لماذا تأخر تنفيذ المونوريل وكم كلفنا؟
نهايةَ العام الماضي، تناقلت وسائل إعلام أخبارًا عن افتتاح مونوريل شرق النيل في الأسبوع الأول من شهر يناير/كانون الثاني من عام 2026، إلا أن أسابيعَ مرت ولم يفتتح الخط الأول، ليتكرر التأجيل مرة أخرى.
عوامل عدة ساهمت في تأخير افتتاح المونوريل الذي سيربط أول خط منه بين العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة نصر، شرق القاهرة، وسيصل الخط الثاني مدينة السادس من أكتوبر بوسط القاهرة، وكان لهذا التأخير ثمنٌ باهظٌ قدّره مصدر مسؤول عن المشروع لـ المنصة بـ45 مليار جنيه.
حسب المسؤولين، فإن الموعد المرجح حاليًا لافتتاح خط العاصمة الجديدة سيكون قبل انتهاء الربع الأول من العام الحالي، والخبر الجيد أن الحكومة ستحاول تعويض تأخرها في الانتهاء من المشروع وتشغيله من خلال تبني نموذج المشاركة المصرية في تشغيل المونوريل بدلًا من التصوارت السابقة التي كانت تركز على إدارة أجنبية للقطار.
ما الذي أخَّر تنفيذ المونوريل؟
واجه المشروع سلسلةً من العقبات منذ ترسية تنفيذه عام 2019 على تحالف بقيادة شركة بومباردييه، إذ لم يبدأ التشغيل التجريبي للمشروع له إلا بعد نحو خمسة أعوام في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ويؤكد عضو في مجلس إدارة الهيئة القومية للأنفاق، طلب عدم ذكر اسمه، أن "المخطط الأصلي كان بناء وتشغيل الخط الأول الممتد من العاصمة الإدارية الجديدة إلى مدينة نصر خلال ثلاث سنوات فقط".
ويستهدف المشروع ربط مدن مثل العاصمة الجديدة والسادس من أكتوبر بمناطق حيوية في وسط القاهرة، ويمتد على مسافة تصل إلى 100 كليو متر.
ولا تخفى على المارة أعمال إنشاء المونوريل، حيث تمتد الأعمدة الخرسانية الحاملة للقطار في شوارع رئيسية في أحياء مدينة نصر والسادس من أكتوبر، وظهر القطار في لحظات خاطفة من التشغيل التجريبي بمدينة نصر، لكن محطاته لم تفتح أبوابها في وجه الجهمور.
وكما يكشف المصدر لـ المنصة فإن المشروع واجه تأجيلات منذ العام الأول، من بينها أن توقيع الاتفاق الخاص به جاء عقب اعتماد موازنة العام المالي 2019 - 2020، التي لم تتضمن الدفعة الأولى المقدمة من الحكومة للتحالف المنفذ للمشروع بقيمة 9 مليارات جنيه، لذا تأجلت هذه الدفعة إلى 2020-2021.
في عام 2020 ضربت جائحة كوفيد العالم، ما مثّل عقبة جديدة أمام المشروع؛ يوضح المصدر أن شركات المقاولات المنفذة واجهت أزمة في استيراد معدات والتعاقد على خامات من الخارج، وهو ما تسبب في إبطاء الأعمال لفترة تجاوزت ثلاثة أشهر على الأقل، نتيجة القيود العالمية واضطراب سلاسل الإمداد، فضلًا عن تقليص أعداد العمالة في مواقع الإنشاء تجنبًا لانتشار الوباء.
وتشترك كل من أوراسكوم للإنشاءات والمقاولون العرب في التحالف المنفذ للمشروع بقيادة شركة بومباردييه.
أزمة الدولار وتأثيرها على المشروع
بعد اجتياز أزمة الجائحة، أبرمتْ الحكومة اتفاق قرض مع وكالة الصادرات البريطانية بـ2.3 مليار دولار، لكن هذا التمويل وجّه بالأساس لتصنيع عربات القطار، بينما ظلت شركات المقاولات المنفذة في حاجة لمصادر نقد أجنبي إضافية لاستيراد بعض المستلزمات الخاصة بالإنشاء.
تزايدت مصاعب شركات المقاولات في تدبير النقد الأجنبي مع تصاعد أزمة الدولار بدءًا من 2022، لتواجه شركات المقاولات أزمة في توفير الاحتياجات الأساسية للإنشاءات والتشطيبات، منها على سبيل المثال كميات الحديد والأسمنت، إذ كانت تحصل على 50% فقط من إجمالي احتياجاتها في بعض الأوقات بسبب تفضيل المصانع للتصدير في تلك الفترة، كما يؤكد المصدر.
ومع تتابع تعويمات الجنيه ارتفعت تكلفة الإنشاء، وزاد التبرم بين منفذي المشروع لاتساع الفجوة بين قيمة المقاولات المتعاقد عليها مع الحكومة والتكلفة الفعلية في ظل التضخم؛ "بعد تعويم 2022، جرى إعداد دراسات إضافية لتحديد القيمة العادلة للأعمال، ووضع آلية لصرف تعويضات للمقاولين بما يضمن قدرتهم على الاستمرار بنفس وتيرة التنفيذ، غير أن المخصصات المالية المتاحة للهيئة كانت محسوبة على سعر الدولار قبل التعويم، الأمر الذي أدى إلى إبطاء بعض الأعمال حتى نهاية العام المالي"، يوضح المصدر.
