سيرة القراءة.. من التبجيل إلى التنكيل
الكتاب الذي لم يفتحه أحد هو كتاب لم يُكتب بعد. والكتاب الجيد هو الكتاب الناقص الذي يترك فيه كاتبه ثغرات للشريك/القارئ كي يملأها. هذا ما أؤمن به.
وفي زعمي، أنه ما من كاتب يكتب دون قارئ في ذهنه يستهدفه، بمن في ذلك الذين يزعمون أنهم يكتبون لأنفهسم. حتى غير الكُتّاب من هواة تدوين يومياتهم لأنفسهم، يضعون في حسبانهم أن كلماتهم قد تقع ذات يوم بين يدي قارئ ما.
لكن القارئ الشبح أو المضمر في فكر الكاتب، يختلف عن القارئ الموجود داخل النص باسمه وملامحه. وهو بالطبع غير القارئ خارج النص؛ الذي يقف بالكتاب في يده على ناصية الإنستجرام.
قارئ حقيقي.. حبًّا واستجارة
من أقدم وأبسط صور ظهور القراء داخل الكتب، هو اسم قارئ محدد يُهدى إليه العمل من بين النبلاء وأرباب السلطة السياسية الذين اعتادوا تقديم الرعاية للأدباء والمفكرين. وهنا لا بد من ملاحظة أن فاتورة الناثر لرد جميل الراعي أقل من فاتورة الشاعر الذي عليه أن يكتب قصائد المدح. والمثال الشعري هو المتنبي، العبقري الذي نال مدحه لرعاته من مكانته الشعرية، ويبقى شاعرًا كبيرًا بلا شك، لكن روحه المندفعة للخارج لم تجعله فيلسوفًا مثل أبي العلاء المعتزل، الذي ولد بعد رحيله بنحو تسع سنوات.
لا يُضطر الناثر إلى أكثر من إهداء في بداية الكتاب. ولم يكن الإهداء ردًا لجميل الرعاية فحسب، بل احتماءً بسلطة الراعي عندما يكون الكتاب مثيرًا للجدل أو خطرًا، ومثال ذلك كتاب الروض العاطر في نزهة الخاطر لأبي عبد الله محمد بن محمد النفزاوي، وقد كتب في المقدمة أن محمد عوانة الزواوي وزير السلطان عبد العزيز الحفصي سلطان تونس، استدعاه وطلب منه توسيع كتابه السابق "تنوير الوقاع في أسرار الجماع".
وحتى الرواية تكون بحاجة إلى رعاية أحيانًا، فقد صدَّر ثربانتس روايته دون كيخوته، أم الرواية الحديثة، بإهدائها إلى دون ألفونسو لوبيث، دوق بيخار التي تتبع مقاطعة سلامنكا الحالية. بل ويُدخله معه شريكًا تضامنيًّا في حماية النص بشكل صريح "وإني لأعترف بأن كتابي قد عري من زينة العلم والبلاغة التي تتحلى بها الكتب التي تخرج من بيوت أهل العلم من الرجال، ومع هذا فإني أتوسل إليكم، بما أدين به من ولاء لعظمتكم، أن تتلطفوا فتشملوه برعايتكم". ولم يكن ثربانتس يخشى الرقابة؛ فقد حصل على تصريح نشر روايته دون أي اعتراض رسمي، لكنه كان يخشى النقاد والكتاب المتعالمين "الذين يدينون أعمال الآخرين بقسوة وأقل عدلًا" وكان محقًا في خوفه؛ إذ جاءت روايته لتسخر من مبالغات روايات الفروسية وتقوض مجد كتابها، وتقلب مفهومًا سائدًا عن الكتاب المُعتبر في عصره.
قارئ خيالي فوق العادة
لم تغادر إهداءات الروايات إلى اليوم مساحة القارئ الواقعي باسمه، لكن الحضور الأهم هو للقارئ الخيالي من أبطال الروايات. ومن غير الممكن إحصاء الروايات التي تحوي مشهد قراءة أو شخصية قارئ، وهذا أمر بديهي لأن الكِتَاب أمر بديهي في حياة الشريكين: الكاتب والقارئ. وتتفاوت قيمة القراءة والقارئ في الرواية داخل بناء العمل السردي، فهي ترسم صورة شخصية، وأحيانًا ما تصنع الحدث وتخلق العبرة النهائية للرواية.
