تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
أوضاع مأساوية للأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلية

الأسيرات الفلسطينيات.. الحياة تحت إمرة النازي

إذلال وتفتيش عارٍ وحرمان من أبسط الحقوق.. شهادات مرعبة من السجون الإسرائيلية

منشور الخميس 30 نيسان/أبريل 2026

"يلّا انتي اعتقال"؛ لم تبدِ المهندسة المعمارية إسلام الحلبي أي استغراب حين سمعت هذه الجملة من فم الجندي الإسرائيلي وكأنها كانت تنتظرها؛ كيف لا واعتقال الفلسطينيين في الضفة الغربية بات فعلًا معتادًا ومتكررًا، فقبل شهر قُبض على زوجها إيهاب شولي مع شقيقها محمد.

مع ذلك لم تستطع إسلام تجاوز شعور الفزع حتى الآن. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجر يوم 13 فبراير/ شباط 2025، عندما اقتحم جنود الاحتلال الإسرائيلي منزلها في عصيرة الشمالية، إحدى بلدات محافظة نابلس، طالبين اعتقالها.

"حكيتهم: ولادي وين أروح فيهم؟ هددني الضابط ثم قال: خلص بدهم يضلوا بالبيت وانت تيجي معنا"؛ تتذكر الأم الفلسطينية التي لم تتجاوز 35 عامًا، في حديثها مع المنصة، شعورها بالخوف من اعتقالها وقلقها على أطفالها الثلاثة أحمد 10 سنوات، وحور 8 سنوات، وحلا 3 سنوات، خاصة وأنها وحدها التي ترعاهم منذ اعتقال والدهم.

في الأخير، قررت عدم إيقاظ أطفالها، "تركتهم لله"، وذهبت مع الجنود لتعيش واحدةً من أسوأ تجاربها، بينها لحظة واحدة كانت الأكثر رعبًا في تجربة الأسْر كلها، فبعد نحو شهر من اعتقالها رأت جنود الاحتلال الإسرائيلي يطلقون كلابهم المدربة على ثلاث أسيرات داخل إحدى غرف الاحتجاز. أمها دلال (56 سنة) كانت واحدة من هؤلاء الثلاثة، إذ اعتقلت بعد مداهمة منزلها وإخضاعها لتحقيق ميداني في 30 مارس/ آذار 2025؛ "صراخهن حطّمني.. سقطت عاجزة يغمرني خوف لا يُحتمل".

فلسطينيات في الأسر

ليست إسلام وأمها حالةً فريدةً في سجون الاحتلال، فحسب بيان لنادي الأسير الفلسطيني ارتفع عدد الأسيرات في سجون الاحتلال إلى 90 أسيرة خلال شهر أبريل/ نيسان 2026، يُحتجز غالبيتهن في سجن الدامون، بينهن طفلتان، وأسيرة حامل في شهرها الثالث، و25 معتقلة إدارية، إضافة إلى ثلاث صحفيات وأسيرتين مصابتين بالسرطان.

وأفاد نادي الأسير ومؤسسة الضمير وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، في بيان مشترك، بأن أكثر من 9600 أسير يقبعون في سجون الاحتلال، من بينهم 86 امرأة، يقول مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء السكافي لـ المنصة، إن بينهن قاصرات و32 أمًا لهن نحو 130 طفلًا، وغالبًا ما يكون احتجازهن تحت بند الاعتقال الإداري حيث يحبسن دون محاكمة، لافتًا إلى أن منهن خمسًا فقط يقضين أحكامًا متفاوتة، في حين أن هناك 50 موقوفةً لم يصدر بحقهن أحكامٌ بعد، بعضهن اعتُقلن بتهمة "التحريض".

رفض جنود الاحتلال السماح لأسيرة بارتداء ملابسها وألقوا القبض على أخرى وهي تشتري فستان الزفاف

في عام 2019، دشّن المحامي الفلسطيني حسن عبادي مبادرةً لزيارة الأسرى والأسيرات، وتمكن من توثيق شهادات من سجون مختلفة تؤكد وجود منهجية واضحة للتنكيل بالأسرى؛ كاحتجاز عائلات كاملة، وفرض قيود صارمة على التواصل تصل إلى منع تبادل التحية، في مشهد ترى فيه الأم ابنتها تُعذَّب دون قدرة على الاقتراب منه.

