مجلس النواب
فرز أصوات انتخاب رئيس مجلس النواب ووكيليه، 12 يناير 2026

يوميات صحفية برلمانية| بداية جديدة بعواصف ترابية وسياسية

منشور الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير 2026

بدا يوم أمس الاثنين هادئًا مشمسًا دافئًا قبل أن نصل لمقر مجلس النواب في العاشرة والنصف صباحًا. لكنك عندما تدخل المبنى تنعزل عما يجري خارجه لا يمكنك الشعور بتغييرات الطقس والعواصف التي تجري خارجه.

مصادفةً، افتتح الفصل التشريعي الثالث أعماله في يومٍ حجبت عواصفه الرملية شمس القاهرة، مثلما كانت عواصف ورياح السياسة داخل مبنى النواب بالعاصمة الإدارية الجديدة، لم يشعر بها الشارع لكنها كانت حاضرة في الكواليس، كانت تتحرك بهدوء وتركت أثرها في قرارات المجلس وانعكست على المشهد البرلماني.

ودعا رئيس الجمهورية المجلس يوم الأحد إلى الانعقاد يوم الاثنين، في الوقت الذي كانت فيه بعض الأحزاب تستعد لمشاورات واختيارات وترتيبات هيئة مكتب المجلس (الرئيس والوكيلين)، وهيئات مكاتب اللجان النوعية. ما أدى لبعض التغييرات وقرارات اللحظات الأخيرة التي انعكست على الجلسة الإجرائية للمجلس.

ما قبل العاصفة

تزامن قرار الرئيس بتعيين 28 عضوًا، ثم قراره دعوة المجلس الجديد للانعقاد، مع اجتماع مغلق للهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، وآخر للهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، دُعي الصحفيون إليه، ووعد فيه أمين عام الحزب أحمد عبد الجواد خلال كلمته التي بُثّت على السوشيال ميديا بأداء "أكثر تميّزًا". 

وقال عبد الجواد في كلمته إن "الأدوات الرقابية يجب أن تتم من خلال الهيئة البرلمانية للحزب سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، حتى تكون هناك دراسة جيدة، ولضمان أداء برلماني أكثر تميزًا".

وأضاف "نعلم أن الجميع ينظر إلى مجلس النواب الحالي نظرة مختلفة، ونعلم أن الشعب المصري ينتظر أداء السادة النواب باختلاف انتماءاتهم داخل قبة البرلمان وعلشان كده نتعهد أن فيه أداء برلماني أكثر تميزًا من الأداء البرلماني في الفصول التشريعية السابقة".

رياح سياسية

وحسب مصدرين مختلفين في حزب مستقبل وطن والجبهة الوطنية، حُسم قرار اختيار المستشار هشام بدوي، رئيسًا للمجلس بعد صدور قرار رئيس الجمهورية بتعيينه في المجلس، فيما لم يصل أي توجيه بخصوص الوكيلين حتى ليلة انعقاد المجلس.

ووصلت توجيهات أحزاب الموالاة لنوابها قبل نحو ساعة أو أقل قليلًا من بدء الجلسة العامة، باختيار عاصم الجزار وكيلًا أول ومحمد الوحش، النائب عن حزب مستقبل وطن، وكيلًا ثانيًا، بحسب عدة مصادر برلمانية بحزبي الجبهة ومستقبل وطن.

جاءت التوجيهات بعد عاصفة في الحزبين، فالجزار الذي كان وزيرًا للإسكان ويرأس حزب الجبهة لن تناسبه رئاسة لجنة فرعية كالإسكان، خاصة وأنه قبل الترشح كان متوقعًا أن يلعب دورًا أكبر في المجلس، وبالتالي جرى الاتفاق أن ينتخب وكيلًا، لكن هذا جاء على حساب وكيل المجلس السابق محمد أبو العنين، فلن يكون الوكيلان من الحزب نفسه.

لكن استبعاد نائب بحجم أبو العينين ليس بالسهل ولا بد أن يكون له ثمن، تمثّل في إبعاد المستشار أحمد سعد الدين، وكيل أول المجلس في الدورة السابقة، رغم أن حزبه مستقبل وطن كان يرغب في ترشيحه مجددًا. 

