يوميات صحفية برلمانية| قانون الكهرباء.. شد وجذب وظلام على الطريق
في اجتماع مسائي بمقر مجلس النواب في العاصمة الإدارية الجديدة، عقدتْ لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بتشكيلها الجديد جلسةً لمناقشة التعديلات التي قدمتها الحكومة على قانون الكهرباء وتضمنت تغليظ عقوبات سرقة التيار، وتنظيم التصالح فيها.
بدا واضحًا أن إدراج تلك التعديلات على رأس عمل اللجنة لم يكن خيارها بقدر ما جاء وفق ترتيب أولويات الحكومة، التي سبق أن دفعت بهذه التعديلات إلى مجلس الشيوخ ليستهل أعماله البرلمانية بما أثارته من جدلٍ خلال المناقشات، وهو ما يبدو أنه سيتكرر في مجلس النواب.
تصل الغرامة المحكوم بها في قضايا الاستيلاء على التيار الكهربائي وفق التعديلات الجديدة إلى مليون جنيه، بعدما كان حدها الأقصى 100 ألف جنيه في آخر تعديل أُدخل على القانون قبل 5 سنوات، ويتضاعف أيضًا الحد الأدنى لعقوبة الحبس من ستة أشهر كحدٍّ أقصى، إلى ما لا يقل عن سنة.
تمنحنا كواليس اجتماع اللجنة فرصةً لاكتشاف طريقة عملها وتعاطيها مع المقترحات الحكومية، ما يقدم قراءةً مصغرةً للمشهد داخل مجلس النواب الذي يفتقد لوجود أغلبية برلمانية تزيد نسبتها عن 50% ، وتشغل فيه المعارضة مساحة أكبر من المقاعد التي سبق وشغلتها في الفصل التشريعي السابق، بخلاف المستقلين الذين تتجاوز أعدادهم مائة عضو تحت القبة. وهو ما بدا واضحًا في تقسيم التصويت على مشروع التعديلات بموافقة 12 عضوًا من أعضاء اللجنة، ورفض 9 أعضاء من بينهم مستقلون وممثلون عن الموالاة.
إدارة هادئة ووزيران سابقان على المنصة
اتسمت إدارة رئيس اللجنة المستشار محمد عيد محجوب بهدوء يتناسب مع خلفيته القضائية التي أبعدته عن الصخب والخلافات التي ترافق العمل السياسي وتفرضها أجواء النقاشات البرلمانية. فقد كان البرلماني الذي حصل على مقعده في مجلس النواب بصفته مرشحًا مستقلًا على القائمة الوطنية من أجل مصر، رئيسًا لمحكمة النقض ورئيسًا لمجلس القضاء الأعلى، منذ عام 2022.
بدأ الاجتماع في وجود وزيرين سابقين على منصة اللجنة، فوزير الشؤون النيابية السابق، النائب الحالي، علاء فؤاد، يشغل منصب وكيل أول لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، بعد حصوله على مقعده ممثلًا لحزب الجبهة الوطنية في القائمة الوطنية من أجل مصر .
أما وزير البترول السابق، والنائب الحالي طارق الملا، فيرأس لجنة الطاقة والبيئة بعد انتخابه من خلال القائمة الوطنية من أجل مصر ممثلًا لحزب مستقبل وطن.
خلال المناقشات قدم محجوب المُلّا ووصفه بالوزير، ليقاطعه النائب ضياء الدين داود، منبهًا لأن صفة الوزير كانت أثناء توليه منصبه الحكومي، وقال "الآن هو يراقب أداء الحكومة، من باب اللياقة البرلمانية أن نتحدث عن من شغلوا مناصب حكومية سابقة بصفتهم نوابًا فقط".
الملا هو بطل واقعة "يا بشمهندس طارق زود البنزين ما تقلقش" حين طالبه الرئيس السيسي ساخرًا بأحد مؤتمرات الشباب برفع أسعار البنزين دون قلق من ردود الفعل، بعد انتشار تحدي رقصة كي كي.
دوافع التعديلات
استعرض محجوب بنفسه هدف الحكومة الأساسي من التعديلات، وحصره في تغليظ عقوبة الاستيلاء على التيار الكهربائي وفتح الباب للتصالح في الجريمة، ثم دعا النواب للمناقشة من حيث المبدأ، فتدخل النائب ضياء الدين داود مرة أخرى منبهًا إلى ضرورة أن تعرض الحكومة الفلسفة العامة لمشروع القانون والهدف منه قبل شروع النواب في مناقشته.
