DALL·E 3
ذبابة إلكترونية

المهنة: ذبابة إلكترونية

منشور السبت 1 مارس 2025

في عام 2016، وبعد مرور عامٍ على تَركي برنامجًا كنت أقدمه على قناة روتانا المصرية، عُدت ضيفًا على البرنامج، فجاءت مساعدة المخرج لتصافحني، وحين سألتها عن أحوالها، قالت لي إنها خُطبت. باركت لها، وسألتها عن مؤهل خطيبها، فأجابت مهندس كمبيوتر. تهللت وسألتها أين يعمل؟ فابتسمت وقالت "ضمن فريق يتصدى للشائعات التي يطلقها الإخوان وغيرهم". هززت رأسي مدركًا، ودار بيننا حديث عرفت خلاله عدد هؤلاء، وراتب كل منهم، ومكان عملهم، وهكذا.

قبل ذلك، كان هناك حديث سمعناه عن قدرة السلطة على جعل السوشيال ميديا دائرة مغلقة بحيث تتحكم في الرأي السائد، أو تروج لرأي أو فكرة أو تصور، وتجعل الناس يعتقدون أنه السليم والصحيح، وتواجه في الوقت نفسه آراء أخرى مضادة تراها خطرًا على المجتمع أو الدولة، بالأحرى خطرًا على السلطة السياسية القائمة، بمن يمثلونها من أفراد، ومن ينتفعون من مناصبها ومواقعها والفرص التي تتيحها لهم، وهي كثيرة.

بذاءات إخوانية

لم يكن هذا جديدًا على مصر، فقد لاحظت عام 2012 أن هناك تعليقات مرتبة على مقالاتي التي تنشرها المصري اليوم، يدل تحليل مضمونها على أنها صادرة من جهة واحدة. وحين أعملت فيها ما تعلمته من مناهج تحليل الخطاب، أدركت أنها موجهة من جماعة الإخوان المسلمين. فهاتفت الدكتور عصام العريان، شاكيًا له ذلك ولافتًا انتباهه إلى أنني أفهم ما يدبرونه ضد معارضيهم أو المختلفين معهم.

يومها قال لي العريان "لسنا نحن، إنما هم السلفيون". ضحكت وقلت له "لا تنسى أنني استعملت طريقة التحليل الكيفي للنصوص في أطروحتي للدكتوراه عن القيم السياسية في الرواية العربية، وأنا أعرف الفرق بينكم وبين السلفيين على مستوى النص والخطاب".

بعد سقوطهم عن الحكم لم يتخلَّ الإخوان عن لجانهم الإلكترونية إنما نقلوها إلى الخارج

هذه المكالمة التي دارت بيني وبين العريان، يثبتها ما بثه الصحفي عبد الرحيم علي في برنامجه "الصندوق الأسود" الذي أثار جدلًا كبيرًا حين بُث عبر قناة القاهرة والناس، وكان يرمي إلى إهالة التراب على ثورة يناير برمتها.

بثَّ البرنامج مكالمة، مسجلة سرًا من الجهات الأمنية ومسربة، بين العريان ومرشد الجماعة الدكتور محمد بديع يبلغه فيها إنني شكوت من ذباب إلكتروني إخواني يتعقب مقالاتي ومقالات غيري، ويخرج عن اللياقة، بل ويسقط في البذاءة، وهذا هو سبب اعتراضي ودافعي إلى كشف هذا للجماعة، التي كانت تظن أن بوسعها أن تَفجر في الخصومة في وقت تُحدّث الناس عن التزامها بالأخلاق.

يومها قلت للعريان "السقوط الأخلاقي مقدمة للسقوط السياسي"، وتأكدت من هذه المعادلة وقت بث مكالمة العريان مع المرشد، حيث أنكر الأخير هذا، ولا ألومه هنا، فالرجل ربما كان صادقًا، لأن كثيرًا من هذه الأمور كانت تحدث من وراء ظهره. لكن ألومه على الحدة التي تحدث بها عن كل من يختلفون مع جماعته أو يعترضون عليها، ووصفهم وقتها بأنهم علمانيون حَقَدَة.

