تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
أحمد الشرع "مُقاوِلُ سلطةٍ" بارع، يستخدم كل طبقة من طبقات هويته المركبة حسب الحاجة والسياق.

رجل وثلاثة أوجه: "الشرع" مجاهدًا ورئيسًا وديكتاتورًا تحديثيًا

منشور الخميس 29 كانون الثاني/يناير 2026

في 29 يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت إدارة العمليات العسكرية السورية اختيارَ أحمد الشرع لرئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية، لتُسجل لحظة فارقة في التاريخ. جهادي سابق انخرط في صفوف تنظيمي القاعدة وداعش، ثم جاء زعيمًا لتحالف إسلامي مسلح يطيح بنظام بشار الأسد، ليصبح هو الحاكمَ الفعليَّ  والوجهَ الدوليَّ الجديد للجمهورية العربية السورية.

بعد عام من وصوله إلى السلطة، لا تزال عدة أسئلة محورية تبحث عن إجابة؛ كيف وصل جهاديٌّ سابق إلى كرسي الرئاسة في سابقة هي الأولى؟ وكيف انعكست خلفياته المتشابكة على أسلوبه في الحكم؟ وما هو مستقبل سوريا تحت قيادته؟

في محاولة فهم نهج الشرع الرئاسي، يتعين تتبع الطبقات المتعددة التي شكّلت هويته السياسية؛ من إرث عائلته القومي، مرورًا بتجربته الجهادية، وصولًا إلى البراجماتية السياسية التي تُميّز حكمه اليوم.

الطبقة الأولى: إرث العائلة القومي

وُلِدَ الطفل أحمد حسين الشرع عام 1982 في العاصمة السعودية الرياض، لعائلةٍ سوريةٍ سُنّيَّةٍ تعود أصولها إلى قرية فِيق في منطقة القنيطرة بهضبة الجولان السوري، ومنها اكتسب لَقَبَهُ "الجولاني".

وفقًا للمصادر، من بينها كتاب والده حسين علي الشرع "ثورة الزوية المنسية"، كانت عائلته من مُلَّاك الأراضي الإقطاعيين، وتَدَّعي في تقاليدها الشفوية أن نَسَبَها يعود إلى النبي محمد. والده مهندس بترول وناشطٌ قوميٌّ عربي، أما جده لأمه، محمد خالد الشرع، فكان أحد المشاركين في النضال ضد الاستعمار الفرنسي لسوريا.

الجولاني ليس "سلفيًّا نقيًّا" بالمعنى التقليدي المنعزل

نشأ الشرع وسط حكايات هذه العائلة صاحبة النزعة القومية والتاريخ النضالي والظلم التاريخي التي تَعَرَّضَت له بعد التهجير القسري عام 1967 عقب الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان في حرب الأيام الستة، ليُمثّل الإرث القومي الطبقةَ الأولى في تكوينه، وهو ما كان له تأثير واضح ظهر لاحقًا على خطابه السياسي وقدرته على التواصل مع مختلف التيارات السورية، بما في ذلك القوميون واليساريون، رغم خلفيته الجهادية.

ساهم ذلك أيضًا فيما بعد في تشكل شخصيته "البراجماتية". فالجولاني -كما سنرى- ليس "سلفيًّا نقيًّا" بالمعنى التقليدي المنعزل، بل هو سياسي بنفَسٍ قومي يرتدي عباءة دينية.

الطبقة الثانية: الخطاب الإسلامي 

قائد هيئة تحرير الشام أحمد الشرع، ديسمبر 2024

تلقى الشرع تعليمه الأساسي والثانوي في دمشق؛ حيث عاش في بيئةٍ متوسطةِ الحال حظيت بالثقافة والتعليم، وَوَفَّرَ له والده المهندس المثقف تعليمًا جيدًا. كان يُفترض بالشرع سليل الأسرة ميسورة الحال، أن يقضي شبابه بعيدًا عن مُعترك السياسة، ويَتبع مسارًا أكاديميًا حال والده. لكنَّ الظروف السياسية القاسية في سوريا إبان حكم حافظ الأسد، إضافةً إلى القصص العائلية حول التهجير من الجولان، خَلَقَت لديه وعيًا مبكرًا بالقضايا السياسية والاجتماعية.

