تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
انتخابات مجلس النواب

يوميات صحفية برلمانية| نهاية دراما المال والخيانة وبداية فصل شائك

منشور الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير 2026

انتهى مسلسل الانتخابات البرلمانية التي شهدت طوال أكثر من ثلاثة أشهر تصاعدًا دراميًا، بين الشك والتزوير والنفوذ والمال وانتهاءً بالخيانة، لنستعد لعرض مسلسل جديد بدأت أول حلقاته أمس، مع انعقاد المجلس الجديد وحلف النواب الجدد اليمين الدستورية.

أمس الاثنين، بدأ عمل مجلس لا يملك فيه حزب الأغلبية المطلقة وإن ضمنتها أحزاب الموالاة مجتمعة. لكنَّ اللافت كان عددَ المستقلين البالغ 110 أعضاء بعد إضافة المعينين؛ وهو عدد لم يحققه أيٌّ من أحزاب الموالاة الأربعة عدا مستقبل وطن.

وبلغ عدد نواب حزب مستقبل وطن 231 نائبًا، بينما وصل عدد النواب المنتمين إلى حزب حماة الوطن 91 عضوًا، فيما بلغ نواب حزب الجبهة الوطنية 70 نائبًا، أما حزب الشعب الجمهوري فحصل على 24 مقعدًا. 

القفلة الدرامية

توجت دائرة بولاق الدكرور نهاية مسلسل الانتخابات بقفلة درامية مكتملة الأركان، تحول فيها حلفاء الأمس لخصوم، إذ اجتمع رفاق حزب مستقبل وطن المتفرفين على قلب رجل واحد حتى انتزع مرشح الحزب حسام المندوه المقعد من منافسه مرشح حماة الوطن عربي زيادة.

وتمثل هذه الدائرة نموذجًا للدراما الانتخابية المثيرة، بدأت في جولتها الأولى بتحالف ثلاثي بين المندوه ومحمود توشكى عن مستقبل وطن ومعهما العربي زيادة عن حماة الوطن، وانتهت باتهامات بالخيانة.

سارت الجولة الأولى في هذه الدائرة كما خطط لها مهندس الانتخابات، لنشهد في البداية جولة إعادة بين الثلاثي وثلاثة مرشحين آخرين، المستقل حاليًا مستقبل وطن سابقًا محمد إسماعيل، العدل حاليًا مستقبل وطن سابقًا علي خالد، والمستقل حاليًا مستقبل وطن سابقًا محمد الحسيني. 

لكنَّ هذا التحالف تفكك بعد حكم المحكمة الإدارية العليا بإعادة الانتخابات في بولاق الدكرور ضمن 29 دائرة أخرى، وتبدلت خريطة النتائج تمامًا، فاستطاع خالد وإسماعيل انتزاع المقعدين من الجولة الأولى بعد الإعادة، وخاض المندوه الإعادة ضد حليفه السابق.

تعكس هذه الدائرة ما تغير في المشهد الانتخابي بعد فيتو الرئيس وإبطال الانتخابات في عدد من الدوائر، فبعدما كانت قواعد الهندسة مرتبة بين أحزاب المولاة مستقبل وطن وحماة الوطن على المقاعد الفردي، أصبحت الأمور خارج السيطرة، وتحرك وكل مرشح بذراعه في انتخابات كالحرب مباح فيها كل الأسلحة بما فيها الخيانة. 

لم تكن بولاق الدكرور سوى نموذجًا واضحًا، بينما سبق ورصدنا واقعة مشابهة في دائرة الجيزة أدت لانسحاب مرشح حزب الجبهة الوطنية اللواء كمال الدالي بعد دخوله الإعادة مع المرشح المستقل هشام بدوي، وأكدت حينها مصادر لـ المنصة تخلي الحليف الرئيسي للدالي، محمد أبو العينين، عن زميله في الحزب آنذاك.

واجه توشكى المندوه بخيانته وأكد وجود اتفاق بينه وبين إسماعيل وخالد، وعدم التزامه بالتحالف الثلاثي، لكن المندوه تجاهل الاتهام وانخرط في خطاباته في الدعاية السلبية ضد منافسه الذي هبط بالبراشوت من الصف مرشحًا في بولاق الدكرور، وبدأ يستند في خطابه إلى العائلات في بولاق الدكرور، وظهر التحالف الذي كان سريًا في الجولة الأولى إلى العلن، بحضور إسماعيل وخالد مؤتمرًا لدعم ابن البلد كما أسمته حملته.   

غير أن المفارقة جاءت في السقطة التي وقع فيها العربي زيادة وهو يلقي خطابه قبل الصمت الانتخابي، أمام أهالي بولاق الدكرور، متحدثًا عن دائرة الصف بدلًا من بولاق الدكرور، وقال لأمين عام الحزب نافع عبد الهادي الذي حضر المؤتمر "أخويا الكبير اللي جابني البلد دي، الله يسامحك".

انتهى المسلسل بفوز المندوه بعد تسريب مقطع صوتي له يوجه فيه تعليمات لحملته لتهديد من لن ينتخب رقم 1 بالحبس سنة، وهو التسريب الذي تلقفه زيادة وناشد الرئيس بالتدخل لحماية نزاهة العملية الانتخابية.

من هم المستقلون؟

يدور هذا التساؤل في أذهان المتابعين للعملية الانتخابية وتشكيل المجلس الجديد؛ هل هم مستقلون؟ هل يميلون إلى المعارضة؟ أم أنهم في الأصل من أحزاب الموالاة ومستقبل وطن؟ 

لكن رصد وتحليل عدد المستقلين الذي بلغ أكثر من مائة عضو يكشف حجم التباين في ميولهم واتجاهاتهم وخلفياتهم.