تتعدد مستويات القراء الآخرين في الليالي، وهي أقوى من السحر ولا تقل سطوة القارئ عن سطوة الملك
في ألف ليلة وليلة لا يرتبط السرد بشيء قدر ارتباطه بالسفر والقراءة، والقارئ حاضر كل ليلة في شخصية شهريار؛ الملك الذي يتلقى الحكايات من الكتاب المسموع (شهرزاد). وشهرزاد قبل أن تصبح راوية، هي قارئة، تقدمها الليالي بهذه الصفة؛ "قرأَتْ الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. وقيل إنها جمعت ألف كتاب…" .
تتعدد مستويات القراء الآخرين في الليالي، وهي أقوى من السحر ولا تقل سطوة القارئ عن سطوة الملك. السحر وفيرٌ في الليالي، وكل سحر وراؤه قراءة كتب الكهانة، ولا تُبطل عمل ساحرة إلا ساحرة أخرى تقرأ أكثر منها.
وربما كان أقوى القراء في الليالي هو الحكيم في حكاية الملك يونان والحكيم روبان ـ الليلة الرابعة في تلك الحكاية، جاء الحكيم من بعيد واستطاع أن يشفي الملك من البرص الذي عجز عن علاجه أطباء المملكة، فقرَّبه الملك منه، وعلى إثر ذلك بدأت مؤامرة البلاط ضده بدعوى أن من استطاع أن يشفي يستطيع أن يقتل، فاستقر رأي الملك على قتله.
وفي تسليم يحيلنا إلى تسليم إسماعيل لأبيه إبراهيم في رؤيا الذبح، تقبَّل الحكيم أن يُذبح، لكنه ترك للملك كتابًا "فيه شيء لا يُحصى، وأقل من فيه من الأسرار إنك إذا قطعت رأسي وفتحته وعددت ثلاث ورقات ثم تقرأ ثلاثة أسطر من الصحيفة التي على يسارك، فإن الرأس تكلمك وتجاوبك عن جميع ما سألتها عنه" لكنه كان قد سمم الكتاب، وبعد أن ذبحه الملك أراد أن يرى المعجزة الكتاب الذي سيعيد صاحبه ليتكلم من الموت؛ لكنه تسمم ولحق بروبان إلى الموت. وقد بنى أمبرتو إيكو عقدة روايته اسم الوردة على هذه الثيمة؛ ثيمة الكتاب المسموم.
القارئ الغائب عما حوله
الملكة فيكتوريا التي قادت نهضة جعلتها جديرة بأن يبقى اسمها إشارة مميزة لزمنها "العصر الفيكتوري 1837- 1901) كانت قارئة. وكانت الرواية من أهم، إن لم تكن أهم، ركائز التحديث في مجالات العدل الاجتماعي وحقوق المرأة في العصر الفيكتوري. واحتفل أدباء ذلك العصر بالقارئ وفعل القراءة في رواياتهم: الأختان شارلوت وإيميلي برونتي، جورج إليوت، توماس هاردي، وروبرت لويس ستيفنسون، وصولاً إلى أوسكار وايلد آخر ممثلي هذه الحقبة.
تشارلز ديكنز، الناجي من محنة فقره الشخصي بفضل الكتابة، لم يتنكر لطفولته البائسة، وكانت رواياته زلزالًا ضد الفقر. القارئ لديه هو الصبي الذي يعول على القراءة لترفعه من الحضيض، ديفيد كوبرفيلد يحلم بأن يصبح كاتبًا والقراءة طريقه.
لكننا لا نعدم لدى ديكنز صورة القارئ النهم من الأغنياء. في أوليفر تويست مشهد لقارئ شغوف هو السيد براونلو "كان قد تناول من الكشك كتابًا، ووقف يقرأ في استغراق وجدٍّ وكأنه جالس على كرسيه ذي الذراعين في مكتبه الخاص، ومن يدري، فلعله يكون قد توهم نفسه هناك، إذ كان واضحًا من استغراقه البالغ أنه لم يكن يرى لا الكشك ولا الشارع ولا الغلمان". الصبية في هذه الفقرة هم أشقياء ثلاثة بينهم من يصفه ديكينز بـ "المراوغ" الذي استدرج أوليفر تويست بعد هروبه من ملجأ دير، وضمه إلى عصابة سرقة يديرها يهودي جشع طاعن في السن.
