
كأس العالم الذي لم يعد "حلمًا"
مع اقتراب تأهل منتخب مصر لنهائيات كأس العالم 2026، بدأ تعبير "حلم المونديال" يتردد حولنا، تستدعيه وسائل الإعلام المختلفة من تراث كرة القدم المصرية التي طالما تردد فيها جيلًا تلو جيل حتى حفظناه، وظللنا نستخدمه حتى اليوم، لكن الزمن تغيَّر، ولم يعد هذا التعبير في موضعه.
فطوال 22 نسخة سابقة من البطولة الكروية الأم، كان منتخبنا يجد صعوبة في التأهل لأسباب مختلفة نستعرضها الآن، حتى إن المحصلة هي 3 مشاركات فقط لا غير، أي تقريبًا مشاركة واحدة كل سبع نسخ، أي كل 28 سنة. ظهور واحد كل ثلاثة عقود. كان التأهل بالفعل "حلمًا"، فكيف حدث ذلك؟
في النسخ الأربعة الأولى، كانت صعوبة المشاركة في كأس العالم عامة، نشترك فيه مع كثير من الدول، وتتعلق بجاهزية السفر في ذلك الوقت البعيد. لم تكن التصفيات تمثل عائقًا على المستوى الكروي، فالمشاركة في النسخة الأولى 1930 في أوروجواي كانت متاحة دون تصفيات، لكن لم تكن لدينا إمكانات الانتقال بفريق كامل، عبر البحار والمحيطات، حتى نصل إلى أمريكا الجنوبية، فلم نشارك.
سنوات الفوضى الدولية
في النسخة الثانية 1934 كانت المشاركة الأولى، بعد تصفيات هينة ضد منتخب فلسطين تحت الانتداب، الذي لعب أمامنا بفريق عبراني كامل، هزمناه ذهابًا وإيابًا بنتيجتين كبيرتين 7/1 و4/1، ولم يمثِّل السفر إلى إيطاليا عائقًا كبيرًا، فلعبنا في تلك السنة مباراتنا المونديالية الأولى الشهيرة أمام منتخب المجر، وكانت الوحيدة آنذاك لإقامة المسابقة بنظام خروج المغلوب من بدايتها، قبل أن يعرف دورها الأول نظام المجموعات لاحقًا.
في النسختين الثالثة 1938، والرابعة 1950، عادت مشكلة المواعيد والسفر. في الثالثة لم نتمكن من خوض التصفيات، أما الرابعة فلم تكن هناك تصفيات، وكان متاحًا أن نشارك مباشرة، لكن إقامتها في البرازيل حالت دون ذلك، حتى إننا لم نأخذ خطاب الفيفا الداعي للمشاركة مأخذ الجد، وألقاه أحد موظفي الاتحاد المصري في دُرج وأوصد عليه بقفل.
يمكننا القول إن تعبير "حلم المونديال" ولد في سبعينيات القرن العشرين
النسخة الخامسة 1954، كان علينا خوض تصفيات مجحفة. صحيح أنها كانت على مرحلة واحدة فقط، من مباراتين ذهابًا إيابًا، لكنها لم تكن أمام منتخب إفريقي، ولا حتى آسيوي، بل أمام فريق أوروبي، وليس أي فريق؛ إيطاليا، بطل العالم مرتين من النسخ الأربعة التي أقيمت. بالطبع خسرنا المباراتين، ولم نتأهل، لندخل بعدها في ديلَمَا لعدة دورات مقبلة.
قاطعنا تصفيات النسخة السادسة 1958، لأن نظامها كان يتيح مقعدًا واحدًا مشتركًا بين قبرص وتركيا وعدة دول إفريقية وآسيوية، وكانت إسرائيل وقتها لم تزل عضوة في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم قبل طردها منه عام 1978. تأهلت إسرائيل بعد انسحاب إندونيسيا من أمامها، وانتظرت الفائز من مباراة مصر والسودان، لكن المنتخبين انسحبا، ليتغير النظام في النسخة المقبلة، لكنه لم يكن تغييرًا جوهريًا.
النسخة السابعة 1962، كان على قارة إفريقيا بأكملها أن تخوض تصفيات يتأهل منها منتخب واحد فقط، ليس لنهائيات المونديال، بل لملاقاة منتخب أوروبي في ملحق تصفيات خاص. لقي النظام اعتراضًا من الأفارقة، لكنهم خاضوا التصفيات رغم ذلك، ولكن سادت حالة من الفتور، حتى إن منتخبي مصر والسودان اللذين كان يفترض أن يلتقيا في مرحلة مبكرة من التصفيات انسحبا معًا، للمرة الثانية تواليًا، وتأهل منتخب المغرب ليلاقي إسبانيا، وبالطبع لم يتأهل للبطولة.
النسخة الثامنة 1966، قاطعتها قارة إفريقيا هذه المرة بسبب الإرث الاستعماري لبريطانيا منظمة البطولة، فلم يذهب أي منتخب إفريقي. ثم أخيرًا، أصبح لإفريقيا مقعد مستقل في النسخة التاسعة 1970، ولكن كانت مصر بعيدة عن المشاركة في التصفيات، لتوقف النشاط الرياضي في مصر بعد هزيمة 1967، ليصبح إجمالي مشاركات الفراعنة ظهورًا واحدًا في تسع مناسبات مختلفة.
