان ما كذّب أبو عبيدة تلك المزاعم بخروج علني عبر بيان عسكري بارك فيه عملية إطلاق النار البطولية قرب بلدة بروقين غرب سلفيت.
وبنهاية أغسطس الماضي، أعلن جيش الاحتلال استهداف شقة سكنية بثلاثة صواريخ داخل حي الرمال، واغتيال الناطق باسم كتائب القسام، وأكد في بيان على إكس أن حذيفة الكحلوت هو الاسم الرسمي لأبو عبيدة، قبل تعلن حركة حماس، أن الرجل الذي عرفه العالم باسم أبو عبيدة هو حذيفة الكحلوت، الاسم الذي ظل لسنوات خارج الضوء، بينما ظل الصوت في واجهته.
"لو كانت الاغتيالات نصرًا لانتهت المقاومة ضد الاحتلال منذ اغتيال الشيخ عز الدين القسام في أحراش يعبد في جنين قبل تسعين عامًا"؛ هذه العبارة قالها أبو عبيدة في أول خطاب له بعد محاولة الاحتلال الفاشلة لاغتياله، في الذكرى السنوية الأولى لمعركة طوفان الأقصى، ليعمق من فكرة بذل الأرواح فداءً للأوطان، ويجدد التأكيد على أن مقولة "إنّه لجهاد.. نصرٌ أو استشهاد" هي في موضع الاختبار على الدوام.
كما جلس فتى ملثم في سبتمبر 2004 خلف طاولة مزدحمة بالميكروفونات، ظهر اليوم ملثم آخر ليكمل الجملة ذاتها ويقرأ البيان نفسه، ويؤكد أن ما بدا في تلك اللحظة الأولى كان في الحقيقة ولادة لفكرة قررت أن تبقى.