تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
يواجه وزير النقل والصناعة كامل الوزير انتقادات بسبب ديون مشروعات النقل الكبرى.

ماذا جنينا من توطين النقل؟

منشور الأحد 28 حزيران/يونيو 2026

قبل أيام، نقلت وسائل الإعلام مناقشات حامية بين نواب في البرلمان ووزير النقل كامل الوزير أثناء اعتماد قروض إضافية للقطار الكهربائي السريع. 

فُتح النقاش حول قروض مشروعات النقل الكبرى وما سببته من تفاقمٍ للدين الخارجي للبلاد، في مقابل دفاع الوزير عن سياساته مستندًا إلى نجاح جهود توطين صناعات النقل في الحد من استنزاف العملة الصعبة، ضاربًا مثلًا بأن 70% من مكونات القطار السريع صُنعت محليًا بفضل التوطين. 

يروّج الوزير منذ عام 2022 لجذب استثمارات في صناعات النقل، معتمدًا على إغراء المستثمرين بالحوافز والتعاقدات المضمونة مع الدولة لتلبية احتياجات مرفقي السكة الحديد ومترو الأنفاق والجر الكهربائي. فلأي مدى نجح التوطين في توفير الدولار؟ وكيف تساهم الصناعات الجديدة في الحد من الضغوط التي فاقمتها ديون قطاع النقل؟

الفلنكات مصرية 100% 

يعتمد كامل الوزير صناعة الفلنكات الخرسانية مؤشرًا على تقدم التوطين، ليس فقط لزيادة عدد الشركات التي انخرطت في هذا المجال، ولكن لأنه حقق اكتفاءً ذاتيًّا كاملًا.

زيارة الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية للشركة المصرية للمواسير والمنتجات الإسمنتية "سيجوارت" بحلوان، 22 يونيو 2026

وصل عدد الشركات التي تنتج القواعد الخرسانية التي تحمل القضبان إلى أربعٍ، ثلاث منها أنشئت خلال الفترة من 2022 إلى 2024، فيما توضع اللمسات النهائية للمصنع الخامس تمهيدًا لافتتاحه ويتبع شركة كونكريت بلس الخاصة للمقاولات.

إلى جانب انخراط شركات حكومية مثل المصرية للصيانة الذاتية والنيل العامة للإنشاء والطرق، وسيجوارت، في تصنيع الفلنكات، تبرز شركة إيكو الخاصة، التي تعمل منذ عقود في مجال البنية التحتية، ودخلت مؤخرًا هذا المجال.

بفضل هذه المصانع الجديدة، حققت الهيئة القومية للأنفاق الاكتفاء الذاتي من القواعد الخرسانية التي تحتاجها، كما يؤكد عضو بمجلس إدارتها رفض نشر اسمه لـ المنصة، لافتًا إلى أن التعاقدات الحالية تتجاوز 6 مليارات جنيه لصالح مشروعات القطار السريع والقطار الخفيف، وستحتاج في المستقبل لتعاقدات جديدة بقيم تتجاوز 15 مليار جنيه.

فيما يخص هيئة السكة الحديدية، كشف عضو بمجلس إدارتها لـ المنصة أن التعاقدات مع شركات تصنيع الفلنكات خلال الفترة من 2024 وحتى نهاية العام المالي المقبل تتراوح بين 600 و800 مليون جنيه.

أبعد من الفلنكات

تطلع الوزير لجذب استثمارات محلية لتوطين مكونات أخرى مكلفة أكثر وتحتاجها مشروعات النقل، ونجح بالفعل في جذب بعضها، معتمدًا طرقًا متنوعة بدءًا من تقديم الحوافز المباشرة مثل منح الأراضي بأسعار مخفضة أو حتى بالمجان، إضافة لإغراء الشركات بالحصول على التعاقدات المضمونة في مشروعات النقل الكبرى.

يضرب مصدر السكك الحديدية مثلًا بإحدى الشركة الصينية التي وُعدت بأنها إذا أقامت مصنعًا لعجلات القطار ستتوقف الهيئة عن الاستيراد بشكل نهائي بما تصل قيمته لنحو 90 مليون يورو سنويًا؛ "يعني فيه منفذ لشراء المنتجات من بداية التصنيع، الشركة مش هتدور هتبيع فين".

