تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
تعليقات السوشيال ميديا تحرض على قتل النساء

"تستاهل القتل".. عندما تحرض السوشيال ميديا على النساء

منشور الثلاثاء 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026

بوستات، ريلز، صور، تعليقات كلها تحريض ضد النساء وترويج وتبرير للجرائم وممارسات العنف التي ترتكب ضدهن؛ ما بين وقائع قتل وعنف أسري، وتعدٍ وتحرشٍ في الشوارع، ومشاجرات تخص النفقة والحضانة.. لا تكاد تخلو السوشيال ميديا يوميًّا من هذه النوعية من المواد التي تندرج ضمن المحتوى الأكثر رواجًا القائم على جذب انتباه مستخدميها، بغرض زيادة الانتشار، وإحداث تفاعل سواء بالمشاركة أو التعليق. 

ويدرك المستخدمون، بالأخص البلوجرز، أنه كلما زادت التعليقات على مادة بعينها أظهرها فيسبوك أمام عدد أكبر من المستخدمين، بغض النظر عن محتواها، ورشحها حتى لغير المهتمين إذا أجروا عملية بحث أو توقفوا لقراءة بوست مشابه.

ورغم ما تعلنه وتتحدث عنه منصات السوشيال ميديا من آليات للحماية من خطابات الكراهية، فإن البوستات المحرضة ضد النساء، يجري تداولها على نطاقات واسعة، وتستفيد من آليات الانتشار التي تعمل بها الخوارزميات، رغم أن بعضها يتضمن تحريضًا مباشرًا على قتل النساء، سواء كان ذلك بالنشر أو بالتعليق أو المشاركة، كما رأينا مؤخرًا في حادثة قتل الطفلة آية رضوان، وذلك دون تدخل من المنصات لحذف التعليقات أو حظر أو حتى تحجيم انتشار مثل هذه المواد.

في محاولة للتعرف على الكيفية التي تنتشر بها المواد المحرضة ضد النساء، أجرينا بحثًا باستخدام كلمات مفتاحية هي؛ ضرب المرأة - ملابس المرأة - قتل النساء - جرائم الشرف - ضرب الزوجة على فيسبوك، ثم تركنا للخوارزميات مهمة ما نشاهده خلال أسبوع ليظهر أمامنا نحو 12 بوست لم تكن جميعها من حسابات أو صفحات نتابعها أو من مجموعات ننتمي إليها ولم تكن كلها حديثة النشر، إنما ظهرت من خلال توصيات فيسبوك ومنشورات عامة وحسابات ومجموعات خارج دائرة المتابعة المباشرة.

تنوعت المواد الظاهرة لنا ضمن ترشيحات المحتوى الذي يهمنا بين التحريض على قتل النساء، وتبرير جرائم قتل سابقة وإلقاء مسؤوليتها على الضحايا، وخطاب الكراهية والإهانة، إلى جانب تعليقات تضمنت تأييدًا أو تمجيدًا للعنف، واحتوت أغلبها على تعليقات جماعية تتضمن دعوات إلى العنف أو تمجيد لمرتكبيه.

خلال هذا الأسبوع أيضًا تعرفنا على صفحات لم نكن رأيناها من قبل رشحتها لنا الخوارزمية، بمسميات مثل المجلس القومي للرجل، نساء ضد النسوية، مسلمات ضد النسوية، امرأة مصرية ضد النسوية، جلادة النسويات وجميعها يخالف معايير فيسبوك الذي بدلًا من حذفها أو تقييدها قرر نشرها على نطاق أوسع

معايير الحماية "الفشنك"

تضع ميتا سياسة للحماية من خطابات الكراهية، وتعرف خطاب الكراهية بأنه "هجوم مباشر على الأفراد، وليس على المفاهيم أو المؤسسات، استنادًا إلى ما نسميه الخصائص المحمية، التي تشمل العرق، والإثنية، والأصل القومي، والإعاقة، والانتماء الديني، والطبقة الاجتماعية، والميول الجنسية، والجنس، والهوية الجندرية، والأمراض الخطيرة. وتحدد سياسة خطاب الكراهية المحتوى الذي نعتبره خطاب كراهية والذي سيتم حذفه من منصاتنا".

وعلى الرغم من وصف الشركة المشغلة لفيسبوك وإنستجرام وواتساب هذه السياسات بأنها صارمة، فإنها بالمقابل تتعامل بتساهل كبير مع المحتوى المعادي للنساء في مصر، فلا تحذفه أو تقيده بشكل مباشر، بل وتساعد الخوارزميات على انتشاره وتوسعه.