خلال سنوات المراهقة وبدايات الشباب، تأثر الشرع بالخطاب الإسلامي والقومي، لا سيما في ظل الأحداث الإقليمية المتسارعة؛ كانتفاضة الأقصى الثانية عام 2000، والتحضيرات الأمريكية لغزو العراق. إضافة لهذا، كان مسجد الشافعي في حي المزة بدمشق، حيث نشأ، مركزًا لكثيرٍ من المنتمين لحركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية، من بينهم خالد مشعل، رئيس حركة حماس بالخارج، الذي دأب على الصلاة فيه؛ مما زاد من احتكاكه بهم وأثر بشكلٍ مباشرٍ على طريقة تفكيره. كما تأثر بأحداث 11 سبتمبر والغزو الأمريكي للعراق.

هكذا تشكّلت الطبقة الثانية من هويته؛ خطابٌ إسلاميٌ عمقه محلي، تَمازَجَ مع إرثٍ قوميٍ/مقاومٍ آتٍ من الذاكرة العائلية، ضف إلى ذلك ما بدا أنه رغبةٌ ذاتية في تحقُّيق بطولة عبر العمل المسلح. سيصبح لاحقًا هذا المزيج المبكر بين القومية والإسلامية والمقاومة أحد مفاتيح فهم براجماتيته السياسية وقدرته على التنقل بين الأيديولوجيات.

الطبقة الثالثة: التجربة الجهادية 

في 2003 وعندما أتم الشرع 21 عامًا بدأ الغزو الأمريكي للعراق. اتخذ وقتها قرارًا سيغير حياته إلى الأبد، بالسفر للمشاركة في القتال ضد القوات الأمريكية في العراق، انضم أولًا إلى تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" تحت قيادة أبي مصعب الزرقاوي، وقاتل معه ثلاث سنوات، اكتسب خلالها خبرةً عسكريةً في حرب العصابات والعمليات الخاصة، كما تعرف على شبكاتٍ واسعةٍ من المقاتلين من مختلف الجنسيات.

مع الوقت، تَرَقَّى في التنظيم وتَقَرَّبَ من الزرقاوي لدرجة أنه ذُكِرَ في بعض الوثائق التي صُودِرَت من التنظيم، وبعد فترةٍ انضم إلى جماعة سرايا المجاهدين تحت قيادة أبي طلحة العراقي، التي كانت تابعةً للقاعدة أيضًا. 

وفي عام 2008، بايع الشرع أبا بكر البغدادي، زعيم "دولة العراق الإسلامية"، داعش لاحقًا، ليكون بذلك عضواً في "أكبر تنظيم إرهابي دولي".

شَكَّلَ سجن الجولاني خلال الفترة من 2006 إلى 2011 محطةً فاصلةً في حياته

خلال مشاركته في "الجهاد" بالعراق برز كقائدٍ ميدانيٍّ شابٍ يتمتع بالشجاعة والذكاء التكتيكي، وبعد ثلاث سنوات من وجوده على الأراضي العراقية ألقت القوات الأمريكية القبض عليه وسجنته في معتقل كامب بوكا في جنوب العراق، وهو السجن الذي اعتبر بيئةً مثاليةً للجماعات المتشددة وكان نقطة نواة تنظيم داعش فيما بعد، وهو السجن ذاته الذي سُجن فيه أبو بكر البغدادي.

شَكَّلَ سجن الجولاني خلال الفترة ما بين 2006 إلى 2011 محطةً فاصلةً في حياته؛ فخلال هذه السنوات الخمس، تعمّقت معارفه الدينية والسياسية من خلال اللقاءات والنقاشات مع معتقلين آخرين ينتمون إلى مجموعة متنوعة من القادة والمنظريين الجهاديين. وطَوَّرَ مهاراته القيادية والتنظيمية، واكتسب فهمًا أعمق لاستراتيجيات العمل السري والمقاومة.

تلك الخبرة الجهادية والعسكرية ستُصبح لاحقًا الأداة التي سيستخدمها لتحقيق طموحاته السياسية، لكن دون أن يظل أسيرًا لأيديولوجيته، ربما على الأقل ظاهريًا.

وفي مقابلةٍ مع شبكة CNN، صَرَّحَ الشرع بأنه لم يتوجه إلى العراق للانضمام إلى القاعدة، بل هَبَّ للدفاع عن العراقيين، وأنه في خضم انتشار الجماعات وَجَدَ نفسه في أحضان تنظيمٍ متشدد، نافيًا تورطه بأيَّ انتهاكاتٍ ضد مدنيين خلال نشاطاته في العراق.

