برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا
من مظاهرات إسرائيل ضد الإصلاحات المقترحة من الحكومة، 20 فبراير 2023

فلسطين التي نريد| شروخ الجدار الإسرائيلي

منشور الثلاثاء 11 يونيو 2024

في 2006، عندما كنت أصوّر فيلمًا تسجيليًا في فلسطين، اعتدت على التنقل في سيارات فلسطينيات وفلسطينيين، حتى اضطررت في أحد الأيام إلى البحث عن سيارة أجرة في أحد شوارع حيفا. حاولت أن أتفحص وجوه السائقين قبل إيقاف أحدهم، بحثًا عن أكثر الوجوه شرقيةً، على أمل أن يكون فلسطينيًا. كان نصيبي في النهاية سائقًا من أصل روسي، ممن هاجروا إلى إسرائيل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

وقعت خلال الطريق مشادة بيننا حول فلسطين وإسرائيل، بإنجليزية متعثرة من الطرفين، بعد أن سألني من أين أتيت وماذا أفعل "هنا"، وإجابتي بأن هذه الـ"هنا" تخصني أكثر مما تخصه. بينما أغادر سيارته، استعان بإنجليزيته المتعثرة ليضع ختمه الأخير على المشادة، قائلًا بلهجة شامتة "مستر.. مستر.. إسرائيل بلد صغير جدًا، لكنها بلد قوي جدًا. أقوى منك/منكم".

لم أفهم أبدًا ما كان يقصده بـ"you"، "أنت" أم "أنتم"؟! من المستبعد أن يقصدني كفرد، فلا يوجد فرد أقوى من دولة. فهل قصد البلدان العربية؟! أم أنه يجمع كل رافضي وجود إسرائيل في هذه الـ"أنتم"؟!

أوروبا صغيرة في قلب الشرق

نعرف أنَّ هجوم السابع من أكتوبر أحدث شرخًا عميقًا في ثقة سائق التاكسي وبقية مواطنيه، في قوة دولتهم الأمنية والعسكرية والاستخباراتية. ونعرف أنه اليوم الأكثر إيلامًا لإسرائيل طيلة تاريخها. هذا الشرخ الذي فُتح في "جدار" أمن إسرائيل، يزداد عمقه، ويُسبب شروخًا جديدة لغياب قدرتها على تحقيق نصر عسكري وسياسي حاسم، أو على الأقل مهم، خلال ثمانية شهور. فاستمرار التدمير الشامل والإبادة لا يشكّل انتصارًا سياسيًا، أو حتى عسكريًا. ويتعمق في تقديري هذا الشرخ، مع كل عملية جديدة تنفذها حماس أو غيرها من فصائل المقاومة، وكلما انطلقت الصواريخ من داخل غزة باتجاه إسرائيل.

مقاومة الإبادة والتطهير العرقي لا تثير الإعجاب دائمًا لكن ينبغي فهمها من زاوية من يحاولون النجاة من الإبادة

تعبير "الجدار" أستعيره من إيلان بابيه، وقد أشرت في المقال السابق إلى تشبيهه إسرائيل بالجدار الذي بدأت تدب فيه الشروخ وسينهار فجأة. ورؤيته بأنَّ ممارسة الإبادة نفسها هي الشرخ الأساسي. وهو ما يدعو للتوقف عند مقدماته الأساسية، التي تقوده لتصور أنَّ إسرائيل تعيش الفصل الأخير من وجودها.

في قراءته لطبيعة الدولة، يشير بابيه لفضل باحثي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، الذين انتبهوا منذ ستينيات القرن الماضي للفروق بين المشروع الصهيوني وغيره من المشاريع الاستعمارية التقليدية، مبرزين سماته الخاصة، أبرزها كونه مشروعًا استعماريًا استيطانيًا، ما يمنحه طبيعته التدميرية.

يعيد المشروع الصهيوني في فلسطين إنتاج النماذج الاستعمارية الاستيطانية السابقة، في أستراليا وأمريكا الشمالية وجنوب إفريقيا وفيتنام الجنوبية، متبنيًا سماتها الجوهرية، ومستخدمًا نفس آلياتها، على رأسها التطهير العرقي، والقضاء تمامًا على الشعوب الأصلية. ليشترك مع هذه المشاريع في اعتماده على فكرة بناء أوروبا جديدة خارج أوروبا. حتى ولو تضمنت عملية البناء الاصطدام بالوطن الأم، الأوروبي، والتخلص من سطوته، ثم العودة لبناء تحالفات وثيقة معه، لتصبح دولة الاستيطان امتدادًا له، ومنتمية إليه حضاريًا.

هذه السمة الاستيطانية هي التي تدفع إيلان بابيه للجهر بما لا يجرؤ على قوله الكثير من الأكاديميين، حتى ولو انحازوا للحق الفلسطيني، بأن الشعوب الأصلية لا تناضل فقط من أجل الحرية، بل من أجل الحياة قبل الحرية. وهو ما تُفهم عبره عملية طوفان الأقصى، وغيرها من عمليات المقاومة الفلسطينية منذ النكبة، حتى وإن أثارت بعضها تحفظات أخلاقية. وبتعبيراته، وليس تعبيراتي، فمقاومة الإبادة والتطهير العرقي لا تثير الإعجاب دائمًا، لكنَّ فهمها لا بد أن يتم من هذه الزاوية المتعلقة بمحاولة النجاة، اليائسة أحيانًا، من الإبادة.