لاختبار هذه الفرضية وقياس مدى استجابة فيسبوك فعليًّا لخطابات العنف والكراهية ضد النساء، أبلغت المنصة عن 103 منشورات وتعليقات، تضمنت محتويات تراوحت بين التحريض على قتل النساء، وخطابات الكراهية، وتبرير العنف أو تأييده. ولم نتلقَ استجابة بالحذف سوى في حالة واحدة فقط تخص أحد التعليقات.

يفسر خالد منصور، عضو مجلس الإشراف على المحتوى المنشور على ميتا، ذلك بأن خطاب الكراهية ضد النساء يعد من أصعب المسائل التي ينظر فيها المجلس، ويؤكد لـ المنصة أن إحدى الصعوبات المرتبطة بسياسات ميتا تتمثل في أن قواعدها تركز على وجود عنف أو تهديد محدد تجاه فئة أو أفراد بعينهم، بينما خطاب الكراهية أوسع نطاقًا حيث يشمل الحط من كرامة أو توجيه اتهامات بالدونية أو استخدام اوصاف مهينة ضد مجموعة بأكملها مثل النساء. 

ورغم أن هذه السياسات قد تكون مناسبة برأي منصور، فإنه يتفق أيضًا مع أن تنفيذها، خصوصًا ما يتعلق بالعنف ضد النساء، يحتاج إلى مزيد من العمل والدقة والتطوير وخاصة فيما يخص اللغات المختلفة واللهجات المتنوعة.

كراهية أونلاين

تُسهّل التطورات التكنولوجية السريعة انتشار خطاب الكراهية والآراء المحافظة والرجعية حول النساء، هذا ما أكدت عليه كاليوبي مينجيرو، مديرة قسم إنهاء العنف ضد المرأة في هيئة الأمم المتحدة، في خطابها بذكرى الاحتفاء باليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية الماضي. 

لا تعتبر كاليوبي ما يُعرف باسم "فضاء الرجال" على الإنترنت "مجرد موقع إلكتروني أو مجتمع واحد، بل هو منظومة أوسع من المحتوى الذي تحركه الخوارزميات، والقادر على نشر كراهية النساء ومعارضة المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة بسرعة كبيرة، مما يجعله يبدو وكأنه أمر طبيعي أو مقبول".

هنا لا تعمل السوشيال ميديا باعتبارها مجرد مساحة لعرض ما ينشره المستخدمون، إنما تلعب التوصية والخوارزميات دورًا كبيرًا في نوع المحتوى الذي يظهر أمام كل مستخدم، اعتمادًا على مؤشرات من بينها التفاعل ومدة المشاهدة واحتمالات استمرار المستخدم في التصفح.

بالتالي حين تسمح هذه الآلية بأن يروج المحتوى المسيء أو العدائي تجاه النساء تكون الأولوية لاستمرار استهلاكه، وهنا تظهر مشكلة أخرى إذ تتحول توصيات المنصات إلى سلسلة متتابعة من المحتوى المتشابه، فالمستخدم الذي يتفاعل مع محتوى يحمل أفكارًا معادية للنساء قد يجد أمامه مزيدًا من المحتوى الذي يدور في الاتجاه نفسه، بما يخلق بيئة رقمية تتكرر فيها الرسائل ذاتها وتصبح بالفعل أكثر اعتيادًا. 

يطرح هذا تساؤلًا حول مسؤولية المنصات عن المحتوى الذي لا تزيله، بل وقد تساعد أنظمتها في الوصول به إلى جمهور أوسع، حسب منصور، الذي يرى في تقييد التوزيع أحد الحلول للتعامل مع الحالات التي يكون فيها المحتوى محل شك، بحيث لا يحصل على الانتشار نفسه الذي يحصل عليه المحتوى العادي، وهو أمر يجب أن تلتفت إليه ميتا.

محاولة للفهم

تبدو مسألة الرقابة على بوستات فيسبوك تحديًا صعبًا؛ "كل يوم بيتنشر مليارات البوستات ما بين نصوص وفيديوهات وصور وتسجيلات صوتية ومستحيل مراجعته قبل النشر للتأكد من عدم وجود خطاب كراهية أو تحريض، عايز وقت طويل وتكاليف باهظة"، يقول خالد منصور.

