أندية الشركات.. لماذا لا تعبِّر عن العمال؟
صابر عَ العايمة لما ترسي أنا
وحَدايا ما يباتش التار سنة
وأنا جيت أحيي الترسانة
هكذا تغنى الريس حفني أحمد حسن، المغني الشعبي الشهير، في حفلٍ أقامه نادي الترسانة في سبعينيات القرن الماضي، وقدمه الفنان عماد حمدي.
هذا الحفل لم يكن وحيدًا، ولا نادرًا، بل كان أمرًا اعتياديًا، وكان حفل شم النسيم -مثلًا- في نادي الترسانة حدثًا ينتظره الكثيرون كل عام ويغطيه الإعلام.
الحفل الشهير للفنان عبد الحليم حافظ، الذي غنى فيه قصيدة نزار قباني، قارئة الفنجان، ودخل في مشادة مع الجمهور، كان بنادي الترسانة.
وقتها، عبد الحليم اتهم مجهولين بأنهم وراء تخريب حفله عن عمد، غير أن المتابع يستطيع أن يلحظ بوضوح عدم مناسبة القصيدة مع جمهور الحضور في النادي، وأغلبهم من عمال شركة الترسانة أو مَن يشبههم، حتى إن حليم أعاد غناء القصيدة في نادي الجزيرة بتذاكر مرتفعة السعر، وحضور أقل من طبقة مختلفة، فنجحت.
نادي الترسانة إذن، كان ناديًا اجتماعيًا، يعبر عن هوية عمالية واضحة، وقد تحدثتُ هنا وفي أماكن أخرى كثيرًا عن هذا النادي العمالي وتاريخه في الدوري المصري، لذا لن أعيد الحديث الآن، فقط نطرح سؤالًا: لماذا كان هو النادي الوحيد تقريبًا الذي عبَّر عن العمال في تاريخ الكرة المصرية؟
أندية الشركات لا العمال
هو تساؤل يحمل في طياته تعجبًا، والتعجب يزيد مع التفكير في ظاهرة لا تحتاج الجهد الكثير لرصدها، وهي أن الدوري المصري عبر تاريخه شهد العشرات من أندية الشركات، بدايةً من الترام في النسخة الأولى، وحتى كهرباء الإسماعيلية في النسخة الحالية، وعادة ما يطرح السؤال عن ثنائية الأندية الجماهيرية والشركات، دون أن نفكر: لماذا نشأت هذه الثنائية أصلًا، ولماذا لا يشجع عمال الشركات وذووهم ومَن يقيمون في محافظاتهم أندية شركاتهم، ويشجعون الأندية الأخرى.
المفارقة المدهشة، هو منظر الأتوبيسات الحاملة شعار الشركة، المكتظة بالعمال، رافعين أعلام النادي الأهلي منافس فرقة الشركة
دعنا نتذكر مشهدًا بالغ الدلالة حدث عام 1983، في ذلك الموسم حصد "المقاولون العرب" بطولة الدوري العام. في الأمتار الأخيرة للمسابقة، كان على ذئاب الجبل خوض مباراة مصيرية أمام المنيا على ملعب الأخير في صعيد مصر، الفوز بها يعني الاقتراب جدًا من حصد اللقب، والتعثر يعني تضاؤل الفرصة كثيرًا.
شركة المقاولون العرب لها أفرع ومواقع عمل كثيرة في الجنوب، خصوصًا في أسيوط، المحافظة التي نشأت بها، عمل بها عشرات الآلاف من البشر، وحتى كاتب هذه السطور، عملتُ بالشركة كنجار مسلح لسنوات.
قررت الشركة وقتها أن تخصص أتوبيسات لنقل عمالها من مواقع العمل القريبة من أسيوط لاستاد المنيا لتشجيع فريق شركتهم، وكانت المفارقة المدهشة، هو منظر الأتوبيسات الحاملة شعار الشركة، المكتظة بالعمال، رافعين أعلام الأهلي النادي المنافس الذي يهدد فرقة الشركة بفقدان اللقب، هاتفين: أهلي، أهلي.