تتطلب عملية التطهير العرقي شرطًا أساسيًا لتتم بنجاح، يلاحظه جيدًا المطلعون على وسائل إعلام أوروبية أو أمريكية، وهي نزع صفة الإنسانية/البشرية عن الشعب المطلوب إبادته. وبنزع السمات البشرية، وتقريب هذا الشعب من الطبيعة الحيوانية/المتوحشة، تسهل الإبادة؛ فالمستوطن في هذه الحالة لا يبيد بشرًا.

وما يميز بابيه عن آخرين يتفقون مع أطروحاته، ليس فقط الزاوية التي يفهم منها المقاومة المسلحة باعتبارها محاولة للحياة قبل أن تكون محاولة لنيل الحرية، بل أيضًا وضوحه في طرح مسألة أساسية؛ أن الدولة الصهيونية، بكل مؤسساتها، وبالذات التعليمية والدعائية، لم تفعل شيئًا طيلة تاريخها سوى محاولة إنجاز مهمتين أساسيتين تكرست لهما، الأولى نزع السمات الإنسانية عن الفلسطينيين، والثانية تطهير فلسطين التاريخية منهم. فتصبح الإبادة الأساس، أو العمود الفقري للدولة.

استكمال مهام 1948

يشير إيلان بابيه في محاضرته بداية شهر فبراير/شباط الماضي، ثم في حواره مع تليفزيون العربي بعدها بشهرين، إلى أحد شروط نجاح عملية الإبادة، وهو ألَّا تكون علنية بل تُخفى دائمًا. وإن كُشفت يتم تبريرها بحجة الدفاع عن النفس، أو أنها مجرد رد فعل على اعتداء الطرف الآخر، في نفي لقصدية التطهير العرقي.


رد الفعل هذا ربما يكون على فعل تافه، مثل إلقاء حجارة على حافلة للصهاينة لتبرير مذابح بحجم دير ياسين، مثلما ذكر بابيه في محاضرته، بحيث يتم تهويل الفعل الفلسطيني للدرجة التي تدفع الدولة للدفاع عن نفسها بممارسة الإبادة الجماعية، دون أن تبدو إبادة جماعية، خصوصًا أن المشروع الصهيوني يتأسس بعد أن وصلت البشرية إلى وضوح أخلاقي وسياسي رافض لعمليات الإبادة أو تبريراتها.

لكنَّ غياب هذه السمة الأخيرة عن عملية التطهير العرقي الجارية في غزة حاليًا بدرجة غير مسبوقة من الوحشية، وأمام العالم كله، وبطريقة تتجاوز أفكار الدفاع عن النفس أو رد الفعل التي لا يصدقها أحد، هي واحدة من المؤشرات التي تقود بابيه لتبني الجانب المهم من نتائجه، المتعلق بانهيار الدولة الصهيونية. وإن كان في محاضرته ربط الانهيار زمنيًا بفترة سنتين، ثم تجنب لاحقًا في المقابلة تحديده.

المبرر الإسرائيلي بالدفاع عن النفس، لا يُوجه حصريًا للخارج، بل أيضًا للمواطن الإسرائيلي في الداخل، الذي تحول لأداة لممارسة الإبادة. وإن لم يعد يصدقه أحد، بناء على بابيه، فكيف يبرره المواطن الإسرائيلي أو يشارك فيه؟! هذا السؤال الأخلاقي/الوجودي يضاف لسؤال الحصانة الذي أضيفه على أطروحته؛ تأثير سقوط نظرية الردع الإسرائيلي، والأمن والحصانة الدوليين، على مواطني الدولة أنفسهم؛ سائق التاكسي الروسي وغيره.

النتيجة الأساسية التي نستطيع ملاحظتها بعد الدمار والدم اللذين لم يحدثا أبدًا في تاريخ منطقتنا، وتجاوز بكثير ما تعرض له الفلسطينيون وقت نكبة 1948، هو سقوط الوهم الأساسي الذي روجته إسرائيل في الغرب، وشكَّل أحد أسس تحالفهما، وهم التشابه؛ إنها أوروبا خارج أوروبا، باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق بين المتوحشين، وتنتمي حضاريًا وأخلاقيًا وقيميًا للعالم المتحضر. بل إنها واحته في جنوب وشرق المتوسط.

يتجسد ذلك في تفاصيل عديدة نلاحظها على بداية خسارة إسرائيل لمعاملة الابن المدلل للغرب، الذي يتمتع بالحصانة ولا تُطرح عليه الأسئلة. لتصبح موضع مساءلة ونقد وتوبيخ، بل وتُقطع معه العلاقات الدبلوماسية، ويتحول لمادة إدانة في الأمم المتحدة ولمتهم أمام محكمتي العدل والجنائية الدوليتين، وأن توصف عملياته بالإبادة من قِبل سياسيين وحكومات، وأن ينتشر في مواجهته أوروبيًا، وبالتدريج، الانحياز لفلسطين.