استغل المراوغ استغراق مستر براونلو في القراءة وأقحم يده في جيبه ونشل منه منديلًا، وعندما انتبه الرجل استدار فرأى الصبية الهاربين، وكان أوليفر الأخير والأقل خبرة فأصبح المتهم واقتيد إلى الحجز. لكن القارئ النبيل خلَّصه من السجن وأخذه إلى بيته البديع رغبة في إنقاذه من عصابة السرقة وتعليمه، واستقبله أول مرة في مكتبه الخاص بمكتبته الكبيرة فتألقت عينا أوليفر لمرأى الكتب، ولاحظ مستر براونلو ذلك فأخبره بأن هذه الكتب كلها ستكون له إذا ما أحسن التصرف. وكان الولد ممتنًا، لكن العصابة ترصدته واستعادته، وكان أكبر عذابه أن يتصور مستر براونلو أنه خدعه.
لدى الأختين برونتي تكشف عادة القراءة رثاثة حال المرأة التي تولد وتُربى لكي تصطاد زوجًا غنيًّا، ولا تسمح لها قيودها بغير القراءة وزيارات المجاملة التافهة. في رواية جين إير لشارلوت برونتي تمنح القراءة للطفلة جين عالمًا رحبًا عن عالمها الأضيق من أن يستوعب ذكاءها ورغباتها. وفي مرتفعات ويذرنج لإيميلي برونتي ترسم القراءة علاقتها بالرجال وتحقق الاتصال الممكن. كاثرين قارئة نشطة تترك آثار قراءتها في الهامش على جانب الصفحة، وكان بوسع هيثكليف القارئ التالي للكتاب أن يقرأ كاثرين من خلال هوامشها.
من التبجيل إلى الاستغلال
لا يمكن إحصاء الروايات الغربية التي تظهر فيها صور القارئ المختلفة، وتداعيات عادة القراءة على الشخصية والحدث خلال أربعة قرون ونيف، في القرن التاسع عشر تبرز بالطبع مدام بوفاري ومأساتها النابعة من قراءة الروايات العاطفية، وفي القرن العشرين يمكن أن يتجه النظر في بداية القرن إلى مارسيل بروست وروايته الملحمية البحث عن الزمن المفقود وبداخلها قراءات الراوي وآراؤه في كُتَّاب آخرين، يتداولها في حواراته على مآدب العشاء مع آخرين يتفقون أو يختلفون معه، وتكشف هذه الحوارات القارئ العميق والمتظاهر بالقراءة كحلية اجتماعية.
ربما من أشهر مشاهد القراءة في الأدب، مشهد آنا كارنينا في القطار تقرأ رواية
لا يمكن تجاهل الأدب الروسي في موضوع القراءة. تبدو رواية تولستوي آنا كارنينا رديفًا لرواية فلوبير "مدام بوفاري". أشهر مشاهد الرواية وربما من أشهر مشاهد القراءة في الأدب، كانت آنا كارنينا في القطار تقرأ رواية، وتتوقف لتتأمل علاقتها بفرونسكي، ثم تعود لتقرأ. ورغم تشابه حياة المرأتين؛ يجعل تولستوي بطلته أكثر تبصرًا، فهي تتخذ من الكتاب مرآة لتأمل حياتها ولا تتماهى مع ما تقرأ بسطحية كبطلة فلوبير.
صور القراءة لدى دوستويفسكي هي الأكثر خطورة في تاريخ الأدب. في الجريمة والعقاب يقتل راسكولينيكوف المرابية العجوز. هو طالب فاشل وفقير لكن أصل الجريمة فكري، فهو قارئ وله وجهة نظر فكرية مدمرة. ورغم أن الجريمة كاملة إذ لم يرَهُ أحد؛ كشفه المحقق زاميوتف من مقال منشور له يدافع فيه عن حق الشخصيات المميزة المنذورة لتغيير التاريخ في قتل من يعترض المسيرة. وهذا المعتقد الذي فضحه هذا المتنبئ العظيم كان الأساس الذي بنيت عليه النازية، وكل عنف مارسته سلطة من الاتحاد السوفيتي إلى مزارع العالم الثالث.
وفي الأخوة كارامازوف، قتل سمردياكوف أباه فيودور بافلوفيتش (وهو بمثابة ابن غير الشرعي وخادم للأب) لكن المحرض هو الابن القارئ المثقف إيفان. ولم يتخلَّ كُتَّاب القرن العشرين الروس عن القراء داخل رواياتهم، ونابوكوف مثال بارز على ذلك.
