لم تتبخر بعد.. كشف حساب الموجة الفلسطينية
قبل أيام، وفي مظاهرة مدريدية بمناسبة انطلاق أسطول صمود جديد من برشلونة إلى غزة، تردد شعاران، أولهما "إنها مقاومة وليست إرهابًا". وهو الشعار المعتاد منذ بدء هذه الحلقة من إبادة الشعب الفلسطيني. أما الشعار الآخر فلم نعتده "الكفاح المسلح مبرر".
إن أضفنا إليهما شعار "فلسطين حرة من النهر إلى البحر"، الحاضر في أغلب الفعاليات المتعلقة بفلسطين في أنحاء العالم المختلفة، نستطيع أن نلاحظ مدى ارتفاع سقف المضامين التي تطرحها حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض دولة إسرائيل -التي سأسميها بدايةً من الآن بـ حركة التضامن/الرفض- في العالم كله. فإعلان التأييد للمقاومة المسلحة وحقِّ الشعب الفلسطيني في كل فلسطين التاريخية كان من ضمن الخطوط الحمراء في المجال العام الأوروبي والأمريكي سابقًا.
أبعد من البحر
شاركت العام الماضي في أسطول الصمود الأول. جاء توقيته، صدفةً، متزامنًا مع تصاعد الغضب الشعبي العالمي من الإبادة، فكان النقطة الأعلى والأكثر سخونةً من حركة الاحتجاج.
تراجعت بعدها الحركة، بالذات بعد توقيع اتفاق شرم الشيخ، وتسويق كذبة أن "الأزمة" قد حلت، لكنها في تقديري لم تمت.
فهي تشهد موجات من المد والجزر، إن رأيناها في منحنى بياني، مثل أي حركة احتجاج أخرى مرتبطة بقضية كبرى وأساسية لا تحل بإجراءات سريعة وسهلة، ولا يمكن لها أن تأخذ شكل خط بياني صاعد إلى أعلى باستمرار.
كان لدي، ولدى غيري من المشاركين، انتقادات للجنة القيادية للأسطول، ولمنهجها في إدارته/قيادته، وتساؤلات حولها. ولأن أغلبنا لا يستطيع نفي الدور المهم الذي لعبه الأسطول في جذب الانتباه العالمي لما يحدث في غزة، ولأنها حركة ما زالت مستمرة، وتنبع قوتها الحقيقية من المشاركين فيها من غير النجوم أو المشاهير أو القيادات، رأى أغلبنا أن وقت طرح هذه الملاحظات والانتقادات لم يحن بعد. لكن البعض الآخر اختار أن يطرح بعضها، بالتزامن مع خروج أسطول جديد أو قبله.
لن أطرح هنا تقييمي الشخصي وملاحظاتي على هذه التجربة. ربما أفعل مستقبلًا. لكنني أردت الإشارة إلى هذه المسألة هنا، وقبل الاستمرار في هذا المقال، لأنني سأتحدث في نهايته عن تفصيلة محددة أراها معبرةً لفهم إلى أي مدى وصلت حركة التضامن/الرفض عالميًا. وكيف تجاوزت بكثير حدود التضامن الإنساني/الخيري لتلامس السياسة مباشرة، عبر رفض وجود دولة الاحتلال وتحديها.
هناك شيء جديد يتشكل في رؤية العالم لإسرائيل رفضه له وتحديها
ارتفاع مضامين الشعارات المطروحة، وجذريتها، واستمرارية حركة التضامن/الرفض، وانضمام قطاعات واسعة من الشباب إليها منذ موجة الاعتصامات في الجامعات الأوروبية والأمريكية، والمظاهرات الحاشدة التي ضمت مئات الآلاف في بعض دول العالم. كل ذلك ينبهنا إلى أن هناك شيئًا جديدًا يتشكل في رؤية العالم لدولة إسرائيل ودرجة رفضه لها، وكيف تتحول القضية الفلسطينية لقضية عالمية، تتقاطع مع قضايا أخرى كثيرة، وتتداخل معها، لتصبح رمزيةً لحركات مقاومة الإفقار والاستغلال الرأسمالي، والعنصرية، والذكورية، والاحتباس الحراري، والمطالبة بحقوق السكن والتعليم والصحة، وحركات الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين، وغيرها من القضايا.
