أعطتنا هذه الواقعة فرصة جديدة للمقارنة بين إعلام انتُزع بعض حريته، وآخر مقيد تمامًا
تصميم: يوسف أيمن- المنصة

أعشق صوت الطبلة لكني لا أجيد التطبيل

ماذا سينشر أفشل رئيس تحرير مصري في صحيفته؟

منشور الأحد 21 يوليو 2024 - آخر تحديث الأحد 21 يوليو 2024

في مصر، لا تجد الصحف من يشتريها، ولم تعد كليات الإعلام تغري أحدًا للالتحاق بها؛ والأرقام تشير إلى أن توزيع الصحف اليومية الكبرى أقل من 350 ألف نسخة يوميًا، في وقت وصلت فيه ديون المؤسسات الصحفية القومية لنحو 20 مليار جنيه. تخيلت نفسي للحظات في موقع رئاسة تحرير أي من هذه الصحف، فشعرت بالرعب!

للنجاح أو الفشل أسباب ومعايير ليست كتلك التي نعرفها في بلادنا، ففي زمن السرعة والذكاء الاصطناعي وصحافة الترند لن أنقل أخبارًا عن فيسبوك أو إنستجرام أو تيك توك أو إكس، وإن رددتها البشرية جمعاء، فالدقة والمصداقية أهم ألف مرة من سبق زائف.

لهذا سأفشل في موقع رئاسة التحرير.

(1)

ولأنني أؤمن بقدسية الموت وحرمة الموتى، فلن أسمح لمحرر في صحيفتي بتتبع الجنازات واقتحامها ببث حي، يخترق خصوصية المتوفى وأهله أو المشيعين. لن أنقل إلا جنازات رسمية ولشخصيات عامة للمتابعة والتوثيق.

وبالطبع لن تقرأ في صحيفتي عناوين من نوعية حقيقة وفاة الداعية/ الفنان/ السياسي فلان، ولا أعدك بقراءة آخر ما قاله النجم الفلاني قبل وفاته، فصحيفتي متواضعة لا تتلقى دعوات خاصة من ملك الموت لحضور جلسات اللحظات الأخيرة في حياة المشاهير، ومن ثَمَّ سأحرم قرائي من تصريحات نادرة لا يملك أحدٌ في الكون نفيها أو إثباتها!

لا مكان في صحيفتي للتلاسن بين شعبيِّ بلدين شقيقين اختلفا على نتيجة مباراة كرة القدم، فلن أنشر التعصب والتفاهة ولن أسهم في الترويج لرموزها المتردية والنطيحة والمصفوع وبتاع الكشري وإن تكالبت فضائيات العصر على استضافة هؤلاء!

لن أبرر الزيادات المتكررة في أسعار كل شيء زعم أن هذه الزيادات في الواقع تصب في المصلحة

في صفحة الفن، لن تكون في أولوياتي متابعة أخبار زواج أو طلاق هذه أو تلك، لن تشغلني الزيجات المتكررة لرجل أعمال يتزوج بفلوسه، ولا لداعية يبدل النساء كما يستبدل الأحذية. وبالطبع لن أرحب بإلهاء الناس بطريقة "بص العصفورة"، ولن أخصص مساحة لخبراء التنجيم والأبراج المائية والهوائية والعباسية، فقناعتي أن نهضة الأمم وتقدمها مسيرة طويلة وشاقة من العلم والعمل، وبالدين والأخلاق، وبالحق والقوة، وبالأيدي والعقول، لا بالتنجيم وقراءة الفنجان، لهذا حتمًا سأفشل.

لا مكان في صحيفتي للعنف والبلطجة والخروج عن القيم، "نمبر وان" عندي هو كل من يعمل ويتعب ويبني نفسه وبيته ويطعم أهله من حلال ولا يسيء لأحد، لهذا لن أكتب عن مصر التي تلمع في الإعلانات، أو مصر التي تعيش فقط في موسوعة جينيس بينما يموت أهلها في الواقع!

لن أكتب عن المسلم الذي يحتضن المسيحي أمام الشاشات في الأعياد والمناسبات الدينية، ولا عن الفنان الخاشع في صلاته طالما تدور الكاميرات، ولن أصور الأيادي الممتدة لمساعدة المحتاجين، فالصورة مسؤولية وأمانة وخصوصية وأخلاق، وليست سكينًا لذبح البشر.

