في كأس العالم قدمنا العادي.. وتلك هي المعجزة
يستخدم عموم جماهير كرة القدم مفرادت مثل الجودة/الكواليتي والمستوى والأداء، باعتبارها مترادفات يصلح كل منها أن يحل محل الآخر، والمعنى ما يقدمه اللاعب (أو الفريق) داخل المستطيل الأخضر أثناء الدقائق التسعين مع الوقت بدل الضائع، على أننا نرى هناك ضرورة للتفرقة بين تلك المفاهيم، كمدخل للإجابة على سؤال: ماذا قدم المنتخب المصري في كأس العالم؟
الجودة، فيما نرى، هي الإمكانات "المحتملة" للاعب أو الفريق المتوقع أن يصل إليها بعد عمليات التجهيز والتحضير، بناء على التركيبة الحالية، أي أننا نقيس الجودة قبل فترة الإعداد، ولنأخذ مثالًا:
نحن الآن في فترة الإعداد لغالبية أندية العالم، معظمها يجري مباريات ودية، لا يمكنك بالطبع الحكم على اللاعب (أو الفريق) من هذه المباراة، فهذا ليس "مستواه"، غير أن هذا لا يعني أن ذلك اللاعب قد يصل بالتحضير إلى أي مستوى، لاعب كبير في السن مثلًا، قلّت جودته، فمهما بلغ من الإتقان والاجتهاد في التدريب، هناك "سقف" لا يمكنه تجاوزه، لا نقصد المهارة فحسب، بل العطاء البدني والذهني والفني وإلخ إلخ.
الممكن والمتحقق
المستوى هو ما وصل إليه فعلًا اللاعب (أو الفريق) بعد عملية التحضير والتجهيز، المستوى هو نتاج الجهد المبذول من كل العناصر، اللاعبين أنفسهم، والأجهزة الفنية والطبية وحتى الإدارية، كذا محللي الأداء وكل من هو داخل المنظومة وله عمل. والمستوى قد يكون معبرًا عن الجودة إذا كانت عملية التجهيز متقنة، وقد تكون أقل بنسب مختلفة لعيوب في التحضير، لكنها لا تستطيع أن تتجاوز الجودة بأي حال من الأحوال، أما الأداء فهو ما نشاهده في التسعين دقيقة، وقد يكون مكافئًا للمستوى، أو أقل منه لاعتبارات لا حصر لها، منها ظروف المعيشة يوم اللقاء من أكل ونوم وطقس وما إلى ذلك.
إذًا، كل فريق محكوم بجودة القاعدة المتاحة من اللاعبين، والتي يشكل مجموعها جودة الفريق ككل، وهذه الجودة لا يمكن تجاوزها، لكن هذا لا يعني أن تحققها يحدث بشكل أوتوماتيكي أيًّا كان ما جرى وقت التجهيز والتحضير، الأمر لا يتوقف عند أفكار فنية أو خطط ملعب، الأمر هو السؤال: هل هذا الفريق جاهز لتلك المنافسة تحديدًا؟
إذا فكرنا في كل مباراة على حدة، يمكننا القول إنها نتائج عادية
تقديري أن هذا المدخل هو الأقرب لتفسير مسار منتخب مصر لكرة القدم عبر تاريخه، فهو فريق محير، يقارع الكبار أحيانًا، ويهزم إيطاليا حامل لقب كأس العالم، وبعد ثلاثة أيام يفشل في أن يكتفي بهدفين في شباكه أمام منتخب أمريكا، فيتلقى ثلاثية تطيح به. يهزم الكاميرون ويتعادل مع بنين. يفوز على كوت ديفوار بالأربعة، وفي السنة نفسها ينهزم من السودان بالأربعة ذاتها. إنه من أكثر فرق العالم تذبذبًا في المستوى، وتقديري أن الأمر كله راجع للتجهيز.