شروخ المعسكر الفاشي
تحدثت في المقال السابق عن بعض ملامح صعود اليمين المتطرف والفاشي وثقافة الكراهية والعنف. وعن هذا الحلف العالمي الذي يضم تلك القوى، تحت قيادة ترامب ونتنياهو. وأشرت في ختام المقال لهزيمة حاكم المجر فيكتور أوربان في الانتخابات الأخيرة، ودلالتها المحتملة، خصوصًا بعد تورط نتنياهو وإدارة ترامب في دعمه علانية خلال الحملة الانتخابية.
هزيمة أوربان ليست المؤشر الوحيد على احتمالية أن تكون قوى اليمين والفاشية في العالم قد بدأت رحلة تراجعها. بل هناك المزيد، ومن داخل المعسكر اليميني المتطرف نفسه. على سبيل المثال، الصدام الأخير بين ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أحد رموز الترامبية سابقًا. صدام تكرر مرتين في فترة قصيرة، الأولى حين رفضت الحرب على إيران، والثانية حين أوقفت التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون العسكري بين إيطاليا وإسرائيل.
من داخل الولايات المتحدة نفسها، بدأنا نسمع أولى الأصوات الناقدة للترامبية، من داخل معسكرها. ناهيك عن تراجع شعبية الرئيس الأمريكي بدرجة غير مسبوقة. هذه المؤشرات على شروخ محتملة داخل المعسكر اليميني من الصعب تفسيرها بمجرد تناقض المصالح أو تغيرها. ربما تكون أيضًا نتيجة ضغط حركات الاحتجاج العالمية من ناحية؛ في حالة ميلوني على سبيل المثال، ونتيجة درجة الوقاحة والدموية التي تميز ممارسات الترامبية/النتنياهوية من ناحية أخرى.
الوقاحة، والدموية، والفساد، والاستباحة، والحماقة والبله في إدارة الملفات الدولية، مختلطين بالتباهي بالجهل والعنصرية والكراهية والقدرة التدميرية، كل ذلك في سلة سياسية واحدة أصبح مثيرًا لغضب من احتفظوا سابقًا بكلمات النقد القليلة والمهذبة، وبصوت خافت، مثل بابا الفاتيكان الذي يبدو أنه قرَّر أن يرفع الصوت ويتحدى الرئيس الأمريكي تدريجيًا.
ومن خارج معسكر اليمين والفاشية هناك الجديد، ففي يوم 18 أبريل/نيسان، تشكل في برشلونة تحالفٌ من قوى وحكومات تقدمية ويسارية لمواجهة البربرية والدفاع عن الديمقراطية. في واجهته حكومات دول مثل إسبانيا والبرازيل والمكسيك وكولومبيا، فيما حضره من فلسطين المرشح الرئاسي السابق مصطفى البرغوثي. تحالف يدعو في خطوته الأولى لإعادة هيكلة الأمم المتحدة على أسس جديدة، وأن ترأسها امرأة.
أقرب إلى الواقع
القضية الفلسطينية ليست بعيدةً عن تلك المستجدات، ولأول مرة في تاريخها تصل لهذه الدرجة من القبول، ومن رفض وجود دولة الاحتلال من الأساس في نفي لكل الخطابات التي سادت خلال عقود حول حل الدولتين، الذي ثبت استحالته، والنظر للقضية الفلسطينية من زاوية التعاطف الإنساني مع مآسي اللاجئين. بل، وبفضل أداء إسرائيل دولةً وشعبًا، بدأت قطاعات عالمية، صعب تحديد حجمها، في إدراك عمق الخراب الأخلاقي والقيمي للدولتين، الإسرائيلية والأمريكية، وأن استمرار النظام الترامبي/النتنياهوي خطر على البشرية.
تخلق حركة التضامن/الرفض في طريق تشكلها كتيار جامع للمناضلين والمناضلات المشتبكين مع قضايا أخرى كثيرة، عالمية ومحلية، أشكالًا مبتكرة من العمل والتحرك. لكن السؤال الأصعب هو إن كان بإمكانها خلق أطر تنظيمية جامعة وشفافة وديمقراطية وأفقية بحق. تبتعد بالحركة عن أهواء النجومية، واعتمادها على الكاريزمات الشخصية، وحمايتها من ألعاب المصالح الفردية.