يؤكد عبادي لـ المنصة على ضرورة إبقاء شهادات الأسيرات حاضرةً في الفضاء العام كونها أداة أساسية لمواجهة محاولات التغييب، وضمان ألا تتحول المعاناة لأرقام صامتة، لافتًا إلى أن الانتهاكات التي يتعرضن لها وتبدأ منذ لحظة الاعتقال تتطلب توثيقًا متواصلًا لا يتوقف عند لحظة الاعتقال أو الإفراج أو المناسبات الرمزية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل السجن، باعتبار أن جزءًا كبيرًا منها لا يظهر إلا بالشهادات المباشرة والتراكم التوثيقي.

من بين الشهادات التي جمعها عبادي فتاةٌ اعتُقلت أثناء شرائها فستان زفافها؛ "قاموا بتمزيق جزء منه لتعصيب عينيها"، وأخرى لفتاة اضطرت للتستر بجاكت بعدما داهم الجنود منزلها ولم يسمحوا لها بارتداء ملابسها، كما يشير إلى تعرض الأسيرة هيام غزال (54 عامًا) زوجة يحيى عياش لمعاملة مهينة وعنيفة بعد التعرف على هويتها. 

وسبق ونشرت وسائل إعلام فلسطينية ما تعرضت له هيام، منذ لحظة الاعتقال، من تنكيـل وتصوير مهين مع العلم الإسرائيلي، وضرب متواصل من جنود وسجّانين، وسخرية أثناء سقوطها بسبب الأصفاد.

سجن للاحتلال الإسرائيلي مُخصص للأسرى الفلسطينيين

رعب الأوقات الأولى 

رغم مأساوية تجربة الأسر ككل فإن أبشع ما فيها على الإطلاق طريقة الاعتقال وفترة التحقيق الأولى،  وتؤكد الأسيرة المحررة إسراء جعابيص لـ المنصة أن الأسيرة تتعرض لضغوط شديدة تُمارس عليها لانتزاع المعلومات، عبر استغلال الجراح أو التسبب بآلام؛ بالإضافة للإهمال الطبي والمماطلة في تقديم العلاج.

يكشف ما حدث مع إسراء التي خرجت من الأسر في اتفاق تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل في 25 نوفمبر 2023 عن جانب أكثر مأسويةً، فالمرأة التي تبلغ من العمر  42 عامًا اعتقلت في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2015 وهي مصابة برصاص جيش الاحتلال بعدما أطلقوا النار عليها عقب تعطل سيارتها قرب حاجز الزعيم أثناء عودتها من أريحا لجبل المكبر بالقدس.

اشتعلت النيران في السيارة المتعطلة، وتعرضت إسراء لحروق شوهت وجهها وأجزاء كبيرة من جسدها، بالإضافة إلى بتر أصابعها، ومع حالتها الصحية الصعبة نُقلت بالإسعاف وهي رهن الاعتقال؛ لتبقى في الأسر 10 سنوات ممنوعة من تلقي العلاج المناسب، وتواجه عدة تهم بينها محاولة تنفيذ عملية عدائية.

وتتذكر إسلام الحلبي هي الأخرى أهوال ما رأته في يومها الأول للاعتقال؛ "كبلوني وغمّوا عيوني.. وكانوا يكبّوا (رماد) السجاير عليّ، ويطلبوا مني أرقص ويصوروا تيك توك، ويسحبوا الكرسي من تحتي.. ضليت 24 ساعة مربوطة بدون أكل ولا شرب".

عانت إسلام أشد المعاناة في زنازين مراكز التحقيق الإسرائيلية؛ "الواحد ما بقدر يمد حاله ينام، يا دوب متر ونص مترين، وفي بعضها أصلًا عبارة عن حمام"، وكل شيء ممنوع فيها "في ليلة طلبت من السجان فَرشة أو حِرام لأن السرير حديد وبرد، رفض وقال: مثلكم حرام يناموا على الفراش".

الأسيرات مراقبات طوال الوقت حتى وهن نائمات أو خلال الراحة ما يدفع بعضهن للبقاء بملابسهن وحجابهن

وبعد انتهاء التحقيق معها نُقلت إلى سجن هشارون، حيث كان ينتظرها ما هو أقسى، فقد عرضت لتفتيش عارٍ بواسطة مجندة سبتها وتعمدت إهانتها؛ "كنت ممنوعة أمشي أو أتحرك إلا وراسي واطي بوضعية الركوع". وحين حان موعد نقلها لسجن الدامون، أصبح الأمر أبشع، فالتفتيش العاري يكون جماعيًا ومهينًا، وأي أسيرة تعترض تُهدد بالتفتيش من جندي رجل.