من الجهادي إلى القائد البراغماتي

خَرَجَ الجولاني من السجن الأمريكي عام 2011 رَجُلًا مُختَلِفًا، أكثرَ نُضجًا وخِبرًة وطُموحًا، وتزامَنَت عودتُهُ إلى سوريا مع بداية الثورة السورية في مارس/آذار 2011؛ ممَّا وَفَّرَ له فرصةً مثاليةً لاختبار ما اكتسبه من خبرات في العراق والسجن على أرض الواقع.

في أغسطس/آب 2011، وبتوجيهٍ من أبي بكر البغدادي، أسَّس الجولاني جبهة النصرة لأهل الشام، التي أعلنت عن نفسها رسميًا في يناير/كانون الثاني 2012.

طَرَحَ التنظيمُ الجديدُ نفسَهُ كفرعٍ سوريٍّ لتنظيم القاعدة، لكن بأسلوبٍ أكثرَ براجماتيةً ومراعاةً للخصوصية السورية. وسريعًا نَجَحَ الجولاني في بناء تنظيمٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ قويٍّ بفضل التركيز على المعارك الحاسمة ضد النظام السوري، وتجنب الاشتباك مع الفصائل الأخرى في البداية، مستفيدًا من خبرته العسكرية والتنظيمية.

استمرت علاقته بالبغدادي حتى جاء أبريل/نيسان 2013، عندما أعلن البغدادي دمج جبهة النصرة في تنظيم داعش دون الرجوع إلى الجولاني، مما أثار أزمةً كبيرةً دفعت الأخير لإعلان البيعة المباشرة لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، ما أدى إلى انشقاقٍ دائمٍ مع داعش وصراعٍ مفتوحٍ بين التنظيمين.

الظهور التليفزيوني الوحيد للبغدادي أثناء إعلان دولته للخلافة في 2014- ويكيميديا

إلا أن التغيير  الأبرز كان في يوليو/تموز 2016، عندما أذاعت فضائية الجزيرة خِطابًا مُسجلًا للجولاني شكر فيه قيادة القاعدة على رأسهم أيمن الظواهري، لـ"موقفهم في تقديم مصلحة أهل الشام وجهادهم وثورتهم المباركة، وتقديرهم لمصالح الجهاد العامة، ولقد جسدوا بشكل عملي قول الشيخ أسامة، بأن مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الدولة المسلمة".

كان هذا الخطاب إعلان فك ارتباط "جبهة النصرة" بتنظيم القاعدة وتشكيل "جبهة فتح الشام"، ليُشرعن البراجماتية باسم التراث الجهادي نفسه، أو بعبارة أخرى كان يخرج عن تنظيم القاعدة، باستخدام مقولات من تراثها تسمح بالخروج منها دون خسارة المشروعية.

ستصبح هذه القدرة على إعادة توظيف الأيديولوجيا لخدمة المصلحة السياسية السمة المميزة لأسلوب الجولاني بعد ذلك، إذ عَزَّزَ هذا الموقفُ مكانته قائدًا مستقلًّا وذكيًّا، قادرًا على التنقل بين التحالفات المعقدة دون فقدان استقلاليته.

بناء نموذج الحكم: من إدلب إلى دمشق

في عام 2017، دَمَجَ الشرع فصيله العسكري بتنظيماتٍ أخرى ليعلن عن تأسيس "هيئة تحرير الشام"، التي سعت إلى تقديم نفسها قوةً محليةً مستقلةً ذات أجندٍة سوريٍة بَحتٍة، ليست جهاديًة عابرةً للحدود، بهدف إدارة المناطق السورية الخاضعة لسيطرتها.

لتحقيق ذلك، نجح الجولاني في إزاحة أكثرية الأصوات المتشددة التي عارضت التحول الأيديولوجي الظاهري للهيئة، وعمل على "سَوْرَنَة" التنظيم بما في ذلك تهميش العناصر الأجنبية والمتشددة.

أسس الجولاني حكومة الإنقاذ في إدلب ونَجَحَ في بناء مؤسساتٍ شبهِ حكوميةٍ

كانت هذه استراتيجيةً متعددة الطبقات؛ داخليًّا، عَزَّزَت سيطرة الجولاني عبر إزالة المنافسين المحتملين والأصوليين الأيديولوجيين الذين قد يتحدون تحولاته البراجماتية، وخارجيًّا، هَدَفَت إلى جعل الهيئة أكثرَ قبولًا لدى المجتمع السوري، والأهم من ذلك لدى القوى الإقليمية والدولية التي كانت حَذِرَةً من الجماعات الجهادية العابرة للحدود.