رغم حسم مقعدي الوكالة، لم تهدأ العواصف، فمجلس يوجد به عشر وزراء سابقين، ورئيس سابق لمحكمة النقض، ووكيل سابق لمجلس النواب، ورؤساء لجان سابقين، تدور بداخله خلافات حزبية كبيرة حول تقسيم كعكة اللجان النوعية التي من المفترض أن تُحسم الأربعاء المقبل.

أعمار يا جماعة

تعلْم عزيزي القارئ متابع هذه اليوميات أن الصحفيين لا يتابعون الجلسات من شرفة في القاعة نفسها مثلما كان يحدث في أزمنة سابقة. ورغم انتقال البرلمان من مقره التاريخي في وسط القاهرة إلى مقره الجديد الشاسع الفسيح في العاصمة الإدارية، لم تُخصص شرفة للصحافة وما زلنا نتابع الجلسات في مركز صحفي مرتبط بدائرة تليفزيونية تبث لنا الجلسة عبر شاشة عملاقة. 

يقلص هذا الأمر قدرتنا على قراءة المشهد من خلال القاعة، لكن رغم ذلك ساعدت الشاشة في نقل الكثير من التفاصيل، بعيدًا عن تعليقات السوشيال ميديا عن بعض النائبات الجميلات، وتسريحات الشعر وتجميل الأظافر، واحتفاء لم يكن في محله، بوجود ثلاثة نساء على المنصة لقيادة الجلسة الإجرائية.

فما بدا أنه مشهد نسوي على المنصة بقيادة النائبة عبلة الهواري، أكبر أعضاء المجلس سنًا، ومعاونة النائبتين سجى هندي، ابنة النائب السابق عمرو هندي، وسامية الحديدي، أصغر الأعضاء سنًا، لم يأتِ انتصارًا للمرأة ومكانتها، ولكن تنفيذًا للائحة المجلس الداخلية التي تنص على أن يتولى أكبر الأعضاء سنًا رئاسة انتخاب رئيس المجلس الجديد ويعاونه في إدارتها أصغرهم سنًا.

وبالتالي وقفت وراء المشهد غير المسبوق الصدفة وحدها التي جعلت ثلاث نساء تعتلي المنصة أمس، إنها أعمار وليست مكانة المرأة. 

بدوي رئيسًا

لم يخلُ أداء اليمين الدستورية في الجلسة من بعض الأخطاء التي وقع فيها النواب، لكن هذه المرة تم التغاضي عن معظمها ولم يتم يُطلب من النواب إعادتها على النحو الذي شهده مجلس الشيوخ خلال جلسته الأولى، التي أثارت موجة سخرية واسعة على السوشيال ميديا.

وبدا لافتًا كما شاهدنا أداءً صوتيًا ومرئيًا استعراضيًا من بعض النواب والنائبات، سواء بحركات اليد أو بحدة الصوت أو بتقمص أداء مذيعات الإذاعات الداخلية في محطات المترو والمطارات.

ثم جاءت لحظة انتخاب رئيس المجلس، فوقف المستشار هشام بدوي يعرف نفسه بكلمة مقتضبة، موضحًا مساره المهني وتخرجه في كلية الحقوق وتدرجه في المناصب القضائية المختلفة، حتى وصل لمنصب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات,

ودعا بدوي الذي سبق وشغل منصب المحامي العام لنيابات أمن الدولة العليا، النواب لانتخابه رئيسًا للعمل على تعزيز دور المجلس التشريعي. 

لم تكن هذه المرة الأولى التي يدخل فيها بدوي قاعة مجلس النواب، إذ حضر لذات القاعة في العاصمة الإدارية في إحدى جلسات المجلس عام 2024 أثناء مناقشة الحساب الختامي للموازنة، بعد انتقادات النواب لغيابه وعدم حضوره والاكتفاء بإيفاد نوابه.

تولى بدوي منصب رئيس الجهاز خلفًا لهشام جنينة بعد عزله في مارس 2016. وفي جلسة التصويت على القرار الرئاسي بتعينه، وافق 329 نائبًا، ورفض 9 نواب، وامتنع 8 آخرون.

ولم يحظَ بدوي بمقعده رئيسًا لمجلس النواب بالتزكية كما حدث مع رئيس مجلس الشيوخ، المستشار عصام الدين فريد، إذ قرر تحالف الطريق الديمقراطي الذي يضم أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والعدل والإصلاح والتنمية ترشيح النائب محمود سامي الإمام نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي. 