يوصف سجن الدامون بأنه "مقبرة الأسيرات الأحياء"، وفيه تحرم الأسيرات من أبسط حقوقهن. يبدأ يومهن وينتهي بالتفتيش، ويُجْبرن على الجلوس في وضعية الركوع ووجوههن نحو الحائط، ثلاث مرات يوميًا، مع منع رفع الرأس بدعوى عدهن، كما تسرد إسلام.

الموت البطيء

كل هذا لا يقارن بما يُعرف بـ"القمعات"، حسب إسلام، التي تعرفّها بأنه روتين يومي في السجن. في أي وقت من الليل أو النهار تُقتحم الزنازين بشكل مفاجئ، وتُخرج الأسيرات بالقوة إلى الساحة، وباستخدام الغاز أو الكلاب أو الضرب أحيانًا، قبل تفتيش الغرف وتخريب محتوياتها وإغراق الأسرّة بالماء، إلى جانب استخدام الكهرباء خلال التحقيقات المتكررة.

طوال الثمانية أشهر التي قضتها في الأسر لم تستطع ابنة محافظة نابلس تبديل ملابسها، ولا تمشيط شعرها، فمراقبة الأسيرات تمتد على طوال اليوم، ولا يوجد وقت آمن للنوم أو الراحة ما يدفع بعضهن للبقاء بملابسهن وحجابهن خشية المباغتة، في ظل قيود مشددة على النظافة الشخصية، منها منع الأمشاط، ما يجعل تمشيط الشعر شبه مستحيل.

في أبريل الحالي، أصدر مكتب إعلام الأسرى بيانًا حول أوضاع الأسيرات داخل سجون الاحتلال، أكد فيه أنها تزداد تعقيدًا في ظل اكتظاظ شديد داخل الغرف حيث تضطر العديد من الأسيرات للنوم على الأرض في ظل نقص الأسرّة وضيق الغرف.

أشار  المكتب إلى أن كميات الطعام محدودة ولم يطرأ عليها أي تحسن رغم ارتفاع عدد الأسيرات، ما يؤدي إلى نقص واضح في الاحتياجات الغذائية، إلى جانب رداءة بعض الأصناف وقلة الكميات المقدمة.

هذه ليست ممارسات عشوائية، فهي جزء من منظومة تضييق ممنهجة تهدف لإنهاك الأسيرات وإبقائهن في حالة عدم استقرار دائم، كما يقول العبادي، لافتًا إلى أن لديه شهادات خاصة من الأسيرات صغيرات السن تكشف معاناتهن مع افتقاد أبسط الاحتياجات اليومية، كتمشيط الشعر، حتى أن إدارة السجون منعت إدخال شوكات الطعام لعدم استخدامها بديلًا للأمشاط.

كما وتتعرض الأسيرات لإهمال طبي متعمد، تصل بحسب شهادتي إسراء وإسلام والشهادات التي جمعها العبادي من سجون مختلفة، إلى حد "القتل البطيء"، مع وجود أسيرات مصابات بالسرطان وأخريات يعانين من أمراض نفسية، إلى جانب التأثير العنيف لتجربة الأسر نفسها.

يشير مدير مؤسسة الضمير إلى أن بعض الأسيرات اللواتي يعانين من حالات نفسية كن يُوضعن داخل أقفاص في الساحات، قبل أن تنجح مطالبات قانونية بوقف هذا الإجراء.

فاجأ المخاض أسيرة فربطوها من إيديها ورجليها وعصبوا عينيها وجرّوها على الأرض حتى مستشفى السجن

 

إلى جانب نقص المياه ومواد النظافة، ومنع المسكنات، يتأخر نقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات، و"كلها عوامل أدت إلى انتشار أمراض مثل الجرب والقمل، خاصة مع تقييد استخدام الحمام مرة واحدة يوميًا"، كما يقول العبادي.

بل وتستغل حاجة الأسيرات، للضغط عليهن، حسب إسلام التي تشير إلى أنه مع النقص الحاد في الملابس ومستلزمات النظافة، خاصة الفوط الصحية، تضطر  الأسيرات لاستخدام بدائل قاسية أو مشاركة الملابس فيما بينهن.

وتروي مشهدًا عالقًا في ذهنها حتى الآن، عندما كانت إحدى الأسيرات تتألم بسبب عسر الطمث، "ظلت تبكي على الأرض وتترجّاهم يعطوها أي مُسكّن، فجاء رئيس القسم صار يضحك ويهزأ منها مع الجنود، وقال لها شو حامل بتوم؟، وأمر ما يعطوها أي مسكّن".

