تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الناشطة الإسبانية رييس ريجو

ولأنها امرأة.. تحديات رييس ريجو بلا ضوضاء

منشور الأربعاء 13 أيار/مايو 2026

حكت رئيسة البرازيل السابقة، ديلما روسيف، عن ميكانيزماتها الشخصية لمراوغة الخوف أثناء اعتقالها وتعذيبها خلال سبعينيات القرن الماضي في المعتقل المعروف بـ"البرج". قالت إنها لم تفرض على ذاتها البطولة والصمود للأبد؛ بل وضعت هدفًا صغيرًا؛ الصمود مغلِقةً فمها لخمس دقائق فقط.

تبدأ في التركيز لتعد من 1 إلى 60، ببطء، بإيقاع مرور الثواني. وحين تكتمل الدقيقة، تكرر نفس العملية خمس مرات إضافية. بانتهائها يتحقق هدف الصمود لخمس دقائق، فتبدأ في حساب خمسة دقائق جديدة من الصمود والصمت.

المرأة من الخارج

تجمع سفن أسطول الصمود البحري في ميناء أوغستا، إيطاليا، 24 أبريل 2026.

لا أتذكر اسم الفيلم التسجيلي الذي روت فيه ديلما روسيف، بوجه مبتسم، هذه التفصيلة. لكنني نقلتها عنها يوم 28 أغسطس/آب الماضي، في برشلونة، أمام مجموعة واسعة ممن كانوا يتهيؤون للخروج في أسطول الصمود الأول، في سياق جلسة للبحث عن ميكانيزمات مراوغتنا للخوف، وكيف نمنعه من التحكم بنا. وأضفت لرواية رئيسة البرازيل السابقة تجربتي الذاتية مع الاعتقال خلال النصف الأول من التسعينيات، في محاولة تذكر أغانٍ أحبها، وأن أكملها داخليًا دون صوت.

يومها، وبعد تلك الجلسة، بدأت صداقتي برييس ريجو، المجهولة وقتها، والتي كانت تُفضل أن تظل كذلك دائمًا، وألَّا تظهر على شاشات التليفزيون، أو في الأخبار الأساسية للمواقع الصحفية. سألتني يومها عن تفاصيل إضافية لما حكيته للتو، وتحدثنا عن بحثِ كلٍّ منا عن ألعاب ذهنية ونفسية لمراوغةِ الشعور بالخوف كي لا يتحكم بنا ويدمرنا، والتعاملِ معه باعتباره شعور طبيعي.

اشتهرت بعدها رييس ريجو. فبعد اقتحام وقرصنة أسطول الصمود مساء الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، واقتياد المشاركين والمشاركات لسجن إسرائيلي، بدأ إطلاق سراح الجميع على دفعات متتالية. فيما عدا امرأة واحدة، أعلنت السلطات تحويلها للمحاكمة بتهمتي الشغب، وعض كف حارسة إسرائيلية خلال تفتيشها. وكانت هذه المرأة رييس، التي ظلت عشرة أيام إضافية بمفردها، خرجت بعدها بصفقة نتيجة الضغط الدبلوماسي والشعبي الذي لم يتوقف، لتجد نفسها أمام الكاميرات التليفزيونية لحظة الوصول لمدريد.

تحدثنا تليفونيًا، وتبادلنا رسائل بعد خروجها. لكننا لم نلتقِ ولم تتقاطع مساراتنا من وقتها، بسبب سفري المتكرر، وإقامتها الأساسية في جزيرة مايوركا حيث تعمل معالجة بالطب الصيني. أرسلت لي ما كتبته بعد خروجها من السجن الإسرائيلي وعودتها لإسبانيا. سرد لوقائع تلك الأيام، متنقلة بين عدد من السجون وأماكن الاحتجاز الإسرائيلية. دونتها كي لا تنسى التفاصيل، ووضعت لها عنوان "من البحر إلى الزنزانة".

تبدأ رييس هذا النص بفقرة تحدد بها موقعها؛ أن ما عاشته لا يمثل شيئًا مقارنة بما يتعرض له آلاف النساء والأطفال والرجال الفلسطينيين في سجون إسرائيل. وتحدد في هذه الفقرة أيضًا موقفها السياسي؛ الانحياز لفلسطين الحرة والمستقلة من النهر إلى البحر. وتفهمت رييس دهشتي من نيتها المشاركة في أسطول صمود جديد إلى غزة، بعد قراءتي لنصها، ومعرفتي لكل ما تعرضت له من تعذيب نفسي، وإيذاء بدني، وإهانات تصل للتحرش الذي لا يطال في هذه الحالات سوى النساء.

