تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الحرمان الجنسي

نشوز الأزواج.. الحرمان الجنسي عقابًا للنساء

منشور الأربعاء 18 آذار/مارس 2026

"كان بيعاقبني بالشهور ويحرمني من أي عواطف ويدخل ينام في أوضة تانية كأني مجرد كرسي في البيت، علشان يجبرني أروح معاه مشوار مش حباه، أو يطالبني أجيب ميراثي في أبويا من أخواتي، مع إني باخد منهم أرباح، وفي مرة تانية بعد عني 6 شهور علشان يجبرني أنزل شغل وصحتي ماتسمحش رغم إنه مهندس ومعاه ماجستير وناجح ومتحقق"؛ تبوح سحر عبد الرحمن(*) بسرِّها الذي لم تخبر به أحدًا.

يحصل زوج سحر التي تقيم بمدينتي بشرق القاهرة على متعته الجنسية عبر طرق أخرى؛ "كنت بستغرب إزاي راجل زيه يعيش من غير علاقة 3 سنين، لحد ما اكتشفت إنه عنده علاقات تانية"، تقول لـ المنصة.

تعرف سحر الحاصلة على درجة الدكتوراه، الباغة من العمر 32 سنة، أنها تتعرض لنوع من العنف، لكنها لا تملك الشجاعة الكافية لتصرح لدائرتها القريبة بما تعيشه.

وسط حملات التوعية بمخاطر الاغتصاب الزوجي، في ظل تصالح مجتمعي معه باعتباره حقًا مطلقًا للزوج، نواجه خطرًا آخر، هو الهجر في السرير أو الصمت العقابي، بحيث يلوح الرجال الذين يستخدمون الحرمان الجنسي عقابًا، بالاكتفاء بإمتاع الذات "العادة السرية"، أو يصل الأمر للخيانة.

عنف مسكوت عنه

تزوجت سلوى (35 عامًا) بعد قصة حب تحكى عن كيف نجح زوجها في إقناع أهلها بالموافقة عليه. هو أقل منها في التعليم والوظيفة، رغم ذلك عاشت معه وأنجبت ولدين، لكنها فقدت حيويتها وإشراقتها ليس بسبب الحمل والولادة إنما بسبب معاملة زوجها، الذي حرمها من العلاقة الزوجية لخمسة أعوام.

"أصله شايفني عنيدة وعايز يكسر شخصيتي"؛ رغم ذلك حاولت سلوى، التي تعمل صحفية، وتقيم بحي عين شمس بالقاهرة، مسايرة زوجها؛ "خدت إجازة بدون مرتب علشان أرضيه وبرضه مفيش فايدة حاسس إني أعلي منه وعايز يذلني بأي شكل".

نقص الحميمية وعدم الرضا الجنسي يمكن أن يؤديا إلى شعور بالإحباط والتوتر وقلة التوافق بين الزوجين

مرت 3 سنوات قبل أن تبدأ سلوى في مطالبة زوجها بحقها في علاقة حميمية بلا برود أو تجاهل، وعندها "قرر يعاقبني أكتر وحرمني من أي قرب جسدي أو حتى مشاعر"، كما تقول لـ المنصة، وهو ما فاقم من المشاكل التي استمرت نحو عام ونصف العام وانتهت بالطلاق.

تعتبر هالة حماد، الأخصائية النفسية الإكلينيكية، استخدام العلاقة الحميمية للعقاب، أو الإذلال، أو الإجبار على سلوك ترفضه الزوجة، نوعًا من العنف الجنسي المسكوت عنه، يفقدها الثقة بنفسها ويمتهن كرامتها، وقد يصل الأمر إلى مشاعر ذنب وقلق شديد وحزن تصل للاكتئاب.

"العلاقة الجنسية أحد أهم أعمدة الزواج، وغيابها باختيار طرف واحد يتسبب في فتور وحزن وصدمة، لأنه يفقدها حقها في الإشباع النفسي والعاطفي والجنسي، وهو ما تنشأ عنه خلافات وتحفز بين الطرفين وبالتدريج تصل لطريق مسدود تنتهي بالطلاق"، تقول لـ المنصة.

تشير دراسة منشورة في International Journal of Preventive Medicine إلى أن نقص الحميمية الجنسية، وعدم الرضا الجنسي، يمكن أن يؤديا إلى شعور بالإحباط والتوتر وقلة التوافق بين الزوجين، وهي عوامل تسهم في فشل العلاقة الزوجية/الطلاق في نهاية المطاف.