إن أردنا المنافسة لا بد أن ننافس في الوعي والمعرفة ولا نكتفي بما هو سطحي وسريع وأن نتحرر من المركزية الأوروبية
هذه الأطر التنظيمية، إن تحققت، ستجمع بداخلها الكثير من المجموعات المشتبكة مع القضية الفلسطينية، وستكون جاذبة لقطاعات مجتمعية ما زالت متفرجة. وستحقق تأثيرًا حقيقيًا بشرط؛ أن تكون النقيض الحقيقي لما ترفضه. نقيضًا للفساد، والذكورية، والفردية، والوقاحة والجهل والتفاهة، والعنصرية، والطبقية. ولكي تقدم النموذج النقيض فعلًا عليها أن تواجه تحدي الوقوف على أرضية معرفية وفكرية صلبة، تلم بالقضية الفلسطينية وتاريخها الطويل وتعقيداتها، بعيدًا عن سطحية خطابات الإنفلونسرز، السريعة والمجتزأة، وبعيدًا عن كل أشكال السياحة النضالية المؤقتة.
اعتمد اليمين المتطرف في صعوده على الكثير من الأدوات، أشرت لبعضها في المقال السابق، من بينها الحضور المكثف في السوشيال ميديا، وقدرته على تشكيل خطابات جاذبة للشباب والمراهقين. يبدو أن قطاعاتٍ يساريةً انتبهت لذلك، فبدأت تنافسه بتقوية حضورها في عالم تيك توك وانستجرام. لكن، إن أردنا المنافسة، لا بد أن ننافس في الوعي والمعرفة، لا أن نكتفي بما هو سطحي وسريع. وأن نتحرر من المركزية الأوروبية، ومن أوهام الرجل الأبيض والمرأة البيضاء إنهما فلسطينيان أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.
المعرفة والثقافة المهددتان لمصالح اليمين المتطرف والفاشية قادرتان على جذب المؤثرين حقيقةً في مواقع عملهم ونشاطهم على اختلافها. وليس الإنفلونسرز في العالم الافتراضي الذين يعيشون من مجرد إنتاج المحتوى، والمهمومون بالدرجة الأولى بالاستعراضية والترندية، قبل أن تشغلهم حقيقة مأساة الشعب الفلسطيني. فالتريندات خائنة، وتتغير في ثوانٍ.
إن كان اليمين اعتمد في صعوده على الخطابات الدينية التي تلامس العنصرية والدجل، فمن الطبيعي أن يكون النموذج النقيض مبتعدًا بالقضية الفلسطينية عن أي شبهة دينية، أيًا كان شكلها ومضمونها. فصراحة، ومعذرة، لا أعتقد أن الشعب الفلسطيني يريد الاستشهاد من أجل المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة. الشعب الفلسطيني يريد الحياة الحرة والكريمة والعادلة على أرضه.
حركة التضامن/الرفض لا تنحصر في المسألة الفلسطينية، التي تحوّلت الآن للمحور الصلب في النضال ضد الفاشية واليمين المتطرف والعنصرية. وتطورها مرهون في تقديري بفهمها لمعاناة الشعب الفلسطيني، والتماهي معه، وربط قضيته بمطالب وحقوق كل الضعفاء والفقراء في العالم. ربما نستطيع وقتها الحديث عن شروخ حقيقية في جدار الفاشية العالمية، وشروخ في الجدار الإسرائيلي، إن استعنا بالتعبير الذي استخدمه قبل عامين المؤرخ إيلان بابيه.
التحدي
في بداية المقال أشرت لتفصيلة أجلتها لخاتمته، هذه هي: تعرضت بعض المشاركات في أسطول الصمود السابق، بعد قرصنة جيش الاحتلال للقوارب واعتقال المشاركين والمشاركات، لاعتداءات جنسية من جنود إسرائيليين. وصلت في حالة واحدة على الأقل للاغتصاب. نُشر عن هذه المسألة، ويعرفها المتابعون.
مما نُشر، وما حكاه بعض المشاركين، يتضح أن هذه الاعتداءات الجنسية كانت موجهة وبقرار سياسي/أمني إسرائيلي، وليست تجاوزات فردية. وهناك من يؤكدون وجود حالات أكثر لاستخدام العنف الجنسي لإرهاب المشاركات وبعض المشاركين من الذكور، لم ينشر عنها بناء على رغبات الضحايا. على الرغم من ذلك، لم تتبخر الرغبة في التحدي، وتبحر الآن عشرات القوارب المحملة بعشرات النساء، في محاولة جديدة لكسر الحصار الفاشي عن غزة. وهو ما لا يحتاج لتفسير، إنه التحدي الذي يفسر نفسه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

