-تصميم أحمد بلال- المنصة
سيطرة الذكور على أجساد النساء

خوفًا من "خصوبة المهاجرات".. "رجل أبيض" يتخفى في غرف الولادة الفرنسية

منشور الأحد 17 أيار/مايو 2026

بعد ولادتي الأولى في أحد المستشفيات الفرنسية، وُضِعت بين يديّ ورقة طويلة بأسماء أدوية وتعليمات لم أقدر على استيعابها. أتذكّر جيدًا ذلك الضوء الأبيض الحادّ المسلّط فوق رأسي، ورائحة المطهّر التي ملأت الغرفة. كنت عالقة بين الألم والذهول، لم أستوعب بعد أنني أنجبت، كلّ شيء يحدث بوتيرة أسرع من قدرتي على الفهم.

تصفّحت الورقة على عجل، استوقفني وجود وسيلة لمنع الحمل ضمن القائمة، كأنّ الأمر إجراء روتيني. رفعت رأسي قليلًا نحو الممرضة وأنا لا أزال غارقة في جسدي المثقل المتعب. لم تلتفت إليّ حتى؛ كانت منشغلة بالكتابة في الملف. لم يشرح لي أحد سبب إدراج وسيلة منع حمل، ولم يسألني أحد إن كنت أرغب بها أصلًا. هكذا مرّ القرار صامتًا عبر جسدي دون أن يكون لي فيه رأي.

موافقة غير مستنيرة

لا يبدو هذا الموقف حالة معزولة، إذ تشير وثيقة بحثية حول الموافقة المستنيرة في السياق الطبي إلى أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائمًا بشكل متكافئ، خاصة في سياقات الولادة، حيث تُتخذ قرارات طبية بسرعة دون ضمان فهم كامل من "المريضة".

لاحقًا، بدأت أسأل؛ تحدثت مع صديقات مهاجرات عن اقتراح وسائل الحمل بعد الولادة، فكانت الإجابة شبه موحّدة. قالت لي المهاجرة المغربية نسرين العلوي، 24 سنة، إنهم أخبروها "بعد الولادة أن اللولب خيار مناسب لي. لكن الأمر لم يُطرح كسؤال. كأن دوري هو الموافقة فقط"، وكذلك كانت تجربة المهاجرة التونسية سوسن بن عمر، 31 سنة، التي كانت تجد حبوب منع الحمل بعد كل ولادة؛ "كانوا يعلمون أنني متعلّمة، لكنهم لم يفسّروا لي شيئًا".

تواجه النساء المهاجرات صعوبات مضاعفة في الوصول إلى معلومات واضحة حول صحتهن الإنجابية

أما المهاجرة المصرية ياسمين هاني، 29 سنة، فوجدت نفسها تستخدم موانع الحمل الهرمونية، رغم أنها لم تكن ترغب في ذلك؛ "استخدمتها لأنني لم أفهم ما قيل لي، إن كانوا قد قالوا شيئًا أصلًا".

تتقاطع هذه الشهادات مع ما وثّقته رسالة دكتوراه في الطب الانساني وعلم الأمراض، 2025، بعنوان "المرضى المُصنَّفون كمهاجرين في استشارات الطب العام". وتقول بأن المهاجرين، خصوصًا النساء في فرنسا، يواجهون صعوبات مضاعفة في الوصول إلى معلومات واضحة، من بينها ما يخص الصحة الإنجابية، بسبب اللغة وعدم تكافؤ العلاقة مع الطاقم الطبي.

التعقيم شأن نسائي

في ولادتي الثانية في مستشفى آخر، تكرّر الموقف ذاته. ثم، وبعد فترة، وخلال استشارة طبية، فتحتُ نقاشًا مع طبيبي حول موانع الحمل. ورغم أنه يعرفني جيدًا، بل ويطّلع أحيانًا على ما تُرجم لي إلى الفرنسية أو الإنجليزية؛ قال فجأة "التعقيم شأن نسائي". استوقفتني العبارة. سألته عمّا يقصد، فأضاف "أتحدث خاصة عن العقلية العربية… وعن التونسيين".

فتحت هذه الجملة نقاشًا ذكرت خلاله أن تونس سبقتْ فرنسا مثلًا في تقنين الإجهاض سنة 1973، وأن إقراره في فرنسا نفسها جاء أيضًا بفضل نضالات عابرة للمتوسط، لعبت فيها التونسية جيزيل حليمي دورًا محوريًا.

هكذا، انكشفت بنية كاملة من التصوّرات الجندرية، التي تعيد تعريف النساء، خاصة نحن المهاجرات، من خلال اختزالنا في عقليات مفترضة، تُستدعى لتبرير الوصاية على أجسادنا ونزع الشرعية عن قراراتنا.