ولن أسمح بتصوير ابن يقبِّل قدم والدته في ليلة زفافه. ولا مكان عندي لخطبة عصماء لأخت عريس أو والد عروس. وفي النهاية وبعد ملايين المشاهدات واللايكات للأب القدوة النادر، يرمي العريس ابنته في الشارع وتعود لبيت والدها مطلقة مع أول خلاف.

(2)

لن أستطيع رد فشل الحكومة أو أحد مشاريعها لأسباب الفشل المنطقية، ولن أستطيع التقصي والتحري، فصحافة الاستقصاء لا تسمح بها الحكومة ولا يتسع لها صدر النظام، وأنا لا أجيد مهارات تبرير الفشل والبحث المضني عن تجارب ومشاريع فاشلة مشابهة حول العالم، لأقنعك عزيزي القارئ بأن الفشل صحيٌّ ومفيدٌ، وعليك أن تتقبل غرق الجسور والمراكب والعبارات واشتعال الحرائق وانهيار المساكن فوق رؤوس ساكنيها، باعتبارها سُنة كونية تحدث في كل بلاد العالم، ولا أحد يعترض إلا في بلادنا، ربنا ينتقم منا يا أخي.

بالمثل، لن أستطيع تبرير الزيادات المتكررة في أسعار كل شيء، بزعم أن أسعار بلدنا هي الأقل عالميًّا، وأن هذه الزيادات في الواقع تصب في مصلحة المواطنين! ولن أكتب عن مذابح الأشجار ولا مصير مبادرة اتحضر للأخضر، لن أسأل الحكومة ولا الوزارات المعنية عن أشياء إن تُبدَ لهم لن تسوءهم وإن ساءتنا نحن، فهل أنجح؟

في صفحة الرياضة، لن أتحرى مصير ملايين الدولارات المهدرة على لاعبين ومدربين أجانب، بينما تضج الشوارع والحارات بالموهوبين، في بلد أثقلته القروض وفوائد الديون. سأكتفي بالإشارة إلى طموح المغرب الشقيق في الفوز بكأس العالم 2022، في وقت منتهى آمالنا مجرد المشاركة في البطولة المقبلة!

لا أعرف ماذا أنشر في صفحة الرأي، في زمن لم يعد مسموحًا إلا برأي واحد. فلا مجال للنقد، وأي اختلاف في الرأي يفسد كل الود وينسف كل القضايا ويزيد تكدس السجون ويقلص أعداد الحالمين بالحرية. هنا وفي قلب هذه العتمة والصمت تغيب الحقيقة، لا صوت يعلو على صوت الطبلة والطبالين، سواء المنتفعين أو المتطوعين، أعشق صوت الطبلة لكنني لا أجيد التطبيل فكيف أنجح؟

(3)

أفشل فشلًا ذريعًا إن قاطعت أخبار خبيرات إتيكيت أكل المانجو بالشوكة وتناول شوربة العدس بالشاليموه، كما سأفشل لمقاطعة أخبار مذيعة الصوت الشتوي والصيفي، وسوف أبدو نغمة نشازًا لو اقتربت لا سمح الله داخليًّا من قضايا الفقر والجوع والمرض وتذيل قوائم التعليم في التصنيفات الدولية.

عناوين من نوعية "مسيحية تحقق ذهبية الأولمبية" لن تجدها مطلقًا في صحيفتي

ولن أقترب من فشل مشروع التابلت المعجزة، وسأترك مقاطع فيديو حوت الجيولوجيا صاحب حصة المراجعة بملايين الجنيهات، ومعه وحش الكيمياء وكل سكان غابات الفيزياء والرياضيات واللغات، ففي نظري مكانهم الطبيعي وقبلهم وزراء التعليم هو السجن، وليس التصوير وممرات التكريم الشرفية. وحتمًا لن أجاري الصحف المنافسة التي أقنعتنا بصعوبة قيام المدرس بمهام الشرح لفصل يكتظ بخمسين طالبًا أو طالبة، في حين يشرح الله صدره ويحل عقدة لسانه للشرح لقرابة عشرة آلاف طالب وطالبة بقاعة في نادٍ عريق أو صالة أفراح، ويا لها من معجزات!

