تحايل المصريين| عصفورة السلطة وأسماؤها المستعارة
كما يتحايل المصريون على السلطة السياسية إن سنت قوانين أو اتخذت إجراءات لا يرونها عادلة، أو يقدِّرون أنها لا تعكس سوى مصالح فئة ضيقة أو متماشية مع هوى أو نزوع إلى استبداد، كما أوردنا في المقال السابق، تتحايل السلطة بدورها على الناس.
في هذا الشأن قصص وحكايات، أو لنقل أمثلة وحالات، يمكن تتبعها واستخلاصها عبر التاريخ المصري كله، لكني معني هنا بأمثلة من زماننا يمكن إضافتها بيسر إلى غيرها مما تراكم عبر القرون الطويلة التي عاش فيها الناس على ضفاف النيل في مصر وفي صحاريها الشاسعة. وأمثلة أيامنا ظاهرة، ألِفَها المصريون، وتعاملوا معها في فهم ووعي، مدركين مراميها، ومدى تأثيرها على حياتهم اليومية.
حيلة المغافلة
على سبيل المثال، تتخير السلطة لحظات انشغال الناس بحدث ما، أو حتى فوز فريق محلي ببطولة قارية في كرة القدم، أو تحقيق المنتخب الوطني بطولة أو فوزًا بارزًا، وقبل بعض مباريات الأهلي والزمالك، وهما اللذان يستقطبان جمهورًا عريضًا من المصريين، وتصدر قراراتها، كأن تُحرر سعر صرف العملة المحلية (الجنيه)، أي "التعويم"، أو ترفع أسعار الوقود، أو تصدر قوانين تمس المصالح المباشرة للشعب، ومنها رفع الدعم عن بعض السلع.
قد يتمنى البعض هزيمة كروية كي لا ترتفع الأسعار
تكرر هذا الأمر حتى صار ظاهرة ماثلة للعيان، لدرجة تداول المصريين آراءهم المتشائمة على المقاهي، وفي الأسواق، ومكاتب العمل، ومحطات انتظار وسائل المواصلات، وعلى السوشيال ميديا، من الإنجازات الكروية خشية أن يُتخذ في ظلها إجراء يخصم من الشعب مكاسبه. وقد بلغ هذا بالناس حدًا جارحًا إلى أن يتمنى بعضهم هزيمة كروية، كي تتأخر قرارات وإجراءات من هذا القبيل.
حيلة العصفورة
من فنون تحايل السُلطة أيضًا إبداعها طرقًا لا تنتهي من فن الإلهاء فتنفخ في أوصال حوادث ومواقف اجتماعية وسياسية حتى تغطي على ما عداها، فينخرط الناس فيها أخذًا وردًا، حتى يتم استنزافهم تمامًا، وقبل أن يلتقطوا أنفاسهم تكون السلطة قد ألهتهم بشيء جديد. وصار المصريون يطلقون على هذه العملية عبارة تقول، بص العصفورة تعبيرًا عن اختراع ما يأخذ الانتباه كله أو جله نحو شيء عابر.
المصريون يدركون مدى تحكم السلطة في الإعلام
وصار هذا أيضًا ظاهرة يفرط أغلب الناس في تقديرها، حتى أنهم يظلون في ريبة مما يجري، ويقدرها بعضهم على أنها إنشاء معدوم، أو استدعاء منسي ومهمل، حتى لو كان تفاعل الناس مع بعض ما يجري أمرًا طبيعيًا لا دخل للسلطة في تسويقه وترويجه على نحو واسع، لا سيما أن المصريين يدركون اليوم مدى تحكّم السلطة السياسية في الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، وما لها من كتائب على السوشيال ميديا يُطلق عليها الذباب الإلكتروني الذي يدفع الشائعات والحوادث العابرة إلى صدارة الأولويات والاهتمامات عبر توافر المال والأفراد المدربين.
حيلة الدوبلير
يمتد تحايل السلطة إلى ما هو أعلى مقامًا من هذا، فنراه ماثلًا في بعض التدابير مثل إنشاء مؤسسات وجمعيات مدنية وأهلية وحقوقية تابعة لها، ومنحها الفرصة كاملة لإزاحة المجتمع المدني المستقل، والإحلال محله تدريجيًا، ثم تقديم ما أنشأته في هذا الشأن إلى المجتمع الدولي ليتلقى هو التمويل، ويؤخذ رأيه في ملفات حقوق الإنسان وغيرها.
نفس الحيلة نصادفها في مجال الإعلام، فحين وجدت السلطة أن المنابر التقليدية من صحف ومواقع وقنوات تليفزيونية فقدت المصداقية، وانصرف الناس عنها، أطلقت عددًا كبيرًا من المواقع الصغيرة التي تبث أخبارًا مصنوعة، فتتلقفها أيدي الذباب الإلكتروني التابع لأهل الحكم والقرار، وتطلقها في فضاء السوشيال ميديا فيتداولها الناس وهم لا يعرفون همزات الوصل بينها وبين من أطلقها ويمولها ويرعاها، فتتسرب إلى نفوسهم شيء من المصداقية والتأثير. وكلما كُشفت أي من هذه المنصات للناس، أطلقت السلطة غيرها، وهكذا دواليك.