يصبح الطب أداةً لتنظيم الحياة نفسها: من يُنجب ومتى

لا تُقرأ هذه الوقائع بوصفها حالات فردية، بل باعتبارها بنية سلطوية أوسع يُنتزع فيها حق المهاجرات في اتخاذ القرارات بشأن أجسادهن، ويتقاطع فيها الجندر مع الهجرة والعرق والطبقة، فتُعامل أجسادنا بوصفها أجسادًا "مهاجرة"؛ أقل معرفة وأكثر قابلية للتوجيه.

جملة التعقيم شأن نسائي تعيد شرعنة تدخّل المؤسسة الطبية في أجسادهن

عبارة "التعقيم شأن نسائي" اختزال لمنظومة كاملة تُحمّل النساء مسؤولية الإنجاب دون منحهن سلطة القرار، وإن بدت إعادة لحصر المسؤولية في يد النساء، مقابل شرعنة تدخّل المؤسسة الطبية في أجسادهن، إلا إنها مسؤولية بلا تمكين، وقرار موجَّه أكثر مما هو مُتخَذ.

عندما تُوجَّه هذه العبارة إلى مهاجرة مثلي، فهي لا تُنتَج داخل فراغ دلالي، بل تحمّل بطبقات إضافية من الأحكام المسبقة تُختزل في قول الطبيب "أتحدث خاصة عن العقلية العربية، وعن التونسيين"، وهو ما يتلاقى مع ما تكشفه المصرية ياسمين من أنها في مرات عدة، وأثناء متابعة حملها، كانت مسألة كثرة الإنجاب تُطرح كثيرًا؛ "بسبب اللغة، لم أفهم كل التفاصيل جيدًا، لكن أتذكر أنهم كرّروا الإشارة إلى رقم 'مائة مليون نسمة' أكثر من مرة".

يمكن فهم هذا التحوّل من الرعاية إلى الوصاية عبر مفهوم السياسة الحيوية عند ميشيل فوكو، إذ يصبح الطب أداة لتنظيم الحياة نفسها: من يُنجب، ومتى. هكذا، يخفي الإجراء الروتيني نظامًا يعيد توزيع السلطة بشكل غير متكافئ، لدرجة أن تعتبر سوسن ما حدث معها "انتزاعًا لقرار الإنجاب"، ليكون "أي اختيار عن الإنجاب أو عدمه مُحدد مسبقًا من قبلهم".

بل لا داعيَ من الأصل لتفسير الأمور بشكلٍ كافٍ، كما تقول القابلة/الدولا التي رافقت حملي في المرتين، والتي تحاول أن تشرح لكل حامل ما يُعرض عليها؛ "كثير من الزملاء لا يفسّرون الأمور جيدًا. لذا أريد دائمًا توضيح ما يُقال وخاصة ما لا يُقال، حتى تشعر المرأة بحقها في الفهم قبل اتخاذ أي قرار". 

استمرارية المنطق اليوجيني

لا تنفصل هذه الممارسات عن تاريخ سياسات تحسين النسل/eugenics، التي سعت إلى تحديد من يستحق الإنجاب. ورغم تراجع خطابها الرسمي، استمر تمرير منطقها عبر لغة الرعاية والمصلحة العامة، مع الحفاظ على التحكم في خصوبة فئات تُعدّ عبئًا.

تُظهر دراساتٌ كيف استُخدم التعقيم القسري في الولايات المتحدة للسيطرة على النساء السود. لا يقتصر هذا الإرث على الماضي، إذ كُشفت ممارسات مشابهة في مراكز احتجاز المهاجرات. كما يظهر ذلك في سياقات أخرى، مثل ما كُشف عنه في إسرائيل بشأن فرض وسائل منع حمل طويلة المدى على نساء من أصول إثيوبية. 

كل التركيز على جسد المرأة بينما لا يُذكر أي شيء عن موانع الحمل للرجال

لا يعني هذا أن السياق الأوروبي يعيد إنتاج هذه السياسات بشكل مطابق، لكنه يظلّ محكومًا بمنطق قريب في بنيته. فبالنسبة للنساء المهاجرات القادمات من بلدان عربية، تُستعاد بعض التصوّرات في صيغ أكثر خفاءً، حيث يُقرأ الجسد من خلال خطاب ديموغرافي ضمني يربط بين الخصوبة والعبء الاجتماعي.