طلاق للضرر

الطلاق

رغم أن الهجر داخل المسكن شكل من أشكال العنف النفسي أو الإهمال العاطفي طويل الأمد، لكنه لا يُعرَّف صراحة في القانون بوصفه عنفًا أسريًا مستقلًا، بل يُعالج كضرر عام، وهذا ما يقلل من الاعتراف المؤسسي بالأذى النفسي الذي تتحمله الزوجة، ويؤخر الحماية القضائية.

وحسب أحمد أبو المجد المحامي والباحث الحقوقي، يُعدّ الهجر أحد صور الضرر المبيح للتطليق في قانون الأحوال الشخصية المصري، ويقصد به انقطاع الزوج عن المعاشرة الزوجية والإقامة المشتركة دون مبرر مشروع، بما يلحق ضررًا بالزوجة.

يوضح أبو المجد لـ المنصة أن الهجر يقع رغم بقاء الزوجين في مسكن واحد، ولا يشترط مغادرة المنزل ويُثبت قانونًا بكل طرق الإثبات، خاصة شهادة الشهود والتقارير الاجتماعية والقرائن التي تدل على انقطاع المعاشرة والحياة الزوجية (مثل النوم المنفصل أو القطيعة الكاملة). 

ويشير إلى أن المادة 6 من قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985 قررت أنه "إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يُستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما، جاز لها أن تطلب من القاضي التفريق، إذا ثبت الضرر وعجز عن الإصلاح بينهما"، ويُعدّ الهجر صورة واضحة من صور هذا الضرر متى أدى إلى استحالة استمرار الحياة الزوجية، إذ استقر القضاء على اعتبار الهجر المعنوي أو داخل المسكن ضررًا يبيح التطليق.

يلمح الباحث الحقوقي إلى الفجوة الجندرية في قانون الأحوال الشخصية المصري؛ "فبينما يملك الزوج آلية قانونية مباشرة وذات آثار مالية فورية لإثبات نشوز الزوجة (دعوى الطاعة وسقوط النفقة)، لا تمتلك الزوجة توصيفًا قانونيًا موازٍ لـنشوز الزوج، بل تضطر لإثبات الهجر بوصفه ضررًا، وهو مسار أصعب إثباتًا وأطول زمنًا وأقل حماية فورية. لأنه يقع في المجال الخاص غير المرئي، ما يفرض على الزوجة عبئًا ثقيلًا لإثباته".

قيود كثيرة تسعى المرأة للتحرر منها في المجتمعات الشرقية

عمليًا، تكون النساء أقل قدرة على إنتاج هذه الأدلة بسبب طبيعة الخصوصية المنزلية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بكشف الحياة الزوجية، في حين يكفي الزوج إنذار طاعة رسمي لنقل عبء الإثبات إلى الزوجة. 

"فكرة العقاب بالحرمان الجنسي منتشرة بس الستات مش بتتكلم فيها غير بالتلميح من بعيد"؛ تقول هدى السعدي مقررة المجلس القومي للمرأة في قنا، مؤكدة على أن العقاب بالحرمان الجنسي يعد تابوه خصوصًا في الصعيد، ويفتح الباب أمام الرجال للمساومة وقهر زوجاتهم.

تشير هدى إلى أنها في دائرتها الشخصية ترجع معظم حالات الطلاق لعدم تلبية الزوج احتياجات زوجته الجنسية؛ "الستات ما اتعودوش يطالبوا باحتياجتهم الجنسية، ده لو البنت اترملت وهي في العشرين وفكرت تتجوز تاني هتلاقي لوم اجتماعي واسع"، تقول لـ المنصة.

الجنس سلاحًا للابتزاز

تزوجت كريمة، 29 عامًا، من نقاش، ورغم شكواها من بخله في فترة الخطوبة أقنعتها والدتها بإتمام الزواج بدعوى أنه سيتغير. "بيشتغل يوم وعشرة لأ"؛ تحول البخل إلى طمع في معاش والدها وبدأ في استخدام الحرمان الجنسي كسلاح تهديد. 

"يا إما أجيب مصروف من أبويا أو يمتنع عني، وبعدين التهديد بقى يا تنزلي تشتغلي وتجيبي فلوس يا مش هقرب منك"، تقول كريمة لـ المنصة.

