بين "المفوضية" و"اللجنة الوطنية".. طريق لا يعرفه مليون لاجئ
لا يدري آدم عادل(*)، اللاجئ السوداني البالغ 47 عامًا، ما تخبئ له الأيام المقبلة، فـ"بطاقة المفوضية" التي يحملها كإثبات وحيد على موقفه القانوني ستنتهي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهو الآن في انتظار موعد تجديدها.
ولأننا أمام وضع جديد يفرضه انتقال ملف اللجوء في مصر من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، فإن آدم لا يعرف حتى الآن كيف سيؤثر ذلك على وضعه المستقبلي.
ورغم دخول اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين حيز النفاذ القانوني بما يعني أنها وحدها المخولة ملف اللجوء، فإن المفوضية التابعة للأمم المتحدة لا تزال تطلب من اللاجئين وطالبي اللجوء التوجه إليها للحصول على خدمات التسجيل والحماية، وهو ما يخلق حالة تشتت لدى أكثر من مليون لاجئ لم يعودوا يعرفون الوجهة التي يقصدونها لترتيب أوضاعهم.
وسط هذه الارتباكات يخشى آدم، الذي أتى إلى مصر قبل ثلاث سنوات هربًا من الحرب في السودان، انتهاء بطاقة المفوضية قبل استكمال إجراءات التجديد، فحدوث هذا "ولو ليوم واحد" قد يعني التوقيف أو الاحتجاز بانتظار الترحيل.
هنا يجب الانتباه إلى أن استخراج بطاقة المفوضية واستكمال إجراءات الإقامة مساران منفصلان تمامًا، فبطاقة المفوضية تثبت فقط أن حاملها مسجل كلاجئ، أما الإقامة فتصدرها وزارة الداخلية عبر إجراء إداري مختلف، لا علاقة له بالمفوضية ولا باللجنة الدائمة. مع ذلك فلا إقامة دون بطاقة تسجيل، إذ يُمنح الحاصل على صفة اللاجئ من المفوضية رقمًا مرجعيًّا وموعدًا للتوجه به إلى إدارة الجوازات والهجرة لبدء إجراءات الإقامة.
إلى أي باب نذهب؟
سبق لآدم أن أطلع المفوضية على تفاصيل حياته كلها؛ أسماء أفراد أسرته، عنوانه، وغيرها مما يخشى إطلاع اللجنة الوطنية الدائمة عليه، وهو في ذلك لا يعترض على تنظيم الدولة ملف اللجوء، كما يقول لـ المنصة، لكنه يتساءل عمّن سيحمي هذه البيانات، وكيف ستُستخدم، وما الضمانات التي تمنع تحولها إلى سبب للاحتجاز أو الترحيل.
يمتد قلق اللاجئ الذي كان يعمل نجارًا وأصيب في يده ما أقعده عن العمل، إلى ما يمكن أن يحدث إذا انتهت وثائقه قبل اتضاح الترتيبات الجديدة، وهو نفس ما يخشاه عشرات الآلاف من اللاجئين الذين اقتربت وثائقهم من الانتهاء، ولم تتوفر بعد المعلومات الكافية عن عمل اللجنة الدائمة، وما ترتبه لهم.
"الأمور ما زالت غامضة إلى حد كبير. لا نعرف مقر اللجنة الدائمة، ولا نعرف هل سيستمر كل من لديه صفة لاجئ بهذه الصفة"؛ تقول غادة عمر(*) التي كانت تعمل سابقًا في وزارة الخارجية السودانية، وأتت إلى مصر مع أولادها بعد إصابة أحد أبنائها بثلاث رصاصات، وتؤكد لـ المنصة على أن بطاقة المفوضية وإجراءات الإقامة جزء أساسي من محاولتها الحفاظ على استقرار الأسرة واستمرار علاج ابنها.
أما ليث سهيل(*)، وهو لاجئ سوري، طلب عدم نشر اسمه، فيصف انتقال الملف من المفوضية إلى اللجنة الدائمة بأنه "سلاح ذو حدين"، ويرى أن تولي الدولة ملف اللجوء قد يتيح مزايا مثل إصدار وثائق سفر، لكنه يخشى في المقابل من أن يؤدي إلى تشدد أكبر في قبول طلبات اللجوء أو رفض ملفات لا يعرف أصحابها كيف يطعنون عليها أو يدافعون عنها.