بالفعل، منح محجوب الكلمة لأمجد سعيد، المستشار القانوني لوزير الطاقة والكهرباء، الذي حضر الاجتماع ممثلًا عن الحكومة، ليوضح أن الحكومة وضعت في عام 2015 نصًا في قانون الكهرباء يُعاقب على سرقة التيار الكهربائي كجريمة مستقلة، ثم قدمت في عام 2020 تعديلًا لمجلس النواب لتغليظ العقوبة وهو ما وافق عليه المجلس وقتها. والآن، تعود الحكومة مرة أخرى لتطالب بتغليظ العقوبة، مع فتح الباب للتصالح في تلك الجريمة.
إلى جانب تغليظ العقوبات، تفتح التعديلات الجديدة التي وافق عليها مجلس الشيوخ الباب أمام التصالح في قضايا سرقة التيار الكهربائي بنصها على إلزام المخالف بسداد مثلي قيمة استهلاك التيار المستولى عليه حال سداد قيمة التصالح قبل رفع الدعوى الجنائية، وترفع القيمة ثلاثة أمثال قيمة الاستهلاك إذا تم السداد بعد رفع الدعوى وقبل صدور حكم بات، فيما تصل إلى أربعة أمثال قيمة الاستهلاك إذا جاء السداد بعد صدور الحكم النهائي البات.
موافقون
جاءت أولى الموافقات على مشروع القانون من النائب صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري، الذي عينه الرئيس السيسي ضمن 28 نائبًا آخرين بمجلس النواب.
برر فوزي موافقته بانتشار جرائم الاستيلاء على التيار الكهربائي، وقال "أضحى التشديد أمرًا لازمًا لمواجهة هذه الظاهرة"، كما اعتبر أن تخصيص مادة صريحة للتصالح بديلًا عن العقوبات السالبة للحرية سبب إضافي للموافقة، وقال إن معظم تشريعات العالم تتجه من التجريم إلى التصالح أو التسويات.
واتجه أيضًا للموافقة أيضًا من حيث المبدأ كل من النائبة عن حزب مستقبل وطن شادية خضير، والنائب عن حزب حماة الوطن مصطفى دقدق، والنائب عن حزب النور محمود رشاد حبيب، والنائبة المعينة ماريان قلدس.
مساواة العشة بالقصر
على الجانب الآخر، كان ضياء الدين داود أول الرافضين للتعديلات، منتقدًا المبررات التي ساقتها الحكومة كونها لم توضح الأثر التشريعي الذي حققه القانون الحالي، الذي سبق أن غلَّظ العقوبة.
مباحث دمياط حررت محضر سرقة تيار ضد مركز أشعة بمليون و800 ألف جنيه رغم إثبات عدم التلاعب
هاجم داود الحكومة وتبريرها أنها قدمت مشروع القانون "علشان نجيب حق المصريين من الناس التي تسرق، طب ما الشعب بيقول الحكومة سرقاني في فواتير الكهربا"، منتقدًا أداء مباحث الكهرباء ومأموري الضبط في محاضر سرقة الكهرباء "تنزل وتضبط وتعمل محضر وبعدين الناس تروح لمادة التصالح"، مستنكرًا "أتصالح على إيه؟".
واستشهد بواقعة في دائرته "أحد أكبر مراكز الأشعة في محافظة مثل دمياط معمول له محضر سرقة كهرباء بأكثر من مليون و800 ألف جنيه"، لافتًا إلى أن فحص العداد أثبت عدم العبث به، ومع ذلك "قالوا فيه تلاعب"، ومع الاستعانة بأساتذة واستشاريين ثبت أن معدل الاستهلاك يوازي قيمة ما يدفعه، متسائلًا "الراجل ده يروح لمين؟".
وأكمل "عندما نجري تعديل ونقول إننا نحافظ على الكهرباء التي دفع المصريون ثمنها لأنهم تحملوا تبعات الاقتراض لبناء محطات سيمنز وغيرها، لا بد أن نناقش السياسة المرتبطة بضبط النصوص فهي مسألة سياسية وليست فنية فقط، لا بد أن نعرف الأثر التشريعي من 2020 و2015".
بدوره رفض النائب مصطفى بكري، العضو المستقل على القائمة الوطنية، مشروع القانون من حيث المبدأ، موضحًا أن العقوبة "تجعل المواطن الساكن في عشة مثل المواطن اللي ساكن في كُمباوند أو صاحب مصنع"، وقال محذرًا "بالطريقة دي نحبس نص مصر".