يهمس رجل غامض في أذنها "إن تحدثت للكاميرات سنقتلك" خافت رييس

على سبيل المثال، تعريتها تمامًا وحبسها في قفص صغير ومكشوف داخل عنبر احتجاز الرجال، على مرأى منهم، فيما يمر الجنود من حين لآخر، يتأملونها، يسخرون منها، ويسبُّونها. تغيير أماكن الاحتجاز، ونقلها المتكرر للمحكمة، كان أحد وسائل التعذيب؛ مقيدة بقيود حديدية في اليدين والقدمين، وسلاسل ثقيلة تكبلها. يدفعونها أثناء السير، فتتعثر، وتسقط على وجهها، فيجدون الفرصة للسخرية منها.

لا يخلو الأمر من استعارات سينمائية غير مقصودة. ففي فيلم جميلة (1958) ليوسف شاهين، حين تدخل جميلة بوحيرد قاعة المحكمة، تجد جمهورًا فرنسيًا، أحضروه ليصرخ في وجهها ويهددها. وهو ما يتكرر مع رييس. فحين دخلت قاعة المحكمة للمرة الأولى، وجدت صفًا من الرجال الصارخين "إرهابية"، "نريدك ميتة"، "اعدموها".

يقترب منها رجل غامض، صاحب سلطة مجهولة، يخشاه الآخرون، ليهمس في أذنها "إن تحدثت للكاميرات سنقتلك". خافت رييس. بصوت خافت، أخبرت القنصل الإسباني الحاضر للمحاكمة بالتهديد الذي تلقته للتو. التقطت الكاميرات هذه اللحظة لوجهها وكلماتها السريعة. بدأت شهرتها، وقويت حملات المطالبة بالإفراج عنها وإنقاذها.

جذر التحدي

والدا رييس من منطقتين مختلفتين في إسبانيا. الأم من غرناطة، والأب من جزيرة مايوركا. التقيا عام 1968 سرًا، باسمين مستعارين، في ألمانيا الشرقية، موفدين من الحزب الشيوعي الإسباني لتلقي مدرسة كادر شيوعي. ومن هناك أخذا إذن الحزب بالزواج.

يتزوجان عقب عودتهما، فيما يواجهان الملاحقة والتحقيقات في إسبانيا، فقد كانت مجموعتهما مخترقة من أجهزة الأمن الفرانكية. تولد رييس عام 1969، وقبل أن تكمل عامها الثالث، يُسجن الوالدان، وتذهب الأم للسجن بصحبة ابنها الثاني الرضيع.

تتحرك بين اعتصامات مختلفة، في مدن مختلفة، للحشد والتعبئة، وتذكير الناس

الصدف الصحية المؤسفة تمنع رييس من الصعود لقارب جديد في شهر أبريل/نيسان الماضي. صدفة تعثر أمها وكسرها لإحدى فقرات ظهرها، فتضطر رييس للعودة إلى جزيرة مايوركا لرعايتها. لكن حادثة الأم لا تمنع الابنة من الحركة المكثفة لفضح دولة إسرائيل بعد قرصنة أسطول الصمود الجديد، الذي كان من المفترض مشاركتها به، واختطاف الفلسطيني/الإسباني سيف أبو كشك، والبرازيلي تياجو أبيلا، والمطالبة بالإفراج عنهما.

تتحرك بين اعتصامات مختلفة، في مدن مختلفة، للحشد والتعبئة، وتذكير الناس بمأساة الشعب الفلسطيني. وكعادتها، لا تهتم بالكاميرات، وتتجنب إغواء الشعور بالأهمية والشهرة. وفي أحد هذه الاعتصامات المدريدية كان لقائنا الأول بعد أسطول صيف 2025 الذي شاركنا فيه سويًا.

داخل المرأة

باسل رمسيس برفقة رييس ريجو في تونس، مايو 2026

سألتها عن الخوف، عن ألعابها لمراوغته وخداعه، وإن كانت غنت في عقلها وروحها مثلما وعدتني أن تفعل، أم أنها فضلت لعبة عد الدقائق الخمس مثل ديلما روسيف؟ أجابتني باعتقادها أن الخوف لم يكن الشعور الغالب. صحيح إنه حضر أحيانًا، وبكثافة، لكن المشاعر الأساسية التي غلبت عليها كانت التوتر، القلق على أبويها، وشعور بالعجز وقلة الحيلة، والغضب تجاه تلك الماكينة الهائلة والبشعة التي تمثلها دولة إسرائيل. والغريب أن الشعور الآخر، النقيض، كان إحساسًا بالصحبة، أن هناك أشخاصًا كثيرين حاضرين ويحيطون بها، رغم أنهم ليسوا هناك.

