تأثير الفراشة.. ضربة جزاء جمال عبد الحميد الضائعة
تأثير الفراشة تعبير صكَّه العالم الأمريكي إدوارد لورنتز قبل ما يزيد عن نصف قرن؛ مطلقًا به نظرية فلسفية رياضية (من الرياضيات)، مفادها أن الأحداث الصغيرة جدًا جدًا تُحدِث تأثيرات كبيرة للغاية، حتى إن رفيف جناح فراشة في البرازيل قد يؤدي لإعصار في الولايات المتحدة الأمريكية.
أعتقد أن أكثر الشعوب إعجابًا وإيمانًا بهذا التعبير وتلك النظرية هم المصريون، لا سيما جمهور الكرة، حتى إنهم يستخدمونها عندما يريدون النيل من شخصية كروية معروفة، فيحملونه تاريخًا كاملًا من الإخفاقات، ولنتأمل نموذجًا لذلك الكابتن جمال عبد الحميد.
لسنا هنا في معرض الحديث عن جمال أو تصريحاته التي تجلب له هذا الهجوم، فقط نقف أمام حالة تكشف كيفية التعامل مع تاريخنا الكروي، حيث يتردد كثيرًا ما يلي:
في عام 1985 واجهنا منتخب المغرب في إطار تصفيات كأس العالم نسخة 1986 بالمكسيك، انتهى لقاء الذهاب في القاهرة بالتعادل السلبي، وهناك احتُسبت لنا ضربة جزاء ولم تكن المباراة شهدت أهدافًا. كان المفترض أن يسدد الضربة عماد سليمان، لكن جمال عبد الحميد صمم أن يسددها هو، فأضاعها.
أضاعها! إذًا هو مسؤول عن ضياع فرصة محققة لهدف. غير أن الأمر لم يقف هنا، حيث ارتدت علينا الكرة بهجمة انتهت بهدف لأسود الأطلسي، إذن مسؤول عن الهدف الذي استقبلناه، وعندما استقبلناه اندفعنا هجوميًا وتخلينا عن حذرنا، فاستقبلنا هدفًا ثانيًا، فانتهت المباراة بخسارتنا 2/صفر، لتكون الهزيمة مسؤوليته.
أخرجتنا خسارتنا من تصفيات كأس العالم، فهو إذًا مسؤول عن ضياع حلم المونديال، ولما ضاع حلم المونديال، استقال محمد عبده صالح الوحش (المدير الفني لمنتخب مصر 1982-1985) واعتزل التدريب نهائيًا، فجمال إذن مسؤول عن فقداننا مديرًا فنيًا قديرًا.
عندما استقال محمد عبده صالح الوحش، احتل العراق الكويت، وأمريكا ضربت العراق، ونتجت عن هذا أحداث 11 سبتمبر، و،و،و،... حتى وصلنا للاحتباس الحراري، أي أنك تشعر بالحر "من تحت راس" جمال عبد الحميد!
بالطبع الفقرة الأخيرة ساخرة، لكن ما قبلها وحتى استقالة الوحش هو كلام يتردد فعلًا، وهناك الكثير ممن يصدقونه ويكررونه بحماس، ويختزلون به تاريخ لاعب فذ، لكن لنتحدث عن ضربة الجزاء الضائعة تلك، ومدى تأثيرها.
نعم، هي حدث مؤثر، لكن لماذا يختارون هذه الفراشة تحديدًا؟ لماذا لم تكُن فرصة ضائعة في لقاء الذهاب لو سجلناها لاختلف مسار اللقاءين معًا؟ لماذا لم تكن إصابة لاعب مهم؟ لماذا لم تكن إهمال لاعب آخر في أكله أو نومه أو وزنه؟ هناك مليون فراشة رفرفت في المباراتين والتحضير لهما، فلماذا التركيز على فراشة عبد الحميد؟
نظرية "تأثير الفراشة" كما أفهمها لا تهدف إلى تحميل مسؤولية العاصفة لذلك الكائن الرقيق ومن ثم إدانته، هي فقط تطالبنا بعدم إغفال الجزئيات الصغيرة التي تتكون منها الصورة الكبيرة، فماذا كانت الصورة الكبيرة لمنتخبنا الوطني؟
بغض البصر عن ضربة الجزاء، هل كان منتخب مصر قادرًا على التأهل للمونديال وتخطي منتخب المغرب؟ الإجابة: لا، طبعًا لا.
تتبُّع مسيرة المنتخب يخبرنا أننا وصلنا إلى مستوى عالٍ وفترة زاهية في السبعينيات، وإن لم تتحقق إنجازات تاريخية لكنه في تلك الفترة كان قويًا بالفعل، وصل إلى الأمتار الأخيرة في كل المنافسات؛ أمم إفريقيا نسختي 1974 و1976، وتصفيات كأس العالم 1978، وكان الإخفاق في كل مرة يحدث نتيجة ظروف كثيرة منها مثلًا أن فيفا كان يخصص لإفريقيا مقعدًا واحدًا في كأس العالم، لو كان مقعدين لوصلنا مع تونس.