في مرحلة التحول من "التنظيم الجهادي" إلى  "البديل المحلي للنظام"، أسس حكومة الإنقاذ في إدلب، ونَجَحَ في بناء مؤسساتٍ شبهِ حكوميةٍ تُقَدِّم الخدمات الأساسية للسكان، من التعليم والصحة إلى القضاء والأمن، وطَوَّرَ  نموذجَ حُكٍم تكنوقراطي يتناقض مع الأحكام المتشددة التي تَرْتَبِطُ عادةً بالسلفية الجهادية.

تلك التجربة أكسبته خبرةً قَيِّمَةً في الإدارة والحكم، وَوَفَّرَت له شرعيةً شعبيةً نسبيةً في المناطق التي يسيطر عليها، خاصة مع نجاحه في تحويل العديد من خصومه السابقين إلى حلفاء.

الوصول إلى الحكم 

نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شَنَّ الشرع هجوم الأحد عشر يومًا ضد نظام الأسد، مُحَقِّقًا انتصاراتٍ ساحقةً. تهاوت المدن السورية سريعًا أمامه، ليدخل دمشق أخيرًا في 8 ديسمبر/كانون الأول.

لم يكن هذا النجاح العسكري السريع مجرد صدفة، بل نتيجةَ تخطيط استراتيجي طويل المدى، واستغلالٍ ذكيٍّ للظروف المحلية والإقليمية المواتية؛ فحزب الله تعرض لضربة موجعة من إسرائيل، وروسيا متورطة في أوكرانيا، والنفوذ الإيراني تراجع تحت الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، كلها عواملُ ساهمت في كشف ضعف النظام السوري وأدت لنجاح عملية هيئة تحرير الشام.

مع دخول الشرع وقواته إلى العاصمة وسيطرته عليها، بدأ تطبيق نموذج الحكم الذي طَوَّرَهُ في إدلب على نطاقٍ أوسع. وكان التحدي الأكبر أمامه كسب ثقة المجتمع السوري المتنوع، خاصةً الأقليات الدينية والعرقية التي تخشى حُكمًا إسلاميًّا متشددًا. لهذا الغرض، تَبَنَّى خطابًا تصالحيًا يؤكد على الوحدة الوطنية واحترام التنوع.

خارجيًا، تَبَنَّى الشرع في خطاباته لهجةً أكثر اعتدالًا، تدعو إلى التعايش وإقامة علاقاتٍ دبلوماسية مع دولٍ غربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، والتقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض في 14 مايو/أيار 2025، في أول اجتماع من نوعه منذ 25 عامًا؛ ووصفه ترامب بأنه "شابٌ جذابٌ وقوي"، هذا قبل أن يزور  الولايات المتحدة في 9 نوفمبر/تشرين الثاني، لتكون الزيارة الأولى لرئيس سوري منذ استقلالها عام 1946. 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلتقي الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بالمكتب البيضاوي، 10 نوفمبر 2025

أشار هذا التطور إلى تحولٍ دراماتيكيٍّ في مسيرة الشرع، من شخصيةٍ مُصَنَّفَةٍ إرهابيةً ومطلوبةٍ دوليًّا، إلى رئيسٍ مؤقتٍ لسوريا يحظى باعتراف الدولة التي وضعت عشرة ملايين دولار مكافأة لرأسه.

لم يكن هذا مجرد تغييرٍ في المسمى الوظيفي من جهادي إلى رئيس؛ بل عكس إعادة تقييمٍ جوهريةً لدوره وشرعيته من قِبَل المجتمع الدولي.

الواجهة والممارسة: التناقضات

على الرغم من الجهود التي يبذلها الشرع لتقديم صورته "المعتدلة" التي تضمن حماية الأقليات، فإن الممارسات على الأرض جاءت على العكس، بالأخص بعد المذابح التي ارتكبها أنصاره والمحسوبون عليه ضد الأقليات العلوية والدرزية، كما تشير تقارير إلى استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقالات ذات الدوافع الطائفية والتمييز ضد الأقليات.

يشير هذا التناقض إلى أن الخطاب العام هو "واجهة استراتيجية"، بينما تستمر الممارسات الاستبدادية والمدفوعة أيديولوجيًا؛ من التعذيب، إلى الاختفاء القسري، والقيود الدينية، واستهداف الأقليات.