بين النفاذ والتشغيل
لا تقف مخاوف اللاجئين عند ما يتعلق بتجديد البطاقات وحدها. فمنذ دخول اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء الجديد حيز التنفيذ، والجانب الأكبر من التفاصيل التشغيلية لنقل اختصاصات المفوضية غير معلن.
وصدر قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد نحو عام ونصف العام من موافقة الحكومة على مشروعه في يونيو/حزيران 2023، لينشأ للمرة الأولى نظام وطني تتولى من خلاله لجنة حكومية تسجيل طالبي اللجوء والبت في طلباتهم وإدارة بياناتهم، وهي مهام اضطلعت بها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعقود بموجب ترتيب يعود إلى عام 1954.
وبدأ إعداد القانون بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 وما تبعها من تدفق واسع للسودانيين إلى مصر، بالتزامن مع تصاعد حديث الحكومة عن استضافتها ملايين الأجانب وما تتحمله من أعباء اقتصادية، ومع توسع تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة مقابل مساعدات وتمويلات. ومن ثم جاء القانون في سياق سعي الدولة إلى تولي إدارة ملف اللجوء وبياناته مباشرة، وحصر أعداد اللاجئين وتنظيم أوضاعهم، بالتوازي مع مطالبة المجتمع الدولي بتقاسم تكلفة استضافتهم.
وفي 21 أغسطس/آب 2026، دخلت اللائحة التنفيذية المنظمة لعمل اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، المُنشأة بموجب القرار رقم 1568 لسنة 2026، حيز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر من نشرها في الجريدة الرسمية، وهي المهلة التي حددتها اللائحة لبدء عمل اللجنة، مع إمكانية مدها ثلاثة أشهر إضافية لمرة واحدة.
لكن بدء النفاذ القانوني شيء، واستعداد اللجنة عمليًا لاستقبال ملفات أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء مسجل لدى المفوضية شيء آخر، إذ لم يُعلن جدولٌ زمنيٌّ تفصيليٌّ لانتقال الاختصاصات، أو آلية واضحة لاستقبال اللجنة الطلبات الجديدة وتجديد الوثائق خلال الفترة الانتقالية.
يشير الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية كريم عنارة إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجه اللاجئين لا تكمن في بدء نفاذ اللائحة، إنما في الفرق بين هذا التاريخ واللحظة التي تصبح فيها اللجنة قادرة فعليًا على ممارسة جميع اختصاصاتها.
ويؤكد لـ المنصة أن المعلن رسميًّا حتى الآن لا يتجاوز تعيين رئيس للجنة، بينما لا توجد معلومات مكتملة عن باقي تشكيلها أو مقرها أو جاهزية أمانتها الفنية، التي يقع عليها جزء أساسي من العمل القانوني والإداري المتعلق بملفات اللاجئين.
وفي فبراير/شباط 2026، عيّن رئيس الوزراء السفير صلاح الدين عبد الصادق أحمد رئيسًا للجنة لمدة أربع سنوات، وينص قانون لجوء الأجانب على أن تضم اللجنة ممثلين عن وزارات الخارجية والعدل والداخلية والمالية لمدة أربع سنوات، على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتسمية رئيسها وأعضائها وتنظيم عملها.
يعتبر عنارة أن الخطر الأكبر يتمثل في غياب ترتيبات انتقالية واضحة تكفل ألا يقع اللاجئون وطالبو اللجوء في وضع "غير قانوني أو غير منتظم بشكل قسري" بسبب انتهاء وثائقهم في وقت لم تبدأ فيه اللجنة الجديدة بعد إصدار وثائق بديلة.
وطالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأن تمتد المرحلة الانتقالية لفترة تعمل خلالها المفوضية واللجنة بالتوازي، بحيث لا ينتهي دور الأولى قبل أن تصبح الثانية قادرة فعليًّا على استقبال الطلبات وإصدار الوثائق.
ويشير عنارة هنا إلى تجارب دول من بينها تركيا وإثيوبيا وأوغندا، حيث لم يؤدِّ انتقال مسؤوليات التسجيل وتحديد صفة اللاجئ إلى المؤسسات الوطنية لتوقف دور المفوضية فورًا، بل صاحبه عمل مشترك لفترات متفاوتة شمل تدريب الموظفين، وتطوير إجراءات تحديد صفة اللاجئ، ونقل أنظمة التسجيل والبيانات، وتقديم الدعم الفني والمراقبة، قبل أن تتوسع السلطات الوطنية تدريجيًا في تولي هذه المهام.