ويوضح أن منصات السوشيال ميديا تعتمد على برامج أو خوارزميات آلية تقوم عادة بأكثر من 95% من إجراءات الحذف والتقييد وفرض جزاءات على المخالفين لقواعد المحتوى. 

ورغم تقدمها واعتمادها على تقنيات الذكاء الاصطناعي فإن قواعدها الحاكمة في نهاية الأمر موضوعة من قبل بشر وقد تخضع أحيانًا لاعتبارات سياسية؛ "فيه تحديات تقنية تتعلق بقدرة الخوارزميات على التفريق بين الجد والهزار، أو النشر الصحفي والأكاديمي لأمثلة من خطاب الكراهية وحتى توظيفه في حملات توعية ومناهضة"، يضيف منصور، لافتًا إلى أن التحدي الأكبر بالنسبة لآليات الرقابة والحذف تتعلق بالخط الفاصل والصعب في تمييزه بين حرية الرأي والتعبير وبين خطابات الكراهية بالنسبة لميتا تحديدًا إذا ارتبطت بخلفيات دينية وثقافية.

هذا فضلًا عن  المحتوى الذي يقع في المنطقة الرمادية/Borderline Content، الذي يثير إشكالية، إذ قد لا يكون مخالفًا بصورة واضحة لسياسات الحذف، لكنه قد يحصل في بعض الحالات على انتشار أكبر نتيجة لأنظمة التوصية التي تسعى إلى تعظيم تفاعل المستخدمين. 

ويلفت عضو مجلس الإشراف على محتوى ميتا إلى أن المجلس قرر في سبتمبر/أيلول 2026 حذف مقطعين رفضت ميتا إزالتهما، أحدهما فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يسخر من امرأة مسلمة، والآخر فيديو مزيف ينسب إلى سياسية بريطانية تصريحات عن اللاجئين والعنف الجنسي. 

اعتبر المجلس أن سياسات ميتا لا تغطي بما يكفي التلاعب بأقوال الأشخاص وأفعالهم، أو حملات المضايقة المنسقة التي تستهدفهم عبر منشورات متشابهة، وأوصى بتوسيع تعريفات المحتوى المخالف، وتحسين رصد المقاطع المعدلة بالذكاء الاصطناعي، والحد من انتشار المحتوى الضار عبر أنظمة التوصية.

ليس مجرد كلام

ما يبدأ على الإنترنت لا يبقى بالضرورة على الإنترنت، إذ يمتد العنف الرقمي بالضرورة إلى الحياة الواقعية، ينشر الخوف، ويُسكت الأصوات، وفي حالات كثيرة يؤدي إلى عنف جسدي وقتل، لذلك يجب أن تتطور القوانين لضمان توفر العدالة والحماية للنساء، سواء على الإنترنت أو خارجه، حسب سيما بهوس المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، في بداية حملة 16 يوم ضد العنف العام الماضي.

وتؤكد آية منير، الناشطة النسوية والمديرة التنفيذية لمبادرة سوبر وومان، أن السوشيال ميديا ضاعفت الأعباء التي تتعرض لها النساء؛ فبعدما كان العنف محصورًا في دوائر الأسرة والعمل والشارع، أضيفت إليه أشكال متعددة من العنف يمارسها ملايين المستخدمين عبر الإنترنت، لا سيما تجاه الفاعلات والمؤثرات في المجال العام.

لا ترى آية انفصالًا بين العنف الرقمي والعنف على أرض الواقع، فما يحدث في العالم الرقمي يترك صداه في العالم المادي، فالعالمان أصبحا شديدي الارتباط والتأثير، كما أن السوشيال ميديا تخلق أنماطًا جديدة من العنف أكثر حدةً، مستفيدةً من سهولة الوصول إلى النساء وبياناتهن وصورهن.

وتؤكد مديرة سوبروومان لـ المنصة أن السوشيال ميديا أتاحت للأشخاص ذوي الخطابات العنيفة والذكورية مساحة أكبر للظهور والتعبير عن أفكارهم التحريضية والكارهة للنساء، من بينها خطاب يرى أن الرجال هم أساس الحياة، ومن حقهم وضع معايير أخلاقية وسلوكية للنساء والحكم في مدى التزامهن بها.