شركة كول واي الإسبانية هي الأخرى كانت على رأس الشركات التي جاءت لمصر في خضم أزمة شح الدولار في 2023 لإنشاء مصنع لمكونات عربات النوم، بدأ العمل فيه عام 2025، ما وفر نحو 40 مليون يورو، حسب تقدير المصدر بالهيئة، لافتًا إلى أن الحكومة تشدد الثمن للشركة الإسبانية بالعملة المحلية.

 مساعي توطين عربات القطارات بدأت قبل 6 سنوات بتأسيس شركة "نيرك" بتحالف محلي وتحديث مصنع سيماف

أيضًا اتفقت الهيئة مع شركة فويست ألبين النمساوية على إنشاء مصنع لمفاتيح السكك الحديدية، ما وفر نحو 45 مليون يورو حتى الآن، على أن تغطى كامل احتياجات الهيئة محليًا خلال العامين المقبلين، كما يضيف المصدر لـ المنصة.

إضافة للمستثمرين الأجانب، اعتمد الوزير على مصانع تابعة للدولة أو قريبة منها، بينها شركة السويس للصلب، التي تتبع القوات المسلحة منذ 2016، وبدأت التشغيل التجريبي لأحد مصانعها في تصنيع قضبان السكك الحديدية في عام 2024، وهو ما يكرر الوزير الإشارة إليه في أحاديثه بالنظر إلى التكلفة المرتفعة لاستيراد القضبان.

مصنع السويس للصلب ساهم هو الآخر في تقليص فاتورة الاستيراد بنحو 100 ملايين يورو؛ قيمة قضبان لمشروع القطار السريع، كما يؤكد المصدر بالسكة الحديد، لافتًا إلا أنه جرى الاعتماد أيضًا على شركة مصرية خاصة لها تاريخ سابق في التعاون مع وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، هي لينزا إيجيبت، لإنشاء مصنع لقطع غيار السكك الحديدية، بالشراكة مع الهيئة.

إلى جوار الأسماء السابقة، يبرز اسمان عالميان يراهن عليهما الوزير للتأكيد على قدرته على جذب الكيانات الكبرى للسوق المصرية؛ الأول هو شركة ألستوم الفرنسية والثاني تالجو الإسبانية، حيث تقيم الشركة الأولى مجمعًا للصناعات الكهربية المرتبطة بالسكك الحديدية، مثل الإشارات، ومن المتوقع افتتاحه هذا العام.

في المقابل لا يزال وضع شركة تالجو غامضًا، حيث من المفترض أن تقيم مصنعًا لعربات القطار داخل مصر تصنّع من خلاله العربات المثيلة لصفقة التوريد الضخمة 2022.

صورة من داخل أحد قطارات تالجو، 22 ديسمبر 2026

"من جانبنا عرضنا العديد من الحوافز مثل تيسير الحصول على الأراضي، لكن شركات كبيرة مثل تالجو تحتاج لوقت طويل حتى تتخذ قرارها"، يفسر المصدر بالسكك الحديدية لـ المنصة سبب تأخر الشركة الإسبانية في البدء بالاستثمار داخل مصر، لافتًا إلى وجود تحديات تحتاج للدراسة مثل مدى وجود سوق كافية لإنتاج الشركة، فهي تتخصص في العربات الفاخرة فقط والسوق المصرية ليست كافية لاستعياب إنتاجها، لذا تحتاج لدراسة أسواق التصدير المتاحة.

لا يقتصر توطين صناعة العربات على تالجو، فقد سعت الدولة قبل نحو 6 سنوات لتأسيس شركة في هذا المجال، معروفة باسم "نيرك"، بالشراكة مع أسماء مشهورة في مجال المقاولات مثل سامكريت وحسن علام وأوراسكوم للإنشاءات.

في البداية قابلت الشركة عقبات، أبرزها أزمة الدولار، التي أخرت افتتاح المصنع حتى أبريل/نيسان الماضي، لكنها سهلت جذب أسماء عالمية كبيرة للدخول في شراكات، أبرزها هيونداي روتم الكورية، أحد أبرز موردي العربات لمترو الأنفاق، التي أبرمت عقدًا ضخمًا مع نيرك للتشارك في صناعات قطارات مترو الأنفاق في الإسكندرية والقاهرة، وأخرى مع سي آر سي الصينية لإنتاج عربات مترو أبو قير الكهربائي.

"بفضل نيرك، ألغيت مناقصة دولية طُرحت في 2022 لتوريد عربات قطار مترو أبو قير الكهربائي، بعد تأكدنا من قدرة الشركة على إنتاج العربات"، يقول المصدر بهيئة الأنفاق، متوقعًا أن "يسهم ذلك في تحقيق وفورات تُقدّر بنحو 734 مليون يورو في مشروع مترو أبو قير فقط".