أنكر المرشد أن تكون لديهم لجان إلكترونية تهاجم منافسيهم، وتستبيح في هجومها كل شيء، لكن لم تمر سوى أسابيع حتى نشرت صحيفة اليوم السابع تحقيقًا مهمًا عن اللجان الإلكترونية الإخوانية، بعد أن زرعت أحد محرريها وسطهم متخفيًا، فعرف أسماءهم، والمكان الذي يعملون فيه، والرواتب التي يتقاضونها.

بعد سقوطهم عن الحكم لم يتخلَّ الإخوان عن لجانهم الإلكترونية، إنما نقلوها من داخل مصر، تحديدًا من شقة وسيعة في 6 أكتوبر إلى الخارج، حيث انتقل كثيرون من أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها والمتكسبين منها للعمل في دول عدة.

الذباب الراسخ

في المقابل، أنشأت السلطة الحالية لجانها، وأمدتهم بما عليهم قوله وما عليهم الترويج له، دون أن يقتصر ذلك على مواجهة الإخوان فقط، كما زعمت في البداية. إنما امتد نشاطها لتشويه كل المعارضين، وتسفيههم والنيل من أشخاصهم، وسقطت السلطة في الأخطاء والعيوب والمظالم نفسها التي سبق للجان الإخوان أن وقعوا فيها، دون تحسب ولا ورع، ولا اعتبار لقانون أو أخلاق.

المشكلة أن الذباب الإلكتروني رسّخ في حياتنا الاجتماعية، وعلى مدار ثلاثة عشر عامًا تقريبًا، الكثير من القيم السلبية، التي لا تنجم عن البذاءة فحسب، بل إنها تنشر التفكير الخرافي، وتزيِّف وعي المصريين، بسقوطها في فخ الدعاية السافرة، وبمراميها التي طالما خلفت وراءها كوارث إنسانية وسياسية.

والأسوأ من شاب تضطره الظروف الاقتصادية إلى العمل كذبابة إلكترونية، هو شخص يَعرض نفسه على السلطة، طمعًا في مال أكثر أو منصب أرفع، من خلال تعقُّب معارض أو مهاجمته، وكأنه يقول لأصحاب القرار: أنا لها. مثل هذا ما إن يرى شيئًا مكتوبًا أو منطوقًا لمعارض، حتى يُسرع في مهاجمته، ويتوارى خلف مقولات وتصورات، هو أول من يعرف أنها تجافي الحقيقة التي صارت في حكم العلم العام، قياسًا إلى آثار السياسات في العقد الأخير.

ذات ليلة، انبرى أستاذ جامعي لمهاجمتي على تويتر، وراح يُمعن في الهجوم، ولمَّا طالعت صفته الوظيفية قلت لنفسي هذا أستاذ جامعي وطبيب، ولا بد أن أرد عليه لأوضح ما قد يكون ملتبسًا عليه. لكن ردي أسعده فزاد في الهجوم على شخصي، بينما كنت أنا أتحدث في الموضوع محل الجدل. ولأن لي أصدقاء في الكلية نفسها هاتفت أحدهم وسألته عنه، فقال لي إنه يقاتل الآن ليلفت الانتباه فيتم اختياره عميدًا للكلية، بل ويطمع في أن ينضم إلى قائمة السلطة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

سردت عليه ما جرى بيننا على تويتر، فقهقه وقال إن الرد عليه يحقق له الغرض. فسألته بمَ تنصح؟ أجاب على الفور: المصلحة العامة تقتضي أن تحرمه من هذه الفرصة. فسألته كيف أحرمه؟ أجاب سريعًا: احظره. بالطبع ليس كل من يواجهون معارضي السلطة هم من الذباب الإلكتروني، فهناك من يدافعون عن منافعهم الراهنة، وهي كثيرة، وبعضها سقطت عليه من أعلى دون أن يكون في يوم من الأيام ينتظرها.

وهناك من يخشون من أي اعتراضات أو نداءات على السوشيال ميديا قد تدفع، في أي وقت، إلى نزول الناس إلى الشارع، خوفًا من فوضى ستصيب الجميع بالخسران. وهناك الماضون في تداعيات متلازمة ستكهولم، ويوجد من يقتنعون فعلًا بأن السلطة الحالية تنجز شيئًا يستحق الوقوف إلى جانبها. لكن كل هؤلاء هم قِلة القلة بين جموع المصريين، وهذا أمر ظاهر للعيان.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.