وتلفت إلى الخطابات المنتشرة في بعض المجموعات الذكورية، التي تقوم على تمجيد الرجال الذين يرتكبون أفعالًا عنيفة باستخدام تعبيرات داعمة مثل "كينج، راجل، بطل، تسلم إيدك"، بما يسهم في وضع معايير اجتماعية لقبول الرجل وإثبات رجولته، بل إنها قد تصبح أحد العوامل التي تشجع على الاستعراض بالعنف أو السعي إلى الحصول على التعاطف والتقدير بعد ارتكاب الجريمة، مستشهدةً بما حدث في حوادث كثيرة بينها مقتل نيرة أشرف، وما صاحبها من تفاعلات وخطابات على السوشيال ميديا.

أثر وليس سببًا

في النصف الأول من عام 2026، رصدت مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة 598 واقعة عنف ضد النساء بزيادة 20.81% عن الفترة نفسها في عام 2025، وبينما يأتي التحرش الجنسي في المقدمة ويليه القتل ثم الضرب المبرح، يحتل العنف الرقمي الترتيب الرابع حسب الرصد، الذي يعتمد على الوقائع التي يتم تغطيتها إعلاميًا.

أما عن الإحصاءات التقديرية للعنف الرقمي، فتشير الأمم المتحدة إلى أن 60% من النساء العربيات تعرضن للعنف عبر الإنترنت، تحديدًا من خلال التعليقات، أو تلقي كميات كبيرة من الرسائل ذات المحتوى الجنسي الصريح، أو تتم ملاحقتهن وتتبع تحركاتهن باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والتطبيقات التي تعتمد على تحديد الموقع، وتشمل الأشكال الأخرى للإساءة التي تواجهها النساء والفتيات التنمرَ الإلكترونيَّ، وخطاب الكراهية، والاستغلال الجنسي، والتشهير، ومشاركة الصور الحميمة، والابتزاز الجنسي، ونشر الصور الحميمة بدافع الانتقام.

إلى جانب هذه الصور من العنف، تلفت آية منير النظر إلى أن النساء يصبحن في كثير من الأحيان مادة للميمز والنكات والسخرية على الإنترنت، حتى في سياق جرائم قتل، وهو ما يسهم في تطبيع العنف والتعامل معه باعتباره أمرًا اعتياديًّا، بدلًا من التوقف أمام خطورته وأسبابه. وفي المقابل، ترى أن تنامي الوعي بهذه الممارسات يسهم في رفض بعض المستخدمين خطابات الكراهية والسخرية من النساء، وفي زيادة المعرفة بأشكال العنف الرقمي وآثاره.

ويربط الدكتور فتحي عباس، أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بين التعرض المتكرر للمحتوى العنيف على الإنترنت والسلوك الواقعي لدى بعض الأفراد، خاصة إذا كانت لديهم بالفعل ميول أو استعدادات سابقة للعنف، تتشكل بفعل عوامل اجتماعية وتعليمية وثقافية.

ويوضح لـ المنصة أن خطاب الكراهية ضد النساء قد يعكس تصورات ومواقف متجذرة لدى أصحابه تجاههن، خصوصًا لدى من نشأوا على أفكار تنتقص من المساواة بين الجنسين. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يمكن اعتبار خطاب الكراهية مؤشرًا حتميًّا، رغم أهميته، على ارتكاب الجريمة، أو التنبؤ بأن صاحبه سيصبح عنيفًا إذا أتيحت له الفرصة، لأن السلوك الإجرامي ينتج عن تفاعل عوامل متعددة، ولا يمكن اختزاله في المحتوى الذي ينشره الفرد على الإنترنت.

مع ذلك يعتقد خالد منصور أن شركة ميتا وغيرها من الشركات المطورة لمنصات السوشيال ميديا تحتاج إلى زيادة استثماراتها في أنظمة مراجعة المحتوى، بما يسمح برصد المنشورات والتعليقات التي تحرض على العنف بصورة أفضل وأسرع؛ "على الشركات أن تستثمر بشكل أكبر في تطوير السياسات وأنظمة المراجعة، بما يساعدها على التمييز بين المحتوى الذي يندرج تحت حرية التعبير والمحتوى الذي يؤدي إلى العنف أو خطاب كراهية، والأهم هو التقاط السياق الذي قيل فيه الخطاب".

فبينما لا يمكن اختزال العنف ضد النساء في المحتوى المنشور على الإنترنت، فإن ترك خطابات الكراهية والتحريض تنتشر دون استجابة فعالة يجعل المنصات جزءًا من المشكلة، حتى إن لم تكن سببها الوحيد.