وأعلنت هذه الأحزاب تأسيس تحالف الطريق الديمقراطي، مؤكدةً تمسكها بمسار المشاركة السياسية والحوار رغم إدانتها لما وصفته بـ"تراجع السلطات" عنه، متعهدًا بمقاومة هذه "الردة".

ويعد الإمام العضو السابق بمجلس الشيوخ وجهًا جديدًا في مجلس النواب، ورغم أنه نائبٌ لرئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، لكنه ليس وجهًا سياسيًا أو برلمانيًا معروفًا للجميع.

ووقف الإمام يعرف نفسه مستعرضًا مساره المهني بعد تخرجه في كلية التجارة وعمله في شركات قطاع خاص منها شركات دولية، مبررًا ترشحه بأن "كل العيون تتجه لهذه القاعة، ماذا سنفعل؟ ماذا سنصوت في دولة نحاول أن نجعلها دولة ديمقراطية حديثة؟". 

وأضاف "لا يجب أن يكون أي منصب بالتزكية"، مشددًا على ضرورة تفعيل دور المجلس وأدواته الرقابية خاصة "الاستجواب وسحب الثقة، ومنح المواطنين حقوقهم في إذاعة جلسات هذا المجلس حتى يروا من يمثلونهم في هذا المجلس ويحكموا عليهم". 

وفي تلك الأثناء، بدت إجراءات التصويت بدائية دار خلالها موظفو الأمانة العامة لمجلس النواب في القاعة بصناديق شفافة لجمع أوراق التصويت من النواب، في مشهد يجسّد المفارقة بين حداثة المبنى وتقليدية الإجراءات، ويبدو أن فكرة التصويت الإلكتروني لم تطرق أبواب المسؤولين عن المبنى بعد، أو أنه غير مرغوب فيه، ليستمر التصويت بذات الأساليب القديمة في عصر الجمهورية الجديدة.

دلالة الأصوات

فاز بدوي بـ521 صوتًا مقابل 49 للإمام، من أصل 570، في الجلسة الإجرائية.

دفع تحالف الطريق الديمقراطي التي لا يتجاوز عدد نوابه 33 بالإمام، ومع إضافة نواب أحزاب التجمع والوفد والمؤتمر التي قال الإمام إنها دعمته، بالإضافة إلى بعض المستقلين، قد يبدو الرقم معبرًا عن حجم المعارضة داخل المجلس،  غير أن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن سياقها قد تعطي نتائج مضللة.

ففي تصويت مقعد الوكالة، حصلت مرشحة الأحزاب نفسها، النائبة سحر عتمان، على 87 صوتًا، فأيهما يعكس الوزن الحقيقي للمعارضة والمستقلين؟

مع التسليم بأن قطاعًا واسعًا من المستقلين يميل عمليًا إلى معسكر الموالاة وكان بعضهم عضوًا تنظيميًا ونائبًا سابقًا عنها، يظل من غير المنصف البناء على ضعف أصوات الإمام، كما لا يجوز تحميل أصوات سحر دلالة سياسية خالصة.

يُحسب للأحزاب الثلاثة خوضها التجربة، لكن اختيار مرشح بمواصفات الإمام أدى لنتائج ضعيفة، وربما كان الدفع بشخصية ذات ثقل برلماني أو قانوني كفيلًا بحصد دعم أوسع.

أما أصوات عتمان، فتعكس في جانب منها تقديرًا لتجربتها في الشرقية ومواجهتها محاولات العبث بإرادة الناخبين حتى تثبيت فوزها رسميًا، أكثر مما تعكس اصطفافًا سياسيًا واضحًا.

خفتت العاصفة الرملية مع نهاية اليوم، لكن العاصفة السياسية ممتدة، فمجلس النواب الجديد يبدأ فصله التشريعي الثالث بترتيبات محسومة سلفًا، ومعارضة تبحث عن دور مؤثر، وبعض المستقلين على مسافة خطوة واحدة من معسكر الموالاة، وهو المعسكر ذاته الذي لا يعد كتلة واحدة وتدور حوله بعض الصراعات.

أما السؤال المهم والحقيقي الذي لم تجيب عنه الجلسة الافتتاحية، وننتظر أن نجد إجابته الأسابيع المقبلة: هل ستبقى الرياح تحت السطح أم تخرج إلى القاعة؟