الواقع أن هذا الوضع نشأ نتيجة الطريقة التي تكونت بها أندية الشركات، وهي طريقة مبتسرة ومتعسفة. نادي المقاولون العرب نفسه لم يتكون نتيجة وجود نادٍ اجتماعي لعمال الشركة وموظفيها، حيث يلتقون وتتشكل بينهم رابطة ويمارس أبناؤهم الرياضة فتفرز لاعبين، فيشجعونه، لا وجود لمثل هذا الأمر هنا.
تأسس النادي عندما فشل صاحب الشركة المعلم عثمان أحمد عثمان في إيجاد صيغة قانونية تجعل منه صاحب الأمر رسميًا في نادٍ اجتماعي هو الإسماعيلي، فأسس ناديًا آخر وكان طبيعيًا أن يستغل اسم شركته، لكنه بالطبع لم يستغل أو يستفد من أي شيء يخص الشركة سوى الاسم.
عندما أسس المعلم نادي المقاولون العرب أعلن عن إنشاء مدينة رياضية حديثة ضخمة، لها تخطيط موسع، لخدمة عمال وموظفي الشركة في الجبل الأخضر، لكن شيئًا من هذا لم يكن، فقط الاستاد البائس الضيق الذي لم يصمد مع الزمن.
أندية للبيزنس
سيناريو "المقاولون العرب" تكرر مع أندية الشركات الأخرى، بصيغة أو بأخرى، وما لم يرتكز نادي الشركة على قاعدة تمثل مدينة ما فلن يكون جمهور، جماهير غزل المحلة مثلًا لا تعبر عن الشركة ولا عن عمالها، بل إن شهرتهم المعروفة، والتي يفخرون بها أنهم "الفلاحين" لا العمال، بينما لم يستطع نادي القناة حيازة أي جماهيرية في الإسماعيلية لأن القاعدة الجماهيرية هناك محجوزة للنادي الإسماعيلي.
ثم ظهرت الشركات التي تؤسس أندية صورية، تستغلها كبديل عن الدعاية الإعلامية، مثل شركة سيراميكا وغيرها، فبدلًا من أن يدفع مالك الشركة عشرات الملايين سنويًا للإعلانات، يؤسس ناديًا يجعل اسمه يتردد في الإعلام طوال الوقت.
لم يحظ دوري الشركات بأي جماهيرية، ولم ينشأ عنها روابط تشجيع حتى من بين عمالها
في ستينيات القرن الماضي، وخلال العهد الناصري، ربما تنبهت الدولة لهذا الأمر، فأسست دوري الشركات بحيث تشجع الشركات والمؤسسات، على أن يكون لها نشاط رياضي، وكانت تحرص إعلاميًا حتى الثمانينيات على تغطيته. لم يكن فقط نشاطًا خاصًا بكرة القدم بل لكل الرياضات تقريبًا، فيما يشبه الألعاب الأولمبية.
لم يحظ هذا الدوري بأي جماهيرية، ولم تنشأ روابط أو تجمعات تشجع هذه الشركة أو تلك، حتى من بين عمالها، وذلك لأن دوري الشركات نفسه نشأ بذات المنطق المبتسر والمتعسف، فالفرق الرياضية ليست نتيجة لأندية اجتماعية تتيحها الشركات والمؤسسات لعمالها، بل تأسست لهذا الدوري هيئة خاصة تسمى، اتحاد الشركات الرياضي، وفي حدود الإمكانات كانت تشكل الفرق، وهي إمكانات ضعيفة بالطبع.
إذن، حتى يكون هناك نادٍ أو أندية تمثل العمال وتعبِّر عنهم ويشجعونها فعلًا لا اسمًا، لا بد أن تتيح الشركة أو المؤسسة لعمالها هذا النادي الذي تتشكل فيه الرابطة، لكن إذا كان الحال هو أن العمال يناضلون ويناضلون ويناضلون من أجل الحصول على الحد الأدنى للأجور بطبيعة الحال، فهل ننتظر إتاحة أندية اجتماعية تفرز فرقًا رياضية؟ أعتقد أننا لسنا بحاجة لكتابة الإجابة فهي، للأسف، معروفة.