لا يخفى علينا وجود عدد من النواب المستقلين حاليًا ولكنهم "إكس مستقبل وطن"، منهم محمد علي عبد الحميد في دائرة العمرانية والطالبية، ومحمد إسماعيل في دائرة بولاق الدكرور، ومروة هاشم في الزقازيق، وفتحي قنديل في نجع حمادي، كما يوجد من بين المستقلين ضباط شرطة سابقين.

قد يتحرر هؤلاء من بعض القيود التي فرضها عليهم مستقبل وطن في الفصل التشريعي السابق. صحيحٌ أنها لن تكون تحولات جذرية تنتهي برفض الموازنة أو البيان الحكومي مثلًا، لكن قد تتمكن المعارضة التي زادت مقاعدها الحزبية من الوصول لتوافق وتفاهمات معهم في بعض القضايا التي لا تشكل صدامًا كبيرًا. 

من أمثلة هذا التحرر، ما ذكره النائب فتحى قنديل عن دائرة نجع حمادي، في حوار مع الشروق، عن القيود التي فرضها الحزب على نوابه، فيما يتعلق بتفعيل بعض الأدوات الرقابية أو إعلان المواقف الخاصة بقانون الإيجار القديم، ويبدو أن هذا النوع من النواب الذين انتزعوا مقاعدهم مستقلين لن يتماهوا تمامًا مع الموالاة وتوجيهاتها.

ولدينا في الحياة البرلمانية المصرية قبل ثورة 25 يناير تاريخ سيئ من المستقلين الذين ترشحوا كمستقلين ثم انضموا للحزب الوطني بعد فوزهم.

لكن هذه المرة لن يكون الانضمام للهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن ممكنًا، إذ يحظر القانون تغيير الصفة الحزبية بعد الانتخاب.

ولا شك أن هذا العدد من المستقلين قد يدفع أحزاب الموالاة لتشكيل ائتلاف جديد على غرار ائتلاف دعم مصر الذي تشكل في 2016 لضمان استيعاب أكبر عدد من المستقلين ضمن حاضنة هذه الأحزاب.

فيما تسعى المعارضة الآن، وفق مصادر برلمانية مختلفة من بينهم نواب في أحزاب العدل والمصري الديمقراطي ونواب مستقلين محسوبين على المعارضة، لتشكيل ائتلاف يضم مستقلين من الذين يميلون إلى المعارضة، بينما يبقى آخرون في مساحة أخرى غير راغبين في الاصطفاف تجاه أي مجموعة ومنهم النائب عن المنصورة رضا عبد السلام. 

النساء تتراجع

من بين الملاحظ في الانتخابات الأخيرة استمرار تراجع عدد النساء في المجلس رغم الكوتا المفروضة على مقاعد القوائم. لكن المعركة الحقيقية على المقاعد الفردية قلصت تمثيل النساء إلى أربعة مقاعد فقط نزولًا من ستة في البرلمان السابق، و19 في الأسبق عليه.

يعكس هذا الانحسار المتتالي فشل البيئة الانتخابية في إتاحة فرص عادلة للنساء خارج القوائم المغلقة، ويؤكد أن تمثيل المرأة ما زال رهنًا بالترتيبات المسبقة، لا بالمنافسة الحرة أو التمكين السياسي الحقيقي.

وما حدث مع ثلاثة من النائبات الفردي في محافظة الشرقية كان كاشفًا، مع وجود تغيير واضح في نتائج الفرز المعلنة في اللجان العامة ومقارنتها باللجان الفرعية. ولولا تدخل الهيئة الوطنية للانتخابات وإنصاف النائبات الثلاث إيمان خضر ومروة هاشم وسحر عتمان، كان المشهد سيقتصر على نائبة واحدة في المقاعد الفردية.

ماذا بعد الانتخابات؟

يبدأ الفصل التشريعي الجديد بحالة ترقب سواء من النواب أنفسهم أو المتابعين، يقول نائب من حزب مستقبل وطن في حديث جانبي على هامش استخراج كارنيه العضوية "اللي جاي مش شبه اللي فات، هيبقى فيه حركة وفي مشهد مختلف". 

يتوقع النائب كغيره أن هذه الانتخابات التي أدت لبعض الحراك وتغيير الحسابات، ستؤدي لتفاعلات مختلفة بين النواب والحكومة تقل فيها حالة التماهي التام بين السلطة التشريعية والتنفيذية.

يبدو أن هذه الحالة بدأت من مجلس الشيوخ خلال مناقشة مشروع تعديلات الحكومة على قانون الضريبة العقارية، التي جعلت رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة يرفض مقترح الحكومة ويدافع عن الطبقة الوسطى التي تتآكل. 

في الوقت نفسه، تدور في أروقة البرلمان وحزب مستقبل وطن تكهنات بتغييرات هيكلية في الحزب وقيادته بعد هذه الانتخابات التي خسر فيها عددًا من المقاعد بعد فيتو الرئيس، وتعرض نوابه لانتقادات كبيرة رغم حفاظه على الأكثرية حتى الآن.

مع انتهاء مسلسل الانتخابات، لا يزال المشهد السياسي محملًا بالدراما والمفاجآت، لكن هذه ستُكتب فصولها لاحقًا من داخل البرلمان نفسه، لنتابع الركلة الأولى لهذا المجلس الجديد لأين تتجه، ونتابع معًا مسار المباراة التي ستبدأ تحت القبة الجديدة في العاصمة الإدارية.