تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
شكَّل حسن الشاذلي ومصطفى رياض ثنائية لا تنسى في الملاعب المصرية

مصطفى رياض.. المشهد الأخير في الملاعب

منشور الجمعة 6 آذار/مارس 2026

حتى سنة 1963، كان الدوري المصري تحت الاحتكار الأهلاوي تقريبًا، إذ حصدت القلعة الحمراء كل نسخ المسابقة عدا اثنتين، واحدة ذهبت للزمالك، والأخرى للترسانة، أي أن الترسانة -يومًا ما ليس بعيدًا جدًا- كان على قدم المساواة مع الزمالك، وكان أحد أضلع مثلث الكبار في العاصمة، الأهلي والزمالك والترسانة.

تناولنا من قبل مسيرة هذا النادي العريق، وكيف كان نادي العمال، لكننا لم نُشر وقتها إلى الفترة الأكثر توهجًا في تاريخه، وهي ستينيات وجزء من سبعينيات القرن الماضي، إذ حصد في تلك الحقبة لقب الدوري، ولقبي كأس مصر، كما كان منافسًا على الدوري حتى الأمتار الأخيرة في أكثر من نسخة، منها 1963-1964، و1974-1975.

الثنائي الذهبي

عادة لا أفضِّل نسبة الفترات الذهبية التي تشهدها الفرق للاعب بعينه أو لاعبين. كرة القدم لعبة جماعية. لكن تبقى هناك استثناءات واضحة؛ رأينا مارادونا 1986 نموذجًا لا يتكرر كثيرًا، وفي الترسانة كانت أمامنا حالة استثنائية أخرى هي ثنائية حسن الشاذلي ومصطفى رياض الذي رحل عن عالمنا مؤخرًا ولم يلق الاحتفاء الذي يليق باسمه الكبير.

مصطفى رياض كان اسم شهرة لا أعرف من أين حصل عليه، فالسجلات الرسمية تقول إن اسمه إبراهيم محمد، ولد في 5 أبريل/نيسان 1941، ومنذ لعب للفريق الأول، وقت صعود زميله حسن الشاذلي، كوّنا معًا ثنائية طالما تسببت في أزمات للمنافسين، مثلًا النادي الأهلي لم تستقبل شباكه في تاريخ الدوري العام كله "هاتريك" سوى ثلاث مرات، منها مرة بقدم الشاذلي، وأخرى بتوقيع مصطفى رياض.

إذا تحدثنا عن مصطفى رياض منفردًا فإنجازه الفريد أنه الهداف التاريخي لمنتخب مصر في الأولمبياد

خلال فترة الستينيات، شهد الدوري المصري مهاجمين أفذاذ مثل الشيخ طه إسماعيل وحمادة إمام وعادل زين (شقيق المطرب طلعت زين) وعز الدين يعقوب وغيرهم، إلا أن أحدهم لم يحصد لقب هداف الدوري مطلقًا، فعلى مدار العقد كان الهداف دائمًا إما مصطفى رياض أو حسن الشاذلي، حتى كسر هذا الاحتكار علي أبو جريشة في موسم 1966-1967 قبيل أيام من النكسة.

حتى عام 1983، كان اللاعبون الذي دخلوا نادي المائة في الدوري المصري ثلاثة فقط، وكما نعلم فـهذا النادي هو لمن سجلوا مائة هدف أو أكثر في مسابقة الدوري العام فقط، والثلاثة كانوا السيد الضظوي والشاذلي ومصطفى رياض.

إذا تحدثنا عن مصطفى رياض منفردًا، فإنجازه الفريد أنه الهداف التاريخي لمنتخب مصر في الأولمبياد، ويُذكر أنه سجل 6 أهداف في مباراة واحدة أمام كوريا الجنوبية في دورة طوكيو 1964، فضلًا عن أهدافه الغزيرة التي سجلها وهو ليس المهاجم الصريح في ظل وجود الشاذلي، ولمن لم يشاهد تلك الأيام فالأمر أقرب لأبوتريكة الذي لم يكن مهاجمًا صريحًا، مع ذلك تفوق على المهاجمين عماد متعب وأحمد بلال وغيرهما في عدد أهدافه المسجلة بالمسابقة.