توالي الإخفاقات خلق حالة من عدم التوازن، سواء على مستوى القيادة الفنية أو حتى الإدارة. بعد خروجنا على يد تونس في المباراة الشهيرة 1977، بقينا سنوات نترنح، حتى جاءت الخسارة الكارثية من زامبيا بخماسية مقابل ثلاثة أهداف في مباراة ودية أكتوبر/تشرين الأول 1982، وبعدها تولى الوحش.
يمكن القول باطمئنان إن تولي الوحش حقق طفرة كبيرة للمنتخب من خلال التركيز على تغيير عقلية الفريق ومعالجة العيوب والنواقص. مثلًا كان المنتخب في فترته الزاهية يعتمد كلية على المهارات الفردية، في ظل وجود لاعبين أفذاذ مهاريًا، مثل الخطيب وحسن شحاتة وفاروق جعفر ومصطفى عبده، وحتى أسامة خليل وسعد سليط ومحمد بدير وغيرهم، غير أن الجوانب التكتيكية والبدنية كانت تعاني ضعفًا واضحًا. كان من الضروري إحداث تغيير جذري في المنتخب.
عالج الوحش ما استطاع، غير أن الطريق كان طويلًا، لا سيما مع سرعة تطور المنافسين في تلك الفترة التي شهدت تصاعدًا في علاقة الأفارقة بأوروبا.
تحسن المنتخب تحت قيادة الوحش كثيرًا، وحقق إنجازات كبيرة مثل التأهل لأولمبياد لوس أنجلوس 1984 على حساب الجزائر (وكان المنتخب الأوليمبي هو الأول)، لكن كل هذا لم يكن كافيًا في تصفيات المونديال نسخة 1986، فالمونديال له حسابات أخرى.
في تلك التصفيات تجاوزنا زيمبابوي بصعوبة بالغة، فوز بهدف هنا وتعادل هناك، ثم تجاوزنا مدغشقر بضربات الترجيح! (لا تعليق) ثم كان مطلوبًا منا تجاوز المغرب، ثم اجتياز مرحلة رابعة في حال تخطينا المغاربة، أي أن حتى لقاء المغرب لم يكن يعني نهاية سعيدة المطاف بالتأهل.
على الجانب الآخر كان منتخب المغرب قويًا للغاية، لدرجة أنه عندما تأهل لكأس العالم تصدر مجموعته، وكان أول منتخب إفريقي يتأهل عن مجموعته، ولم يكتف بذلك، بل تصدر مجموعته التي كانت تضم إنجلترا شخصيًا وبولندا التي وصلت نصف نهائي النسخة السابقة من المونديال إلى جانب البرتغال.
ثم إن المغرب قابلت ألمانيا الغربية في ثمن النهائي، وخسرت أمامها بهدف في الدقيقة 90، فلا أذكر أو لا أدري كيف كنا متعشمين في تجاوزها وعلى أي أساس اعتبرنا خسارتنا أمامها نهاية العالم؟
صحيح أننا ربحنا أمامهم في كأس الأمم 1986 بهذا الفريق الذي بناه الوحش، إنما كان هذا في سياق بطولة على أرضنا بينما هم مشغولون بالاستعداد لكأس العالم. لكن هذا الفوز لا يقاس عليه، ولا يقارن بلقائيّ ذهاب وإياب من أجل الوصول للمكسيك.
في لقائيّ المونديال، سيَّر المغاربة المباراتين كما أرادوا: تعادل سلبي في القاهرة، ثم تفوق واضح في المغرب، فهل كان تسجيل ضربة الجزاء من جمال أو عماد أو غيره سيُحدث فارقًا؟ لا نستطيع الجزم، لكن ما أظنه أن المغرب كان قادرًا على التعويض دون صعوبة تُذكر.
كما أن كرة القدم لعبة متحركة، وكل لحظة تخلق تحديًا جديدًا. كونك انهرت نتيجة ضياع فرصة وإن كانت ضربة جزاء، فهذا يعني أنك غير جاهز ذهنيًا وبدنيًا لهذه المنافسة، بينما منافسك متماسك ويقدِّم كرةً جماعيةً ممتعة.
ولكن هيستريا ما بعد المباراة وتحميل جمال المسؤولية، وكذلك الوحش الذي لم يكن له ظهير إعلامي، أدت لاستقالته.
الطريف أنه إذا شاهدت تلك الضربة سترى أن جمال سددها بمهارة وإتقان وقوة، ونجح في خداع بادو الزاكي الحارس المغربي العملاق، فقط علت سنتيمترات قليلة واصطدمت بالعارضة، لكن تلك السنتيمترات ستبقى عقودًا تواجه عبد الحميد كلما فتح فمه، وهذا هو تأثير الفراشة.