ويقدّر الباحث بالمفوضية بأن أكثر من 80% من اللاجئين لا يحملون حاليًا إقامات سارية، بسبب طول الإجراءات لدى وزارة الداخلية، التي قد تصل إلى نحو عامين، مطالبًا بأن تكون الوثائق التي تصدرها اللجنة الجديدة كافية بذاتها لضمان الوضع القانوني للاجئ دون الحاجة إلى المرور بإجراءات إضافية طويلة للحصول على الإقامة.
وفيما يتعلق بالمساعدات المالية، ينفي عنارة تصورًا شائعًا بأن جميع المسجلين لدى المفوضية يحصلون على دعم مالي، موضحًا أن الأغلبية لا تتلقى مساعدات نقدية، وأن الوظيفة الأساسية التي تنتقل إلى اللجنة هي تسجيل طلبات اللجوء وتحديد الصفة والحماية القانونية، لا المساعدات المحدودة التي تقدمها المفوضية لبعض الحالات.
بينما تؤكد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان مي التلاوي، متحدثة بصفتها الشخصية لا باسم المجلس، أن المرحلة الانتقالية تحتاج قبل أي شيء إلى وضوح الجهة المسؤولة عن كل إجراء.
وتقول لـ المنصة إن "بعض المخاوف مرتبطة بحالة عدم اليقين التي يعيشها لاجئون بشأن الإقامة والتسجيل وتجديد الوثائق، ولذلك نحتاج إلى إجراءات واضحة ومعلنة، وأن يعرف كل لاجئ إلى أين يتوجه وماذا يفعل في حال تأخر معاملته أو واجه مشكلة".
وتضيف أن وجود إطار قانوني للانتقال لا يغني عن وضوح تطبيقه على الأرض، فـ"اللاجئ يحتاج ببساطة أن يعرف من المسؤول عن تسجيله وتجديد وثيقته وإقامته، وماذا يفعل إذا واجه مشكلة".
المفوضية مستمرة "في الوقت الحالي"
ردت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أسئلة المنصة، مؤكدة أن انتقال مسؤوليات اللجوء إلى اللجنة الدائمة "عملية جارية"، وأنها تواصل التنسيق مع الجهات المصرية المعنية.
وأشارت المفوضية إلى أنه في الوقت الحالي، لا يزال اللاجئون وطالبو اللجوء يتوجهون إلى المفوضية للحصول على الحماية والمساعدة، وهي بدورها تواصل تقديم الدعم في إطار ولايتها، بما في ذلك من خلال خدمات التسجيل والحماية، والمساعدة المُقدَّمة عبر الشركاء.
وأكدت كذلك أن بطاقات اللاجئين وطالبي اللجوء السارية التي أصدرتها تظل صالحة حتى انتهاء مدتها، أو إلى حين إصدار اللجنة الدائمة وثائقها وبطاقاتها الجديدة، أيهما أقرب، استنادًا إلى المادة الثانية من اللائحة التنفيذية.
لكن الرد لم يحدد جدولًا زمنيًا لانتقال الاختصاصات المختلفة، أو موعدًا لبدء اللجنة استقبال الطلبات، أو مصير المواعيد المسجلة مسبقًا، أو الإجراءات التي ستُطبق إذا انتهت وثيقة لاجئ أثناء الفترة الانتقالية، بينما اقتصر حديثها على أن "الترتيبات التشغيلية لنقل الوظائف المختلفة لا تزال قيد التنسيق مع الجهات المعنية"، لذلك لا يمكنها التعليق على "جداول زمنية أو ترتيبات محددة تتجاوز ما تم الإعلان عنه رسميًّا".
وتواصلت المنصة مع الجهات الحكومية المعنية، بينها اللجنة الدائمة ووزارتا الخارجية والداخلية، للاستفسار عن مقر اللجنة، وتشكيلها الكامل، واكتمال أمانتها الفنية، وموعد بدء استقبال الملفات، وكيفية التعامل مع الوثائق التي تنتهي خلال المرحلة الانتقالية، لكنها لم تتلق ردًا حتى وقت النشر.
بالنسبة إلى آدم، الإجراء المباشر لم يتغير بعد، فمن المفترض أن ينتظر موعد المفوضية لتجديد بطاقته واستكمال إجراءات الإقامة بالطريقة المعمول بها حاليًا، لكنه لا يعرف ماذا سيحدث إذا بدأ الانتقال قبل انتهاء معاملته، وكيف يجري ذلك دون فجوة في الوثائق والحماية؟
(*) أسماء مستعارة لحماية المصادر