ولادة "حلم المونديال"
يمكننا القول إن تعبير "حلم المونديال" وُلد في سبعينيات القرن العشرين، عندما بدأنا نخوض تصفيات قارية واضحة ومنتظمة على مقعد مونديالي. ففي النسختين العاشرة (1974) والحادية عشرة (1978) كانت حصة إفريقيا مقعدًا واحدًا، لم ننافس عليه بجدية في نسخة 1974، فقد خرجنا مبكرًا. لكن الدراما كلها كانت في نسخة 1978، ومن هنا بدأت العقدة.
في ذلك الوقت، منتصف السبعينيات، كنا نمتلك فريقًا قويًا؛ الخطيب وحسن شحاتة ومصطفى عبده وفاروق جعفر ومختار مختار وإكرامي وثابت البطل وغيرهم من الأسماء اللامعة، وبالفعل قطعنا شوطًا كبيرًا في التصفيات. ويبدو أن الأجيال الجديدة لا تدرك معنى أن تنافس على مقعد واحد فقط، إذ ينبغي التغلب على كل أساطين القارة.
تخطينا كل المراحل فعلًا، حتى وصلنا إلى لقاء أخير مع منتخب تونس، كان التعادل فقط يعني التأهل للمونديال، لكنه كان لقاءً مخيبًا للآمال. وبعد فوز في القاهرة بثلاثة أهداف لهدفين، أحرز الخطيب منهم هدفًا إعجازيًا، هو الأفضل من وجهة نظري في تاريخ الكرة المصرية، خسرنا هناك برباعية لهدف، وتبخر "الحلم".
تخيل لو كان وقتها لإفريقيا مقعدان فقط لتأهلنا! تخيل!
الفترة التالية أصبح لإفريقيا فعلًا مقعدان، خضنا عليهما ثلاث تصفيات مختلفة: 1982، 1986، 1990، تأهلنا في الأخيرة ولم ننجح في الأولين، وهي نسبة منطقية وأكثر من جيدة، إذا ما نظرنا من أعلى بنظرة طائر بعيدًا عن التحسر على فرصة هنا أو ضربة جزاء هناك. في الفترة المذكورة تأهل عن إفريقيا فقط الكاميرون في مناسبتين، الجزائر في مناسبتين، مصر في مناسبة والمغرب في مناسبة، رائع، لكنه ليس كافيًا.
مع دخول التسعينيات، بدأت مقاعد إفريقيا في الازدياد، ثلاثة مقاعد في 1994، ثم خمسة بداية من 1998. في المقابل، حدث تغير واسع في القارة، نتيجة اتساع قاعدة المحترفين الأفارقة في أوروبا، ما أدى لظهور قوى كروية سمراء عملاقة: نيجيريا وغانا وكوت ديفوار والسنغال والكاميرون، وحتى المنتخبات المتوسطة أو الأقل لم تعد هزيمتها رحلة سهلة.
خرجنا من الدور التمهيدي لتصفيات كأس العالم 1994 بسبب طوبة زيمبابوي الشهيرة. ثم بدءًا من 1998، كان علينا الاصطدام بمنتخب واحد من القوى الإفريقية الكبرى، وأحيانًا اثنين: تونس في 1998، المغرب والسنغال في 2002، كوت ديفوار والكاميرون في 2006، الجزائر في 2010، غانا في 2014، غانا مرة أخرى في 2018، السنغال في 2022، والواقع أننا كنا دائمًا نُبلي بلاءً حسنًا، وباستثناء التأهل في 2018، والوداع المبكر في 2006، لم نخرج إلا في الأمتار الأخيرة، بل إننا في 2022 خرجنا بركلات الترجيح.
المحصلة أننا في سبع نسخ من 1998 حتى الآن، لم نتأهل إلا في مناسبة واحدة، وهو المعدل الطبيعي الذي نسير عليه منذ انطلاق المسابقة قبل ما يقرب من مائة عام.
هذه المسيرة الطويلة في سنوات الظروف غير المواتية، ثم سنوات المنافسات الصعبة على مقاعد محدودة، هي التي جعلت التأهل لكأس العالم "حلمًا". لكن هذا لم يعد دقيقًا في النسخة الحالية بالذات، بعدد منتخباتها وظروف تصفياتها الجارية الآن. فزيادة عدد المنتخبات إلى 48 دفعة واحدة، ارتفع بعدد مقاعد إفريقيا إلى تسعة، ما يجعل التأهل هو النتيجة الوحيدة المنطقية، وعدا ذلك هو الكابوس.
48 منتخبًا في المونديال، أي تقريبا خُمس عدد الدول الأعضاء في الفيفا، وتسعة مقاعد عن إفريقيا، أي منتخب كل ستة منتخبات، وهو ما أثر على تكوين المجموعات، وهو أمر واضح على مجموعتنا.
التأهل لكأس العالم المقبل ليس "حلمًا"، بل هو الطبيعي جدًا يا كباتن. فلنتأهل أولًا، ثم يكون لكل حادث حديث.