الكتاب العدو والصديق!
الحضور الأول للكتاب في الرواية العربية يمنحه صورة العدو؛ فحسب المستقر بين النقاد تُعتبر رواية زينب لمحمد حسين هيكل الرواية العربية الأولى في الشكل الحديث، انتهى من كتابتها عام 1911 وتردد في نشرها حتى العام 1914. بطلها حامد ابن صاحب الأرض المتعلم الذي يقع في حب زينب، الفتاة الأمية العاملة بأرضهم، لكنها تتزوج ويعذبه حبها؛ فيقرر أن يترك القرية إلى العاصمة الفسيحة. ونعرف من السرد أن لدى أسرته مكتبة، نرى هذا التفصيل عندما يجلس الأب ليقرأ رسالة ابنه، فينظر إلى المكتبة بوصفها غريمه الذي أخذ منه ولده؛ ويُخمِّن سر أسى الشاب "إنه قد صرف همه إلى قراءة أشعار العشاق فأخذت بنفسه رقتها، فأصابت منه الفؤاد، وأدمت الجوارح، ورشقت قلبه عذوبتها، واحتلت النفس وتمكنت من كل وجوده".
وللمصادفة، ينشر جبران خليل جبران روايته القصيرة الأجنحة المتكسرة عام 1912، وفيها أيضًا يعاني البطل المعاناة ذاتها بين الواقع وما توحي به الكتب. يكتب في التقديم "كنت حائرًا بين تأثيرات الطبيعة وموحيات الكتب والأسفار، عندما سمعت الحب يهمس بشفتي سلمى في آذان نفسي" ويمضي السرد بضمير المتكلم؛ بما يوحي بأنها سيرة لجبران الممزق بين طبيعة عارمة وجميلة وكئيبة، وكتب لا تقدم العون "وبعد أيام وقد مللت الوحدة، وتعبت أجفاني من النظر إلى أوجه الكتب العابسة علوت مركبة طالبًا منزل فارس كرامة".
الكتاب ليس أساسيًّا لدى هيكل وجبران مع الفارق بين مشهدية هيكل وشعرية جبران اللغوية لكن حضور القارئ والقراءة القوي سيظهر مع طه حسين في رواية أديب (1935). فإسماعيل بطل الرواية يحاول الكتابة ويراها فعلًا حيويًا كتناول الطعام والنوم، وهو قارئ، ويُطعِّم كلامه بمقروءاته من الشعر.
وستنتظر عادة القراءة نجيب محفوظ، لكي تصبح على يديه جزءًا أصيلًا من بناء الشخصية وتطور الأحداث، وتتعدد لديه وظيفة القراءة وأنماط القارئ من المثقف إلى قارئ التسلية، حتى لصوص محفوظ يقرأون!
في نوفيلا اللص والكلاب تفصيل من الرهافة في غاية. يخرج سعيد مهران من السجن قاصدًا بيت زوجته نبوية وزوجها الجديد عليش سِدرة، يطلب استرداد ابنته وثروته. هل يمكن أن يتبادر إلى ذهن قارئ أن الثروة التي يطالب بها هي الكتب؟ تُنكر الطفلة أباها الذي لم ترَه ويحكم المخبر والجيران بتركها لأمها، ويبقى مطلب الثروة التي لا نعرفها، بينما يعرفها عليش؛ فيغيب داخل الشقة ويعود حاملًا "عامود متوسط من الكتب" فيتساءل سعيد عن بقية كتبه ويرد عليه غريمه بأن الطفلة أتلفتها، هذا التفصيل سيتعمق بعد ذلك عندما يتواجه سعيد مع رؤوف علوان، مرشده في القراءة الذي صار صحفيًّا ثريًا من النفاق، متنكرًا لكل ما غرسه في اللص من قيم.
العلاقة بين رؤوف وسعيد هي علاقة بين نمطين من القراء، نمط يؤمن هو سعيد ونمط يستخدم مهارته في القراءة للقفز من طبقته وهو رؤوف. كان لا بد أن يجعل محفوظ من بطله قارئًا؛ فهذا هو الذي يجعل من "اللص والكلاب" أكبر من نوفيلا بوليسية ومن سعيد مهران أكبر من شخصية لص، بل ضرب من عوليس عصري، أنكرته ابنته دون أن تقتله، لكن عانده القدر كما عاند عوليس وكُتب عليه التيه الذي انتهى بالمواجهة الأخيرة بينه وبين البوليس في المقابر.