شد وجذب
لا تخلو المناقشات في مشروعات القوانين الجدلية من شد وجذب بين النائب عن حزب التجمع عاطف مغاوري، ووزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي المستشار محمود فوزي، فالمناكفة مستمرة وردود الوزير حاضرة على غرار ما شهدته مناقشات قانون الإيجار القديم مثلًا.
البدء بتغليظ العقوبات فأل غير حسن
في هذه المرة، استنكر مغاوري في مداخلته وضع هذا المشروع في بداية أعمال اللجنة، وقال "فأل غير حسن أن نبدأ بتغليظ العقوبات"، واتهم الحكومة بأن لديها "رغبةً انتقاميةً" فيما تقدمه من مشروعات قوانين على شاكلة هذه التعديلات.
"الرئيس قال عندما كان وزير الدفاع إن شعب مصر لم يجد من يرفق به ويحنو عليه"؛ واصل مغاوري حديثه مطالبًا بضرورة معالجة المشكلات الكثيرة المتكررة بين المواطنين وشركة الكهرباء التي اعتبرها "شركة احتكارية تقوم على تقديم الخدمة للمواطنين دون منافس، وتفرض أسعارها وشروطها"، ولفت إلى تكرار زيادة تكلفة شرائح استهلاك الكهرباء تحت دعوى تقليل الدعم خلال السنوات الأخيرة، وقال "يا حكومة قبل ما تفتشي في جيب المواطن فتشي في جيبك سبع مرات".
تصدى فوزي للرد على مغاوري، مستنكرًا "مش عارف يعني إيه تحنو على حد بيسرق؟"، مبديًا رفضه اتهام مغاوري للحكومة بفرض عقوبات انتقامية وقال "العقوبات الانتقامية غير دستورية"، وتهدد شرعية القانون.
مفاجآت الرفض
مع استمرار الجدل، جاء صوت وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية طاهر الخولي مفاجئًا بإعلان رفضه مشروع القانون من حيث المبدأ.
الخولي الذي ترشح مستقلًا في دائرة مصر القديمة والمنيل، وأفسحت له أحزاب الموالاة الطريق بعدم ترشيح ممثلين لها على المقعد، تساءل عن أثر القانون الموجود منذ 2015، وتعديله في 2020 "هل أدى لردع عام أو خاص؟"، مستنكرًا "الحكومة جايه بعد 5 سنوات تتقدم بتغليظ العقوبة مرة أخرى".
ربط وكيل اللجنة مشكلات قانون التصالح في مخالفات البناء، وتعثر تطبيقه، بعدم قدرة قطاعات من المواطنين على توصيل الكهرباء بالطرق الشرعية، مما قد يؤدي إلى وقوعهم تحت طائلة هذا المشروع وعقوباته المغلظة، واعتبر أن "الأولى بالتعديل العقاب على الهدم وإتلاف المنشآت ومحطات الكهرباء التي عقوبتها 3 سنين، مش أمسك في الناس اللي مش قادرة تدخل الكهرباء".
المفاجأة الثانية جاءت من موقف النائب عن حزب حماة الوطن عمرو علي الذي رفض المشروع، وبنى رفضه على الأسباب التي تدفع المواطنين لتوصيل الكهرباء بطرق غير رسمية، منها صعوبة التصالح في مخالفات البناء.
وانضم لفريق الرافضين النائب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بسام الصواف، والنائب المستقل من سوهاج دياب محجوب الذي قال إن "المشروع ساوى بين الرجل البسيط الذي يضطر لتوصيل الكهرباء بطرق مخالفة، والأغنياء"، بخلاف النائب عن حزب العدل حسين هريدي الذي عزا رفضه أيضًا إلى مشكلات التصالح في مخالفات البناء.
انتهى الاجتماع برفض تسعة نواب لمشروع القانون من حيث المبدأ في مقابل 12 نائبًا وافقوا عليه. وأمام عدم وضوح نسب فقد التيار الكهربائي الناتج عن السرقات، قرر رئيس اللجنة إرجاء مناقشة المواد لاجتماع جديد يحضره وزير الكهرباء بنفسه.
مع غروب شمس الأحد بعد مناقشات وجدل بشأن تغليظ سرقة الكهرباء، شرعتُ وزملائي الصحفيون في العودة من العاصمة الإدارية الجديدة إلى القاهرة عبر طريق العين السخنة المظلم وسط غياب تام لأعمدة الإنارة. تنفست الصعداء مع وصولي للطريق الدائري، الذي كنا نشكو ضعف إنارته قبل أن نضطر للسير ليلًا في طرق أخرى مظلمة تمامًا.