دراما الاعتزال والعودة المؤقتة

مصطفى رياض في سبعينيات القرن العشرين

لكي نتخيل مدى تأثير مصطفى رياض (مع زميله الشاذلي) يمكن أن نسترجع المشهد الأخير لهما في الملاعب (بالأحرى المشاهد الأخيرة)، فالختام كان دراماتيكيًا إلى أبعد حد، الترسانة ينافس على لقب الدوري، وكان وصيف موسم 1974-1975، ثم دخل موسم 1976-1977، وكان الخبر الأبرز بعد مرور جولتين هو اعتزال الثنائي الأخطر معًا.

هذا الاعتزال لم يكن لأنهما قدما كل ما لديهما، إنما لأن كرة القدم لم تكن توفر دخلًا ماديًا مرتفعًا، فاللاعبون جميعهم هواة، ولا عقود مع الأندية، فقط مكافآت رمزية، إضافةً إلى بعض الهدايا من المعجبين، وهي بطبيعة الحال ليست كافية ولا مستقرة، من هنا لبى الثنائي دعوة للعمل في الخليج، وبناء عليه كان قرار الاعتزال في بداية الموسم.

لم يقدم الترسانة لنجميه أي مظاهر للتكريم على مسيرتهما، وكان ذلك لافتًا، ربما بسبب الغضب من القرار الذي كان سيؤثر دون أدنى شك في مسيرة الفريق، فانبرى النادي الأهلي لتلك المهمة، ونظم لهما مهرجان اعتزال هو الأضخم وقتها، ولم نشهد مثله إلا في اعتزال محمود الخطيب 1988.

عندما اعتزل الثنائي عام 1976، وتولى النادي الأهلي تكريمهما بهذا الحماس، سرت وقتها نكتة أن الأهلي أقدم على هذا لأنه، أخيرًا، "خلص منهم".

الكل كان يعلم أن اعتزال الثنائي سيؤثر على الترسانة، لكن إلى أي مدى؟ لم يكن أحدٌ يتخيل أن الفريق الذي كان قبل أشهر، أو فلنقل عام واحد، ينافس على لقب الدوري، سيصل به الأمر إلى أن يصبح مهددًا بالهبوط على نحو جدي، ولم يحدث هذا عبر مواسم قليلة، بل في الموسم الذي اعتزلا فيه نفسه، فمع توالي المباريات، واقتراب الموسم من نهايته تلقى الفريق خسائر متتالية، وبات قريبًا من الدرجة الثانية.

لم يكن هناك أي حل وقتها سوى عودة الثنائي من الاعتزال لإنقاذ الفريق، ولولا أنهما قُيدا بقائمة الفريق في بداية الموسم وشاركا لما كان ذلك ممكنًا، لكن حسن الحظ كان مصاحبًا للشواكيش، ومع إرسال المناشدات المتكررة للثنائي، تعاطف أرباب عملهما معهما ومع النادي، وعادا ليشاركا في المباريات الأخيرة.

لعبا أمام منتخب السويس، وسجل كل منهما هدفًا، ثم أمام السكة الحديد وسجل كل منهما هدفًا، ثم أمام كفر الشيخ، وسجل مصطفى رياض هاتريك فازت به الترسانة. كانت مباراتا كفر الشيخ والسكة الحديد بنقاط مضاعفة، لأنهما منافسان مباشران على الهبوط، وبخسارة كل منهما هبطا بالفعل، وهكذا ضمن الترسانة البقاء قبل الجولة الأخيرة التي كانت أمام الأهلي.

كان الأهلي يحتاج الفوز بهذا اللقاء ليضمن لقب الدوري، فقرر الثنائي أنهما عادا لإنقاذ الشواكيش من الهبوط، وهو ما حدث بالفعل، أما الأهلي الذي كرمهما فلا حاجة لهما بمضايقته وهو ينافس على اللقب، فقررا عدم المشاركة في لقاء الأهلي، ففاز باللقاء واللقب.