على مدار عامين، عاشت الزوجة ذات الـ29 عامًا الحرمان الجنسي العقابي، خاصة مع صعوبة حصولها على عمل مناسب، إذ تحمل شهادة متوسطة، كما أنها أنجبت طفلًا غير مكتمل النمو يضطرها إلى "اللف على المستشفيات"، لتفاجأ بتصرف زوجها، "اتجوز عليا عشان عنده احتياجات مش عارفة ألبيها". حصلت كريمة بعدها على الطلاق بعد جلسة عرفية تنازلت فيها عن قائمة منقولاتها "حتى هدومي وهدوم ابني". 

سلاح فتاك

"بينما يتفاخر الرجل بالزواج من أخرى لأن الأولى لا تشبع رغباته، لا تستطيع المرأة البوح بتقصير الرجل"، تقول هدى السعدي مشيرة لانتشار "التجويع والحرمان" ولكن مثل هذه الأمور لا تظهر للعلن لأن "الستات مش بتقدر تتكلم ولا احنا نقدر نتكلم عنه في ندوات المجلس القومي للمرأة".

يزيد من عمق المشكلة تجنب النساء التعبير عن احتياجاتهن في العلاقة خشية الشك والوصم، في ثقافتنا،  كما تؤكد هدى، لا يملك الرجل مهارة الاعتذار أو حتى التعبير عن مشاعره لزوجته حتى لا تتمرد عليه لذلك يعاقبها بالابتعاد والحرمان.

الحل يكمن في التثقيف الجنسي والوعي بالحق في إقامة علاقة جنسية متوازنة والحق في المتعة والمطالبة باحتياجاتها

تقدر إيمان محمد مديرة إدارة حالة وإخصائية اجتماعية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن نحو 20% من حالات الطلاق يكون السبب فيها الحرمان الجنسي، هذا رغم أن "كتير من الستات اللي بيحصل معاهم كده مش بيتكلموا عشان ثقافة العيب، ومنهم اللي مش عارفة إنها كده بتتعرض لعنف".

من خلال عمل إيمان مع المستفيدات في المؤسسة، رأت الحرمان الجنسي سببًا واضحًا للطلاق؛ لكن معظم النساء "مش بيرضوا يتكلموا حتى لما بسألها بتقولي مش ده المهم، هو مبيصرفش لكن بيظهر لما تتكلم عن الخيانة وإنه حارمها من الاهتمام والعواطف". 

تؤكد إيمان لـ المنصة على أن استخدام الرجل لهذا السلاح نابعٌ من شعوره بالاستحقاق "وكمان ضامن وجودها حتى لو بعد وراح بسط نفسه هيرجع يلاقيها".

تنكشف أغلب حالات الحرمان الجنسي بعد الطلاق، حسب ما تقول دكتورة راندا فخر الدين استشاري النساء والتوليد ومستشارة الصحة الجنسية والإنجابية، وعليه فالحل يكمن في التثقيف الجنسي، والوعي بالحق في إقامة علاقة جنسية متوازنة والحق في المتعة والمطالبة باحتياجاتها.

تنصح إيمان المعنفات في حال اعترافهن بما يتعرضن له بالحوار مع شريكها لأن "أي طرف في القضية بيجرح رجولة الراجل وما فيش حاجة بتتصلح". مضيفة إلى أنه أحيانًا ما تؤتي هذه الطريقة ثمارها، لكن في الغالب تصل هذه الزواجات إلى طريق مسدود لتبدأ إجراءات الطلاق. 

عندما يصبح الحديث عن الجنس أمرًا مباحًا ستعبر المرأة عن نفسها وتكسر دائرة الصمت والعنف، وتصبح قادرة على أن تتحدث عما تتعرض له من أذى، كما فعلت سلوى التي اتخذت قرارها النهائي بالطلاق وقطع إجازتها والعودة للعمل بالجريدة حتى تنقذ مستقبلها، وتنجو من آثار الحرمان الجنسي التي تصفها سحر؛ "ثقتي في نفسي اتدمرت، وأحيانًا بشك إني أنا اللي غلطانة" فيما لا تقوى على طلب الطلاق الذي لن تتحمل تكاليفه.


(*) اسم مستعار بناءً على طلب المصدر