إضافة لنيرك، عمدت الحكومة إلى تحديث مصنعها القديم للعربات "سيماف"، الذي يتولى حاليًا صناعة 210 عربات نقل بضائع لشبكة القطارات السريعة، ويكشف المصدر أن العربة الواحدة التي كانت يتكلف استيرادها نحو 16 مليون جنيه، ستصنع محليًا بنحو 9 ملايين جنيه.

كيف نمحو ذنوب الديون الماضية؟ 

في حصر سابق، قدرت المنصة إجمالي المتطلبات التمويلية لمشروعات النقل الكبرى بنحو 19 مليار دولار، ما يفاقم الدين الخارجي الذي شهد نموًا متسارعًا في العقد الأخير. 

وإن اعتبر الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، جذب الشركات والمصانع الأجنبية للعمل داخل السوق المصرية خطوة إيجابية، فإنه لن يكون بديلًا حقيقيًا لاسترداد التكلفة الضخمة لمشروعات السكك الحديدية ومترو الأنفاق، خاصة أن هذه الصناعات ترتبط بعوامل أكثر تعقيدًا، تشمل التكنولوجيا، واستدامة التطوير والبحث، فضلًا عن التسويق وإمكانات التصدير مستقبلًا.

يشير رمضان في تصريح لـ المنصة إلى إشكالية في طريقة احتساب المكون المحلي داخل الصناعات التي تُنفذ بالشراكة مع شركات عالمية، تتمثل في أن بعض الجهات تحتسب العمالة ضمن نسبة المكون المحلي، رغم أن المعيار الحقيقي يجب أن يرتبط بحجم القيمة المضافة، ومدى نقل التكنولوجيا، وعدد المهندسين الذين جرى تدريبهم، بالإضافة إلى القيمة الفنية والمالية للمنتج النهائي مقارنة بنظيره المستورد بالمواصفات نفسه.

بينما يشدد فخري الفقي، الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بالبرلمان، على أن الحد من الضغوط الناتجة عن زيادة الدين الخارجي في الفترة المقبلة لن تتأتى إلا من خلال تركيز الصناعات الجديدة على التوسع في التصدير، لافتًا إلى أن ثمار وفورات توطين صناعة النقل ستظل محدودة في المراحل الأولى، باعتبار أن الإنتاج سيُوجَّه في البداية لتغطية جزء من احتياجات السوق المحلية، لكن التأثير الاقتصادي الأكبر لن يظهر بصورة واضحة إلا مع نجاح هذه الصناعات في التوسع بعمليات التصدير إلى الأسواق الخارجية.

هنا يلفت المصدر بهيئة الإنفاق إلى أن العديد من الشركات المؤسسة حديثًا تتطلع على المدى الطويل لاتخاذ مصر قاعدةً للتصدير، ويضرب مثالًا على ذلك بشركة ألستوم، حيث سيخصص إنتاج الشركة في المرحلة الأولى للخط السادس لمترو الأنفاق، على أن يوجه لاحقًا نحو التصدير.

ويؤكد العضو المنتدب للشركة المصرية لصناعات السكك الحديدية "نيرك"، أحمد المفتي، لـ المنصة تبنيهم استراتيجية مرحلية لتوطين صناعة الوحدات المتحركة، تبدأ بتغطية احتياجات السوق المحلية، على أن تتوسع لاحقًا نحو التصدير، حيث تعتزم إعداد دراسة تفصيلية حول احتياجات السوق الأفريقية من القطارات قبل نهاية العام الحالي، تمهيدًا لدخولها كمرحلة أولى للتوسع الخارجي، مستفيدة من وجود شركات المقاولات المصرية العاملة في مشروعات البنية التحتية في القارة.

يشرح المفتي أن هذا التوجه يستهدف بناء تحالفات متكاملة قادرة على تنفيذ المشروعات بنظام "تسليم المفتاح" لصالح الجهات المالكة في الدول الإفريقية، بما يعزز قدرة الشركات المصرية على المنافسة الإقليمية والدولية.

سيكون التوجه نحو التصدير رهان قطاع النقل خلال السنوات المقبلة لوقف نزيف النقد الأجنبي الذي عانى منه الاقتصاد المصري، وسيظل فتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية التحدي الأكبر أمام تحقيق هذا الهدف.