سؤال لا علاقة له بكرة القدم: كم منتخبًا شارك في كأس العالم عبر تاريخه؟
كم منتخبًا شارك في مسابقة كأس العالم عبر تاريخها الممتد لما يقرب من قرن؟
قد يبدو هذا السؤال كرويًّا يهم هواة الإحصاءات والأرقام القياسية منها وغير القياسية، وهو بالفعل كذلك من حيث المبدأ، إلا أن الوصول لإجابة عنه لا بد أن يمر عبر مفاهيم تاريخية وثقافية واقتصادية، بل وربما فلسفية، إذ يرتبط الأمر بالإجابة عن سؤال: على أي أساس نعتبر هذه دولةً، ولا نعتبر تلك بالمثل؟
المعلوم بالضرورة أن المسابقة التي نحتفل في نسختها المقبلة بمئويتها هي منافسة بين فرق؛ كل فرقة منها "منتخب" يمثل دولة ما، وكل منتخب له "تاريخ"، فنقول إن منتخب البرازيل الأكثر حصدًا للألقاب، ومنتخب كذا أكبر إنجازاته الوصول لدور الكيت، لكننا نعلم كذلك أنه عبر مائة عام من التفاعلات والصراعات والحروب هناك دول نشأت وأخرى انهارت؛ دول تفككت وأخرى اندمجت وأخرى تبدل حالها بين الاندماج والتفكك عدة مرات، فما معنى قولنا إن هذا "المنتخب" حقق ذاك الإنجاز؟
توريث المنتخبات
لنبدأ بمنتخب "يوغسلافيا" الذي ظهر في النسخة الأولى، ممثلًا للمنطقة التي تضم خليطًا مدهشًا من الأعراق والديانات والطوائف. صحيح أنهم يجمعهم أنهم سلافيون من نسل الصقالبة، لكن حتى سكان المنطقة أنفسهم مختلفون فيمن ينتمي لمن؟ ومن يعتبر من ينتمي له، حتى إن تتبع تاريخ كل جماعة يعد أمرًا مرهقًا من حيث الفهم العام والخطوط العريضة لا التفاصيل.
في 1930، مثّل منتخب يوغسلافيا "المملكة" التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الأولى. هذه المملكة أعزك الله تضم جماعات متباينة كالصرب والكروات والألبان وغيرهم، وهي ليست بالضبط الدول التي نعرفها الآن، إذا لم يكن قبل ذلك هناك "دول" بمفهومنا اليوم، ووصل هذا الفريق وقتها إلى نصف النهائي.
في النسختين التاليتين (1934 و1938) لم يشارك هذا المنتخب، إذ إن المملكة نفسها تمزعت أثناء الحرب العالمية الثانية وقبلها وبعدها بقليل، ولم تستقر على وضع واحد وأغلبها وقع تحت الاحتلال، ولم يتضح ما مستقبلها، ولا ما إذا كانت يوغسلافيا ستبقى أم تفتت.
في النسخة الرابعة 1950 ظهر اسم منتخب يوغسلافيا مجددًا، لكنه هذه المرة مثّل جمهورية يوغسلافيا الاتحادية، تحت قيادة جوزيف بروز تيتو، هذه الجمهورية، ذات العلم الواحد والنشيد الواحد، مكونة من جماعات تختلف عن الجماعات المكونة لمملكة يوغسلافيا السابقة، وحقق الفريق نتائج جيدة بدايًة من تلك النسخة، ولعدة نسخ تالية.
موقع فيفا لا يذكر أي معايير لاحتساب نتائج المنتخبات ولا قوانين أو قواعد رسمية إنما هي نظرة ثقافية اجتماعية
لكن في عام 1980 رحل تيتو، لتظهر أزمات اقتصادية وسياسية، وتدخل المنطقة خلال سنوات صراعات دموية وحروبًا ونزاعات سياسية، ومع مطلع التسعينيات تبدأ الجمهورية في التفكك، غير أنها لم تتفكك إلى الدول المعروفة الآن دفعة واحدة، وإذا عدنا للكرة، فقد شهدنا فترات ونسخًا من المونديال، لعب فيها منتخب "سلوفينيا" ومنتخب "كرواتيا" وفي الوقت نفسه كان منتخب يوغسلافيا موجودًا!
في النهاية استمر التفكك حتى اختفى منتخب يوغسلافيا تمامًا، وأصبح لدينا عدة منتخبات مختلفة؛ صربيا منتخب، ومونتينيجرو منتخب، وكرواتيا وسلوفينيا.. إلخ إلخ.