بدءًا من عام 2024 بدأت معدلات تنفيذ المشروع في التحسن مع توافر النقد الأجنبي في أعقاب اتفاق رأس الحكمة، كما اتجهت الحكومة لتعديل آلية صرف المستحقات الأساسية للمقاولين، لتصبح كل 45 يومًا بدلًا من كل ثلاثة أشهر، حتى لا تتآكل قيمة التعويضات أمام معدلات التضخم المتسارعة في تلك الفترة.
يشير المصدر إلى أن هذا الإجراء، رغم بساطته الظاهرة، أسهم بشكل ملموس في تسريع وتيرة العمل، بالتوازي مع إعادة تقييم مستحقات الشركات، وصرفها على دفعات لاحقة وفق الاعتمادات المالية المقررة للعام المالي 2024 - 2025.
لكن تأخيرات السنوات السابقة ساهمتْ في نزيف تكاليف يقدره مصدر ثانٍ بمجلس إدارة هيئة الأنفاق بأنه لا يقل عن 45 مليار جنيه (806 ملايين يورو) ما يمثل نحو 18% من تكلفة المشروع الأصلية المقدرة بـ4.5 مليار يورو.
التمصير للحد من تكاليف المشروع
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق أنها ستتولى تشغيل المونوريل بالتعاون مع ألستوم الفرنسية، وينوه مسؤولون بأن هذه الخطة استهدفت الحد من تكاليف تشغيل المشروع، وهي بديل خطة سابقة للاعتماد على إدارة أجنبية بالكامل.
"دخول الشركة المصرية لإدارة وتشغيل المترو شريكًا في إدارة المشروع استهدف خفض تكلفة عقد التشغيل والصيانة بنسبة تصل إلى 25%، وثانيًا اكتساب خبرة محلية فعلية في إدارة وتشغيل هذا النوع من القطارات"، يؤكد المصدر الثاني لـ المنصة، مشيرًا إلى أن قيمة التعاقد الحالية تبلغ نحو 1.5 مليار يورو لمدة 15 عامًا.
يوضح المصدر أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد الانتهاء من جميع التفاصيل الخاصة بتأسيس الشركة الجديدة، تمهيدًا لبدء التشغيل التجاري ونقل الركاب، الذي يُتوقع أن يتم خلال أواخر الربع الأول من العام الحالي.
ينوه بأن خفض تكلفة التشغيل والصيانة سيعتمد بشكل رئيسي على زيادة نسبة العمالة المصرية، سواء في الخدمات المرتبطة بالمواطنين مثل بيع التذاكر وقيادة القطارات، أو في الجوانب الفنية المتعلقة بصيانة الأنظمة والعربات"، ليقتصر دور شركة ألستوم على إنجاز بعض المهام الفنية الدقيقة التي لا تتوافر لها خبرة محلية حاليًا، على أن تُنقل هذه الخبرات تدريجيًا إلى العمالة المصرية من خلال برامج تدريب متعددة تضمن توطين التكنولوجيا خلال فترة زمنية محددة، على غرار ما جرى في مترو الأنفاق منذ إنشائه وحتى انتقال إدارته وتشغيله بالكامل إلى الجانب المصري.
تُقدَّر العمالة الإجمالية للمشروع بنحو 400 مهندس وفني، ويجرى حاليًا تدريب 100 منها دفعةً أولى، وجميعهم من المصريين، وكما يوضح المصدر فإنه من المخطط أن تشكل العمالة المصرية نحو 90% من إجمالي القوى العاملة عند بدء التشغيل، مقابل 10% من الخبراء الفرنسيين، على أن تنخفض نسبة الخبرات الأجنبية إلى 5% فقط بعد عامين من التشغيل.
مقابل حماس المسؤولين في الدفاع عن جهود الحكومة لترشيد نفقات المونوريل عبر تمصير إدارته، يرى خبراء أن المشروع في تصميمه الأولي يعد هدرًا للموارد العامة.
"المشروعات الكبرى مثل المونوريل لن تكون حلًا جذريًا لأزمة المواصلات، نظرًا للتكاليف الضخمة لتنفيذه وتشغيله، ومن ثم الاستفادة منه في النهاية ستكون مقتصرةً على فئة قليلة مقارنة بوسائل النقل الجماعي الأخرى"، يقول الخبير العمراني والباحث بجامعة هيوستن الأمريكية، عمرو عصام، لـ المنصة.
حتى الآن لم يُعلن عن السعر المتوقع لتذكرة المونوريل، لكن عصام يتوقع أن يكون مرتفعًا بما يناسب تكاليف المشروع، ما سيحفز الكثيرين على استقلال سيارات الأجرة أو الخاصة، بالتالي يحد من الفوائد البيئية المتوقعة من المشروع.