في هذا السياق، تشير القابلة/الدولا التي رافقت حملي إلى أن منطقة سين سان دوني، المعروفة بالكثافة السكانية المهاجرة، تشهد أحيانًا ممارسات تصفها بـ"الحدّية" داخل بعض المستشفيات؛ "لن أقول إنها سياسة مكتوبة، لكنها موجودة في الذهنيات. هناك أحيانًا استعجال في اقتراح وسائل منع حمل دائمة، خصوصًا مع نساء يُفترض أن لديهن عددًا كافيًا من الأطفال. في بعض الحالات، يُمرَّر القرار بسرعة، في لحظة لا تكون فيها المرأة قادرة على النقاش".

تتردد هذه الملاحظة في شهادات نساء أخريات؛ تقول نسرين إن "كل التركيز يكون على جسد المرأة، بينما لا يُذكر أي شيء عن موانع الحمل للرجال. يفترضون، بحكم أصلنا العربي، أن المسؤولية الإنجابية تقع علينا وحدنا، ويفترضون أيضًا، لأننا نساء، سنقبل بكل ما يُقرَّر لنا بينما يُستبعد الرجال سلفًا، لأنهم قد يعارضون".

غرفة الولادة: فضاء للسلطة

تصميم: يوسف أيمن

لحظة الولادة من أكثر اللحظات هشاشةً في حياة النساء، حيث يتداخل الجسدي بالنفسي، ويضيق هامش السيطرة على ما يحدث. في هذا السياق، تصبح مسألة "الموافقة" أكثر تعقيدًا؛ هل يمكن اعتبار الصمت موافقة؟ هل يمكن الحديث عن قرارٍ حرٍ في ظل غياب الشرح أو نقص المعلومات؟

بالنسبة المهاجرات تتفاقم هذه الإشكالية، فحواجز اللغة مثلًا تخلق وضعًا تصبح فيه "الموافقة" أقرب إلى امتثال صامت منها إلى اختيار واعٍ؛ تعمل الطبيبة التونسية منى في أحد المستشفيات الفرنسية، وتشهد يوميًا هذه الممارسات على أرض الواقع؛ "أرى النساء يمررن بلحظات لا يُمنح فيها المجال للأسئلة أو الشرح. أحاول دائمًا الترجمة وتوضيح كل خطوة، أقول وأكرر: لديكِ الحق أن تفهمي قبل أن تقرري".

أحيانًا تُجرى عمليات مثل شقوق العجان/episiotomy دون شرح مسبق، وفي بعض الحالات تُعطى النساء الحقن أو تُوضع اللوالب مباشرة بعد الولادة دون مناقشة. حسب منى "يُفترض أن المهاجرة ستوافق على كل ما يُقترح، بينما تُستثنى أي مسؤولية أو خيار للرجال".

ما يجعل هذه الممارسات صعبة الرصد هو طابعها الصامت؛ لا عنف مباشر ولا إكراه معلن، بل أفعال يومية تبدو عادية، تُخفي داخلها أشكالًا دقيقة من السيطرة تعيد تشكيل علاقة المهاجرات بأجسادهن وفق نظرة خارجية.

يمتد هذا المنطق بصيغ أكثر خفاءً إلى مسارات الهجرة، حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع الانتماء العربي وضعف الوصول إلى المعلومة، فتُقدَّم بعض التدخلات كخيارات بينما تُعاش كمسارات شبه مفروضة. وعند الوصول إلى أوروبا، تتأثر الرعاية بتصوّرات مسبقة حول الخصوبة المرتبطة بالنساء العربيات، فيصبح غياب الشرح عنصرًا لإعادة تشكيل القرار نفسه.

في المقابل، يكشف السياق التونسي أن هذه الممارسات لا يمكن اختزالها في حدود أوروبا أو نسبها حصريًا إلى بنية مرتبطة بـ"الرجل الأبيض". فالدعاوى التي ظهرت مؤخرًا حول فرض التعقيم أو وسائل منع الحمل على نساء مهاجرات من جنوب الصحراء تُظهر أن هذا المنطق يجد صداه في سياقات أخرى، حيث يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة.

هكذا، لا يمكن اختزال المسألة في خلل داخل نظام بعينه، بل يجب فهمها بنية عابرة للحدود، تتشكّل عند تقاطع الطب والسياسة والاقتصاد، وتُعيد إنتاج نفسها عبر أجسادنا، نحن النساء، كلما وُجدت فئات تُصنَّف بوصفها زائدة أو مشكلة.

لذلك لا يقتصر السؤال اليوم على: لماذا حدث هذا؟ بل يتجاوز ذلك إلى كيف نستعيد سيادتنا على هذا الجسد، حين يُعاد تشكيله باسم الرعاية؟ وكيف نكشف هذا المنطق حين يتخفّى، ونفكّكه حين يتكشّف؟