لا ينجح المنتخب المصري كثيرًا في ضبط منظومته وآلياتها، وعادة ما نرى تداخلًا وتشاحنًا وصراعات بين قياداته، أو بين تلك القيادات واللاعبين الأبرز، وكثيرا ما نسمع عن تدخلات خارجية، أو إفلات الزمام من يد القُوّاد، أو اختلال المسار المتفق عليه، وتعديله لاعتبارات لا علاقة لها بالكرة، ولنتذكر مثالًا:
في 2018 تعاقد منتخب مصر مع خافيير أجيري (الذي قدم من منتخب المكسيك أداء رائعًا في نسخة كأس العالم الأخيرة) وكان الاتفاق هو بناء فريق يخوض تصفيات كأس العالم 2022، ويتأهل، ويحقق في كأس العالم نفسه نتائج جيدة لا تقل عن التأهل من المجموعة للدور الإقصائي التالي.
وقتها، كان المقرر لبطولة كأس الأمم الإفريقية أن تقام فاعلياته في الكاميرون العام التالي (2019) ثم حدث تحول بعد شهور لا يسعنا هنا ذكره تفصيليًّا، عندما قررت مصر فجأة التقدم لاستضافة البطولة بديلًا عن الكاميرون التي اعتذرت دون سابق إنذار، وهكذا تحول الهدف كلية من النظر لكأس العالم إلى الفوز بلقب أمم إفريقيا، وهو ما أدى للنتائج التي عرفناها.
داخل الصندوق
نعود للسؤال: ماذا قدم المنتخب المصري في كأس العالم 2026؟
إذا فكرنا في كل مباراة على حدة، يمكننا القول إنها نتائج عادية، قدمناها، وقدمنا أفضل منها سابقًا: الفوز على نيوزيلندا، التعادل مع إيران وبلجيكا، عبور أستراليا بركلات الترجيح، وحتى مباراة الأرجنتين، سبق لنا تقديم نظيرتها أمام البرازيل وأفضل منها أمام إيطاليا 2009، غير أن هذا لا يعني أن تقييمنا للمشاركة أنها عادية، بالعكس تماما.
أي تدخل في التركيبة قد يفسدها، أو يثقلها، أو يهدر مواردها
أن تصل بفريقك إلى أن يعبر عن نفسه، ويقدم أداء متكافئًا مع مستواه، ومستوى معبرًا عن جودتك لخمس مباريات متتالية في غضون فترة وجيزة على هذا المستوى من التنافسية العالية في البطولة الأم لكل بطولات العالم، فهو أمر غير مسبوق، يدل على أننا أخيرًا وجدنا الطريقة التي يعمل فيها كل عنصر عمله، ويحقق الأفضل في حدود المتاح، وأن يكون اللاعبون حتى اللحظات الأخيرة في كامل تركيزهم وجاهزيتهم الذهنية حتى قبيل الانهيار في ربع الساعة الأخيرة من مباراة الأرجنتين.
بناء عليه، نرى ضرورة في عدم الاستماع إلى النصائح الذهبية من نوعية: نبني على هذا الفريق؟ نرسل كشافين يبحثون عن حاملي الجنسية المصرية في أوروبا، نجوب القرى والنجوع بحثًا عن محمد صلاح ومصطفى زيكو وياسر إبراهيم جُدد، نوسع الملاعب في المدارس، إلخ إلخ إلخ.
أي تدخل في التركيبة قد يفسدها، أو يثقلها، أو يهدر مواردها، أو يشتت الانتباه عنها، لا يعني هذا الجمودَ والثبات والوقوف ضد التطوير، غير أن التطوير كلمة غامضة، وإن أردنا إجلاء هذا الغموض، فأول ما نحتاجه هو أن نحافظ في المرحلة الحالية على أكبر قدر ممكن من هذا التماسك المدهش، حتى نستطيع أن نقف على مكونات ما لدينا، ونحقق منه أكبر قدر من الاستفادة، وعلى رأسها الدوري المصري الذي طالما ناديت بأنه دوري قوي قادر على إفراز منظومة كروية هائلة، أرجو أن نكون قد تبينا هذا الأمر، فلا نبدأ التطوير بتدمير ما لدينا.