يتواصل حضور القارئ والقراءة في الإبداع الروائي العربي إلى اليوم، والكثير من صور القارئ داخل الروايات هي للمثقف القريب من الكتابة بصفة أو أخرى، والأمثلة عليه كثيرة من كل الأجيال، وعلى سبيل المثال لا الحصر روايات: محمد برادة، نجوى بركات، غازي القصيبي، رجاء عالم. ولكننا لا نعدم صور القارئ البريء الذي يقرأ للتسلية مثل يوسف النجار بطل رواية إبراهيم أصلان مالك الحزين ومع ذلك كانت القراءة أحد أسباب اغترابه.
وأحيانًا ما يتمدد دور القراءة فتصبح أساس البناء كما في رواية دنيا لعلوية صبح؛ تقرأ البطلة دنيا رواية تحكي بالضبط حكايتها وحكاية صديقتها فريال، وفي وراق الحب لخليل صويلح؛ يقرأ الراوي البطل كتب تراث الحب فتتضافر حكاياتها مع حكايته المعاصرة.
انحرافات القراءة والقارئ
تطور ولع القراءة في القرن العشرين، وأصبحت هناك روايات تحمل الكلمة عنوانًا لها، مثل رواية القارئ للألماني برنهارد شلينك التي تحولت إلى فيلم بالغ الشهرة يعد وثيقة على بشاعة النازية. تقوم الرواية على ولع رهيب ينشأ بين مراهق وعاملة أميَّة، تنتهي لقاءاتهما الغرامية الصاخبة بأجمل منها: يقرأ الصبي للمرأة بصوت عال. لكن الكاتب يبقي التفصيل الأكثر رهافة للقارئ كي يكتشفه. تُقاد العاملة إلى المعتقل متهمة بكتابة منشور، وتدفع سنوات طويلة من حياتها، وكان بوسعها أن تدافع عن نفسها ببساطة بأنها لا تعرف القراءة أو الكتابة لكنها فضَّلت أن تُسجن وأن تبلغ شيخوختها في السجن. لا أعتقد أن التاريخ عرف خجلًا من الأمية أكبر من خجل هانا شميتس؟
في أواخر الستينيات ولدت نظرية التلقي في الغرب، بكتاب هانز روبرت ياوس، بينما كان البلاغيون العرب كالجرجاني على وعي تام بموضوع التلقي، لكن من يُسمي يصبح الأب. ربما كان لهذه النظرية الأثر في مولد كتب ثقافية أقل أكاديمية، تحتفي بالقارئ والقراءة ابتداء من ثمانينيات القرن العشرين ومثالها البارز ألبرتو مانجويل عندما أصدر تاريخ القراءة لكن مانجويل ومن سار بعده على هذه الدرب من التأليف أسرفوا في تمجيد القارئ إلى حد الإفساد، وخلق ظاهرة الاستعراض بالكتب.
والأسوأ في هذا الباب هي الروايات التي تُبنى على ثيمة القراءة بقصدية واعية تقلل من قيمتها الفنية. هناك كثرة من الروايات تحمل كلمة قارئ أو قراءة أو مكتبة في عناوينها، كما يظهر في الروايات قراء وقارئات أسطوريين لا يمنعهم من قراءة آلاف الكتب حتى عاهة العمى، وهي ثيمة يعاد تدويرها عربيًّا.
وصل الأمر حد استنزاف ثيمة القراءة والتنكيل بالقارئ. ومن سوء حظ الأدب أن تلتقي مثل هذه الكتابات التمجيدية للقراءة مع القارئ في ظروف السوشيال ميديا التي تنادي كل مستخدم ليقول قولًا ويصور صورة؛ والصورة التي ينبغي رفعها هي صورة القارئ في مكان جميل مع غلاف رواية جديدة. القارئ يعرف الكاتب غالبًا، لا بأس، لنفرح بتمجيد القراءة في مجتمعات لم تكن تقرأ على نطاق واسع، لكن يجب ألا نغادر هذه الحفرة وقد نسينا أن الأصل في الكاتب أن يكتب منفردًا، حتى لو كتب في مقهى فهو لا يشعر بمن حوله، وكذلك الأصل في القارئ أن يقرأ وحيدًا مستغرقًا، حتى لو كان واقفًا في شارع عامر باللصوص.