السؤال الآن، من الناحية التاريخية والرقمية، ما مصير نتائج منتخب يوغسلافيا؟ هل تضاف لتاريخ الدول القائمة حاليًا؟ هل تعتبر رقمًا منفصلًا؟ كيف نتعامل معها؟ لنذهب لموقع فيفا الرسمي، لنجد أنه يحتسب نتائج يوغسلافيا لـ"صربيا" منفردة دونًا عن بقية الدول، بمعنى أنه عندما وصلت كرواتيا لنصف النهائي، فهي المرة الأولى لها، بينما إن وصلت صربيا لهذا الدور فهو للمرة الثالثة باحتساب المرتين اللتين وصلت فيهما يوغسلافيا للدور نفسه
لِمَ؟ هكذا، بدون لِمَِ؟ الموقع لا يذكر أي معايير لاحتساب نتائج المنتخبات، ولا قوانين أو قواعد رسمية، إنما هي نظرة ثقافية اجتماعية سائدة تعتبر أن التجمع اليوغسلافي، سواء كان مملكة أو جمهورية، هو بمعنى احتلال صربي للقوميات الأخرى، وليس اتحادًا حرًا، كما أنه يعطي خصوصية لجماعة الكروات والسلوفينيين حتى ما قبل نشوء الاتحاد.
لنفتش عن حالات أخرى ربما وجدنا معيارًا يستند إليه "فيفا"، هنا نجد تشابهًا في حالة "الاتحاد السوفيتي"، الذي ورثت نتائجه روسيا، بينما تاريخ أوكرانيا مستقل، ونتائجه منفصلة، وهو أمر مفهوم، ونجد النسق نفسه وإن كان غريبًا في حالة منتخب تشيكوسلوفاكيا، التي ورث نتائجه منتخب التشيك، دون السلوفاكي، فهل وجدنا أخيرًا طريقة؟
حلٌ آخر
الواقع أن هذا ليس صحيحًا، لأننا نجد على الموقع ما يطلق عليه "المنتخب التاريخي" الذي لا يرثه أحد، وهو ما استقر عليه الأمر بالنسبة للمنتخب الذي واجهه المنتخب المصري في تصفيات مونديال 1934.
حتى وقت قريب، كان "فيفا" يعتبر منتخب "إسرائيل" وريث ذلك المنتخب، ويضيف له نتائجه، غير أن الوضع تغير الآن، وصار هناك منتخب فلسطين البريطانية مع إشارة إلى أنه منتخب تاريخي لم يعد له وجود، لا يرثه منتخب إسرائيل الحالي ولا منتخب فلسطين، ومرة أخرى دون ذكر أسباب، ليطرح السؤال نفسه: لم لا يعتبر منتخب يوغسلافيا منتخبًا تاريخيًّا؟ لا ندري.
موقع "فيفا" حاسم.. ألمانيا الغربية وحدها تنفرد بإضافة نتائج منتخب ألمانيا
بالنظر لكرة القدم وتاريخها، يعتبر منتخب ألمانيا الحالة الأبرز. نردد تاريخه المحفوظ بأنه حصد 4 ألقاب، وخاض النهائي في ثماني مناسبات وغيرها من الأرقام المعروفة، لكن مهلًا، أي ألمانيا نقصد؟
نحن نعلم أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية انقسمت ألمانيا، والمنتخب الواحد صار ثلاثة: ألمانيا الاتحادية (الشهيرة بـ"ألمانيا الغربية")، وألمانيا الديمقراطية (الشهيرة بـ"ألمانيا الشرقية")، ومنتخب السارلاند، وكان كل منتخب مستقلًا، بل إن منتخب ألمانيا الغربية واجه منتخب ألمانيا الشرقية في مباراة رسمية بنسخة مونديال 1974، وفازت الأخيرة بهدف.
انضم منتخب السار سريعًا لمنتخب ألمانيا الغربية، لتبقى الغربية والشرقية حتى انهيار سور برلين وعودة الوحدة في 1990، فعندما نتحدث عن منتخب ألمانيا، أي واحدة نقصد؟
موقع "فيفا" حاسم، ألمانيا الغربية وحدها تنفرد بإضافة نتائج منتخب ألمانيا لها، فيما يشير لألمانيا الشرقية والسار باعتبارهما "منتخبين تاريخيين"، ونحن نعد هذا امتدادًا لرؤية الغرب عن ألمانيا نفسها، فألمانيا الغربية وحدها هي التي حظيت باعتراف المعسكر الغربي لفترة طويلة حتى حدث تفاهم منقوص أوائل السبعينيات لم يغير ما في القلب، وعند عودة الاتحاد افترض "العالم" أن ألمانيا الديمقراطية هي والعدم سواء، كأنها لم تقم من الأساس.
مزيد من التتبع لموقع فيفا يؤكد غياب أي معيار، وأن الأمر خاضعٌ برمته للاعتبارات الثقافية السائدة حسب رؤية الدول الكبرى، ففي حين تُضاف نتائج منتخب "جزر الهند الشرقية الهولندية" لمنتخب إندونيسيا، واعتبار ما حدث مجردَ تغيير في الاسم، لا نجد الوضع نفسه مع الكونغو الديمقراطية التي لا تُضاف لها نتائج منتخب زائير.
أخيرًا، الحمد لله على نعمة مصر، فهي من الدول القلائل التي نجت من هذا، حتى إنجلترا، هناك منتخب "بريطانيا"، وهو منتخب تاريخي لم يعد له وجود، غير أن هذا حديث آخر.