كان من الصعب أن تتذكر لحظات قديمة ومبهجة من حياتها لتمنحها القوة. وكأن ذاكرتها القديمة مُحيت لحظة الاعتقال. لم يكن بإمكانها سوى تذكر لحن أغنية إنجليزية قديمة ومبهجة غنوها صدفة على قارب "أدارا"، قبل اقتحام الأسطول بساعات، وترديدها داخليًا. وتذكر شكل البحر الذي قضت فيه شهرًا كاملًا قبل الاعتقال. وعدّ قطع البلاط في أرضية الزنزانة، وقياسها تقريبيًا، وتكرار العد والقياس مرات لا تنتهي.

انصب تركيزها الآني على جسدها، بقائه وحمايته. جسد المرأة المعزول الذي يتعرض للإهانات والسخرية وسوء المعاملة بأشكال مختلفة، من بينها تبريد الزنزانة أو القفص أو عربة الترحيل. فلا تتوقف عن توجيه ضربات خفيفة لجسدها ليتخلص من البرودة. ولكي يكون متأهبًا، برغم إضرابها عن الطعام، لحمايتها، والتصدي لسجينتين إسرائيليتين وضعوها معهما في نفس الزنزانة، إن حاولا الاعتداء عليها.

اصطياد الأمن الإسرائيلي لرييس، وعزلها وتمييزها بمعاملة قاسية وتحويلها للمحاكمة، وتمديد سجنها، وإرهابها، كان بسبب رعايتها للآخرين

كانت ديلما روسيف البرازيلية تعد من واحد لستين، وتكرر العملية خمس مرات. وكانت رييس ريجو تقيس ذهنيًا مساحة كل قطعة بلاط. وكلتاهما لم تفقد حس السخرية عند حكاية ما مرت به. تسخران من السجان، ومن الظروف، متجنبتين أي إيهام بالبطولة. ربما لأنهما امرأتان، تعرفان أن وهم البطولة خطر. لا تخجلان من الاعتراف بمشاعر التوتر، والخوف أحيانًا، والعجز، والشعور بقلة الحيلة. ولا تخجلان من البكاء.

ربما، ولأنها امرأة، تمتلك رييس هذا الدافع لرعاية الآخرين. ليس بالمعنى الأمومي التقليدي، بل بندية وتكافؤ، وحرص على أن يكون الآخرين في حالة جيدة. كنا في قاربين مختلفين، هي في "أدارا"، وأنا في "يولارا". لكنها احتفظت بعادة أن ترسل لي رسائل للاطمئنان عليَّ خلال الرحلة. وبينما تبدأ القطع الحربية الإسرائيلية في تطويق الأسطول، أرسلت لي رسالة صوتية، بصوت مبتهج، لتطمئن على قدمي المصابة، ولتخبرني بأنني معهم بالروح، وإن لم يكن بالجسد. فيما أنا أجلس آمنًا في بيتي، وكان من المفترض أن يحدث العكس، أن أرسل لها رسائل التشجيع والدعم.

هذا الحرص نفسه على رعاية الآخرين وسلامتهم لا ينحصر في هذه التفاصيل، التي يخطئ البعض إن تصوروا أنها بلا قيمة. فاصطياد الأمن الإسرائيلي لرييس، وعزلها عن زميلاتها المعتقلات من أسطول الصمود، وتمييزها بمعاملة قاسية وتحويلها للمحاكمة، وتمديد سجنها، وإرهابها، كان بسبب هذه الرعاية نفسها، حين حاولت حماية جسد زميلة لها تعرضت للإيذاء البدني، بعد مصادرة الأدوية والمسكنات التي تحتاجها بسبب مرضها بالسرطان.

لكلٍ منا حرية تفسير وفهم حالة رييس الهادئة في التعامل مع تجربة الاعتقال، بكل ما تضمنته، واستكمالها لطريقها، بل ومحاولة الصعود لقارب جديد. لكن من المؤكد أن طاقة رييس وروحها المتحدية، تنتسب لما تحمله النساء من ذاكرة جسدية ونفسية، تنتج بداخلهن، وتتراكم، عبر مواجهة عالم ذكوري وعنيف.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.