يقدم بابيه تفسيرًا منطقيًا لمجاهرة إسرائيل بالإبادة الحالية، بعد أن كانت تخفيها سابقًا، ولاستمرارها فيها رغم خسائرها السياسية، وهو أنها انتهزت فرصة عملية طوفان الأقصى لتنجز ما لم تستطع إنجازه كاملًا في 1948، وإلا انهار جوهر مشروعها، وهو إبادة الشعب الفلسطيني، وتطهير البلد من بقاياه، وألَّا تكون لديه أي إمكانية لمقاومتها. فرغم كل المجازر وتدمير أغلب البلدات والمدن الفلسطينية في 1948، لم تنجح إسرائيل سوى في طرد نصف السكان الأصليين. وهذا الطرد لم يُوقف المقاومة الفلسطينية للإبادة، بكل أشكالها، عسكريًا وسلميًا، من داخل إسرائيل أو من خارجها.

فصل النهاية الطويل

اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ومتظاهرين طالبوا بانتخابات برلمانية مبكرة في تل أبيب، 17 فبراير 2024

يذهب بابيه إلى ما هو أبعد؛ أنَّ إسرائيل اكتشفت ضعفها الهيكلي قبل السابع من أكتوبر، لتحاول ترميمه الآن. ضعف متمثل في أزمة اقتصادية كبيرة، وفجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وسقوط قطاعات إسرائيلية جديدة إلى ما تحت خط الفقر، وانقسام المجتمع الإسرائيلي لقوتين كانتا تتصارعان في شوارع تل أبيب حتى 6 أكتوبر/تشرين الأول.

القوة الأولى مَن هم مِن أصول أوروبية في أغلبهم، يسمّون أنفسهم بالعلمانيين، في مواجهة القطاع السكاني المتمثل في مستوطني الداخل والضفة الغربية، من يرفضون الأشكال الحديثة للديمقراطية الغربية، ويتصورون أنهم فوق القانون، وبإمكانهم أن يكونوا دولة داخل الدولة.

يؤكد بابيه أنَّ كثيرين من القطاع الأول، وليس عندي أرقام عن ذلك، وهو لا يطرح بدوره أرقامًا، يحملون جنسية أوروبية أخرى إلى جانب جنسيتهم الإسرائيلية. وبدأ كثيرون، قبل السابع من أكتوبر، في سحب مدخراتهم واستثماراتهم لخارج إسرائيل، وتركها للعيش في بلد أوروبي. وأن ما يجمع الطرفان حاليًا هو اتفاقهما على ضرورة الإبادة.

لكنَّ هذا الاتفاق المرحلي لا يصلح أساسًا للتعايش بينهما على المديين المتوسط والبعيد، ولا يمكن أن يكون مقبولًا للأطراف الخارجية التي لا تستطيع إسرائيل العيش بدونها. وهنا يُطرح سؤال جديد، لا إجابة عنه، ما إذا كان توقف الإبادة في غزة سيؤدي لحرب أهلية داخلية، تنهي المشروع الإسرائيلي كما نعرفه؟!

تُغيِّر إبادة الفلسطينيين في غزة توازنات القوى، ليس فقط داخليًا، بل على المستويين الإقليمي والدولي. فربما يكون علينا هنا أن ننتبه لسؤال شرعية السلطة/النظام، السؤال الأساسي الذي لا يستطيع أي نظام الاستمرار من دون أن يجيب عنه عندما يواجه تحديات كبرى، إجابة مقبولة داخليًا وخارجيًا. وربما يكون هو السؤال المؤرق في إسرائيل الآن.

بالخروج من أطروحة إيلان بابيه، تنقص الفصل الأخير الطويل من حياة المشروع الصهيوني عوامل أخرى ليكتمل. أولها مدى المصلحة الأوروبية والأمريكية من بقاء إسرائيل، وتليها أنظمة المنطقة، التي ليس من مصلحتها أن يختفي هذا المشروع لصالح نموذج دولة فلسطينية جديدة، ديمقراطية وعلمانية ومتعددة الإثنيات والمعتقدات، تضم ضحايا الصهيونية من الفلسطينيين واليهود في دولة واحدة.

بالإضافة إلى أن انهيار أنظمة الفصل العنصري عادة ما يحتاج لمناخٍ دوليٍّ مواتٍ، يصاحب موجة تقدمية عالمية تدفع باتجاهه. وهو ما لا يتحقق في هذه اللحظة تحديدًا، التي من ضمن سماتها صعود اليمين المتطرف والعنصري عالميًا.

لا تنحصر المسألة في علاقات إسرائيل الدولية، وخسرانها لحلفاء، أو نجاحها في كسب حلفاء جدد، فربما تكون إجابة سؤال الشرعية إسرائيليًا موجهة حصريًا لحلفائها الجدد، اليمين الأوروبي والأمريكي المتطرف والعنصري، المعادي للسامية سابقًا، وللعرب والمسلمين حاليًا، وهذا موضوع مقال آخر.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.