لا تزال امتحانات الثانوية العامة خارج السيطرة، خاصة في المحافظات النائية التي يتحصل فيها أبناء عائلة واحدة على معدلات تقارب الـ100%، وليست مصادفة أن يرسب 75% من الطلاب بطب سوهاج عن جدارة في السنة الأولى.

وبالطبع عناوين من نوعية: ابنة البواب ضمن أوائل الثانوية العامة، ومسيحية تحقق ذهبية الألعاب الأولمبية، لن تجدها مطلقًا لدي. وسأفشل إن ناقشت ملف البطالة وكثرة الجرائم وانهيار الأخلاق، ولا أدري لو اقتربت من العطش في بلد النيل بفعل سد الخراب الإثيوبي، فهل يصدقني أحد؟

(4)

حتمًا سأعلن انحيازي التام لأصحاب القيمة والأثر، لا أصحاب الشهرة من معدومي الموهبة وأنصاف الموهوبين، فلن أروج لكتاب لا يضيف للمعرفة الإنسانية شيئًا، ولن أناقش رواية رديئة، وإن تكالب عليها عشرات الألوف في موالد وحفلات التوقيع والترقيع بمعارض الكتب.

ولن أكتب عن لون الفستان الذي حير جماهير فيسبوك، ولا حبة البطاطس التي وجدوا عليها لفظ الجلالة، ولا مساحة عندي للبقرة المعجزة والخروف صاحب الكرامات، ولا مكان للفلاتر ولا العدسات والرموش والسليكون وحشوات الصدور والمؤخرات الزائفة، وإن روجت لها الصحف المنافسة، فشعار صحيفتي "يا مولاي كما خلقتني".

لن أنشر الاكتئاب والكآبة، بالطبع لن أنشر الوعود الزائفة بحياة وردية، ولن أسمح مطلقًا بمهاجمة بلدي ولا الاستقواء عليه ولا هدم رموزه أو النيل من سمعتهم وسمعته، ولأنني أعشق وطني حتى النخاع، سأنقد بكل ما أوتيت من قوة أي ممارسات خاطئة أو سياسات منحرفة، فهل يُسمح لي بذلك؟ 

وسأتيح المجال بالصحيفة لكل الأصوات والآراء، الحالمة بغد أفضل، المؤيدة والمعارضة، أصحاب الأفكار الواعدة والمواهب النادرة والمشاريع المدروسة في كل مجال، لإيماني بأن المعارضة الصادقة ليست خيانة، والنقد البناء ليس نقصًا في الوطنية. 

(5)

في صفحة الحوادث والقضايا، لن تجد عندي ضغوطًا أمارسها على سير المحاكمات، ولن أستبق بتهييج الرأي العام والمطالبة بإعدام قاتل في ميدان عام أو نحو ذلك، دون أن تتوفر له ولا لأي متهم كل ضمانات المحاكمة العادلة. فهل تجد صحيفتي من يهتم بقراءتها؟

وتظل القضية الفلسطينية هي القضية العادلة الأولى، وجوهر الصراع مع العدو الصهيوني، حتى بعد أن تتم استعادة الحقوق وتتحرر فلسطين وجميع الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967.

في السنوات الأخيرة انقطعتُ عن شراء الصحف، حتى مررت ذات صباح ببائع جرائد، أغرتني الصحف التي عشقت ورقها وفيها أفنيت عمري، فاشتريت معظم الصحف، وقرأتها كلها في أقل من نصف ساعة، لتشابه محتواها جميعًا إلى حد التطابق، وبعد القراءة لم أشعر أنني استفدت شيئًا أو خرجت بمعلومة، بل خسرت جنيهاتي القليلة بلا عائد يذكر.

شكرًا للظروف التي حرمتني من لقب أفشل رئيس تحرير في مصر، وعلى القراء أن يحمدوا الله أن جنَّبهم فشلي المحتمل، وإلا لتسببت في تذيل مصر المؤشر السنوي لحرية الصحافة العالمي لعام 2024، الذي صدر مؤخرًا، وفيه حلت مصر في المرتبة 170 من أصل 180 دولة!