ما يعني أن "الاعتدال" في المقام الأول للاستهلاك الخارجي، ولم يُترجم إلى تغييرات جوهرية في ممارسات الحكم على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالمعارضة وحقوق الأقليات، بل إن الهيئة حسب تقارير استولت على سجون الحكومة وأنشأت سجونًا إضافية، واستخدمتها للاعتقال بدوافع طائفية، والاختطاف، وطلب الفدية.

مقاول سلطة بارع 

"الهوية المُرَكَّبَة" جعلت الشرع مَرِنًا وقادرًا على القفز بين الأيديولوجيات دون التَّقَيُّد بأيٍّ منها. أو باستعارة تعريف علم الاجتماع السياسي مارس "التَّكَيُّفَ البراجماتي". استفاد الجولاني الذي أصبح الشرع من تيارين أساسيين وأضاف "مدرسةً ثالثةً" في خَطِّهِ؛ جاء من خلفية "الإخوان المسلمين"، رغم عدم انضمامه لهم، ثم استخدم مظلة "القاعدة" في التصدي لـ"دولة" داعش التي حاولت دمج التنظيمين في سوريا والعراق، ثم بَعْدَ ذلك فَكَّ ارتباطه بـ"القاعدة" وأطلق نموذجًا جديدًا مُقارِبًا لـ"داعش"، من حيث فكرة الدولة، يُرَكِّز على قضية الحُكم والمَأْسَسَة؛ بمعنى إدارة الدولة وليس قضية الصدام مع أمريكا وإسرائيل.

تاريخ الشرع في حقيقته يشير إلى أنه مُعتَنِقٌ لـ"الداروينية السياسية"

اتَّسَمَت مسيرة الشرع رئيسًا ببراجماتيةٍ شديدةٍ، وشَرَعَ في تغيير قناعاته بسرعةٍ فائقةٍ وبصورةٍ متكررةٍ كلما اقتضت مصلحته ذلك. إذ تَمَكَّنَ من فرض سيطرته على مناطقَ كثيرةٍ في إدلب، وكان شُغلُهُ الشاغل في الفترة الأخيرة محاربةَ أيِّ عناصرَ "داعشية" أو تابعة لـ"القاعدة". كما عَمِلَ منذ قدومه إلى سوريا على عدم الوقوع في عزلةٍ عسكرية، وَوَطَّدَ علاقاته مع فصائلَ من "الجيش الحر" وفصائلَ إسلاميةٍ أخرى. 

تاريخ الشرع في حقيقته يشير إلى أنه مُعتَنِقٌ لـ"الداروينية السياسية"؛ إذ لا يتردد في التخلص من الحلفاء ("داعش"، "القاعدة"، الفصائل التركية.. إلخ) لصالح البقاء. فهو ليس جهاديًا، ولا علمانيًا، ولا قوميًا يساريًا، ولا داعشيًا، بل يرتدي الأيديولوجيا عندما تقتضي الحاجة؛ ليضمن البقاء في سدة السلطة المطلقة، أو يمكن وصفه بأنه  "مُقاوِلُ سلطةٍ" بارع، يستخدم كل طبقة من طبقات هويته المركبة حسب الحاجة والسياق.

الديكتاتور التحديثي

في الوقت الراهن، ولتحقيق القبول العالمي وتقديم نفسه برداءٍ جديد، يسعى الشرع لاستنساخ نموذج حكم "الديكتاتور التحديثي"، يجمع بين الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي خارجيًا، مع انغلاقٍ سياسيٍّ وقمعٍ في الداخل، مجرد "كولاج" سياسي؛ بذلة غربية حداثية، وقبضة أمنية ستالينية، مع خطاب ديني تراثي مُخفف، وهو النموذج الذي كان سائدًا في جمهوريات آسيا الوسطى ما بعد الاتحاد السوفيتي. 

عليه لن تكون سوريا ديمقراطيةً في ظل الشرع، بل ستكون دولةً بوليسيةً جديدةً بنكهةٍ دينيةٍ مُخَفَّفَة وعلاقاتٍ دوليةٍ براجماتية؛ حيث يَحِلُّ "الأمن" محل "الحرية"، و"الرئيس القوي" محل "المؤسسات"، هذا هو النموذج الذي تُنبئ به خلفيات الشرع المتشابكة وتجربته في الحكم حتى الآن.