تتذكر إسلام واقعة أخرى، عندما فاجأ المخاض أسيرة في الفجر؛ "بعد نزول ماء الرأس، ربطوها من إيديها ورجليها وعصبوا عينيها، وجرّوها على الأرض وهم ماخدينها على مستشفى السجن عشان تولد… كانت صرخاتها مدوّية".

الاغتصاب والتهديد الدائم به

رغم تأكيد إسلام الحلبي عدم تعرضها  للاغتصاب، ولا أي من الأسيرات اللواتي التقت بهن، فإنها شددت على أن التهديد به كان حاضرًا ودائمًا طوال فترة الأسر، وهو ما يتقاطع مع ما وثّقه حسن العبادي من شهادات مماثلة، فيما يكشف علاء السكافي عن إفادات موثقة تشير إلى وقوع حالات اغتصاب بحق عدد من المعتقلات، لافتًا إلى أن كثيرًا من الضحايا يمتنعن عن الإفصاح تحت ضغط الاعتبارات الاجتماعية.

ويمتد توثيق الانتهاكات، حسب السكافي، ليشمل معتقلين رجالًا في سجني سديه تيمان وعوفر، حيث رُصدت حالات اعتداء وعنف جنسي بما يعزز  أنه يُستخدم أداة تعذيب ممنهجة داخل السجون. وتعرب تقارير أممية عن القلق إزاء الاغتصاب والعنف الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين، مؤكدة  التدهور الحاد  في ظروف احتجازهم.

ورغم كل ما رصدته شهادات الأسيرات والتقارير الحقوقية عن الأوضاع داخل السجون الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر 2023 فإنها لا تقارن بما بعده، فأحداث "الطوفان" شكلت نقطة تحول خطيرة"، حسب  مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، حيث بات التعامل مع الأسرى يتسم بمزيد من "الوحشية والقسوة والسادية الانتقامية الممنهجة والحط بالكرامة الإنسانية".

ويشير إلى شهادات موثقة من غزة تفيد بتعرض نساء لمعاملة قاسية أثناء اعتقالهن على الحواجز؛ شملت اعتداءات وعنفًا جنسيًا، وسبًّا بألفاظ ذات طابع جنسي، وإجبارًا على خلع الملابس في أماكن مفتوحة، وتركهن لساعات دون طعام أو ماء.

كما يلفت إلى أن الأسيرات تعرّضن خلال النقل والاحتجاز داخل معسكرات إسرائيلية لتحرش واعتداء وهنّ معصوبات الأعين ومقيّدات الأيدي، بما في ذلك اللمس المتعمّد للأماكن الحساسة، إلى جانب مزيد من الإهانات.

شبكات دعم لمواجهة القهر

من مرَّ بظروف مثل الاعتقال في السجون الإسرائيلية يحتاج للكثير من التعويض النفسي والدعم، وهو ما تفعله الأسيرات مع بعضهن البعض، وتؤكد إسراء أن ذلك وسيلة أساسية لتجاوز صعوبات الحياة وتقلباتها داخل السجن، مشيرة إلى أن ما تصفه بـ"الأخذ والعطاء" يساعدهن على التكيف مع الضغوط النفسية والتعامل مع الأزمات التي يفرضها واقع الأسر.

ويشيد حسن عبادي بآلية دعم الأسيرات، موضحًا أن الأكبر سنًا والأقدم في الاعتقال، مثل حنان البرغوثي، يمتلكن خبرة تراكمية تدفعهن للحفاظ على التوازن النفسي داخل السجن، ودعم الأصغر سنًا، لافتًا إلى أن كثيرات منهن حفظن القرآن وتعلمن رغم قسوة الظروف، في محاولة مستمرة للبقاء متماسكـات.

تتفق إسراء وإسلام على أن حياتهما بعد الأسر ليست كما كانت قبلها. تصف إسلام خروجها من السجن بأنه "كمن خرج من القبر" ولا تزال تعاني ويلات ذلك، وتؤكد إسراء أنها انفصلت عن زوجها، وتعرض لما تسميه الإبعاد المجتمعي للأسرى المحررين سواء داخليًا وخارجيًا؛ "حياتنا بعدها معلّقة فلا عمل، ولا استقرار، ولا هوية واضحة، ولا حتى شعور حقيقي بالحرية..  بس لقب واحد: أسير محرر".

وعلى الرغم من عدم صدور قرار إسرائيلي بإبعادها من فلسطين، فإن إسراء قررت إبعاد نفسها خوفًا على أهلها وعلى نفسها من تهديدات الاعتقال مرة أخرى.