حيلة الأسماء المستعارة
تتحايل السلطة على القانون في معاملة سجناء الرأي والسياسة، عبر ما يسمى تدوير المحبوس احتياطيًا، بتعدد اتهامه في أكثر من قضية، ما إن يحل موعد خروجه من أولها، حتى يجد نفسه محبوسًا على ذمة قضية جديدة. وفي ظل هذا تنفي السلطة أن يكون هؤلاء معتقلين، إنما محبوسون بأمر قضائي.
ويزيد من وطأة هذا وجود قضاء استثنائي متمثلًا في المحاكم العسكرية، ونيابة أمن الدولة العليا طوارئ. وتتحايل السلطة على السجون نفسها بتصدير صورة ناصعة لها عبر الإعلام الذي تتحكم فيه تمامًا، وهي في هذا ترفض تسمية هذه الأماكن بالسجون إنما تطلق عليها مراكز الإصلاح والتأهيل، وتسمية قطاع السجون قطاع الحماية المجتمعية.
وحين يشتد الضغط على السلطة، من الخارج والداخل، في ملف السجناء السياسيين، تتحايل عليه بالإفراج عن بعض السجناء، إما من سراي النيابة، أو بعفو رئاسي، لكن المفرج عنهم لا يشكلون إلا قلة، يغلب الجنائيون منهم السياسيين، ولا يمنع الإفراج عن هؤلاء استمرار السلطة في اعتقال غيرهم، بحيث صار الإفراج يتم بالقطارة، بينما الاعتقال يتم بالشادوف.
ويجري كل هذا تحت طائلة حزمة من القوانين والتشريعات المفرطة في تعريف وتحديد جرائم العنف والإرهاب تم سنها في ظل استغلال الاضطراب الاجتماعي الذي أعقب إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم، ووجدت طريقها إلى تقنين وتطبيق سريعين، سالكة في هذا قنوات المرور المشروعة شكلًا.
حيلة المصطبة
في مواجهة الضغوط أيضًا، وفي أوقات الأزمات، تتحايل السلطة بإطلاق حوارات تطلق عليها صفة "الوطنية"، وتدعو إليها الجميع، بمن فيهم عتاة المعارضين، وتصور للجميع أن الحوار ضرورة، ومخرجاته لازمة، فينخرطون فيه بكل همة، وبمرور الوقت يكتشفون أن هذا لم يكن سوى قلادة زينة، وأن كل ما توصلوا إليه، وحسبوه تخفيفًا للضغط، أو عبورًا للأزمة، سرعان ما يتم تفريغه من مضمونه، وإعادة الأمور إلى سابق عهدها.
وتتحايل السلطة في مجال الاقتصاد حين يطلق قلبها الصلب مشروعات متنوعة يضع على رأسها رجالًا مدنيين، هم مجرد واجهات، يعرف القاصي والداني أنهم مجرد مديرين لأموال غيرهم، يصدون سهام الانتقاد إن أطلقت، ويظهرون في الإعلام إن دعت الضرورة. وهذا المسلك ليس بجديد على الحياة الاقتصادية والمالية المصرية، لكنه استفحل في العقد الأخير، وتسربت أخباره، ووصلت إلى أسماع الطبقة العريضة من الشعب.
حيلة المجاميع
وتتحايل السلطة في مجال الأمن ونطاقه، بتوظيفها مجرمين أو أرباب سوابق في التصدي لمحتجين، فيبدو الأمر وكأن قسمًا من الشعب يناصر السلطة هو من يواجه معارضيها الغاضبين. وبعد أن كانت هذه الظاهرة موسمية وسائلة تم تكريسها، عبر إنشاء مؤسسة لها في هيئة شركات أمنية. ورأينا أيضًا استئجار متظاهرين،
بدءًا من العمال الذين تم حشدهم للهتاف ضد الديمقراطية في عهد الناصر، وانتهاء بفقراء معدمين يقطنون الأحياء الشعبية والعشوائية في المدن، رأيناهم يتصدون لمتظاهرين في الشوارع، لقاء أجر زهيد يحصلون عليه بعد أداء مهمتهم.
ورأينا تحايل السلطة ظاهرًا وقت الانتخابات على اختلاف درجاتها، من المحليات إلى الرئاسة. فبينما يعزف الشعب عن المشاركة في كثير من الأحيان، تستعيض السلطة عن هذا بحشد قلة من أنصارهم أمام لجان الاقتراع، تسلط عليهم كاميرات التلفاز للتعمية على ضعف الإقبال، وتصوير الأمر وكأن الشعب قد استجاب عن بكرة أبيه لدعوته إلى لجان الانتخاب.
وقبل هذا رأينا تحايلًا في هندسة العملية الانتخابية نفسها، من خلال التحكم في المقدمات، لضمان أن تؤدي إلى نتائج محددة، لا تخرج عن رغبة السلطة السياسية في السيطرة على المجالس النيابية، بينما هي تصدر للخارج شكلًا من التنافس المزعوم على المقاعد، المغلف بتصريحات مسؤولين وإعلاميين موالين لأهل الحكم عن الامتثال لقواعد الديمقراطية. وفي هذا لا تسمح السلطة بمرور معارضين إلى المجالس النيابية إلا من تطمئن إلى استئناسهم، أو السيطرة عليهم، بوسائل متعددة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

