أنور إبراهيم.. دوستويفسكي سيأتي الليلة
أخذ يشرح لنا رموز وسام دوستويفسكي الذي تقلّده منذ أيام، ببهجة طفل عندما يُطلع أول زائر للبيت على أعاجيب لعبته الجديدة. هذه الكتب، التي ترتكز إلى محيط الدائرة مثل بتلات الوردة، هي الأناجيل الأربعة، والقوسان المتعانقان من طرفيهما أحدهما غصن غار والآخر سلسلة ترمز إلى قيد دوستويفسكي في السجن الذي دخله بوصفه مخربًا.
وبينما يُطلعنا على شهادة التقدير المصاحبة للوسام الروسي الرفيع، اهتم بتنبيهنا إلى توقيع واحد من التوقيعين على الشهادة: هذا لحفيد دوستويفسكي.
سأله أحدنا: هل الوسام ذهبي؟ تحيَّر لحظة وقال ببراءة: لا أدري!
يقول شاعر البرتغال فرناندو بيسوا إن الأطفال لا يُفرِّقون بين الذهب والزجاج، وكذلك يفعل أنور إبراهيم؛ يبحث عن المعنى في الذهب والزجاج.
طفل شغوف
كنا تَنَادينا لجلسة المقهى احتفالًا بفوزه. عبد المنعم رمضان، حسين عبد الجواد، عادل ضرغام، أمل سالم، وصابر رشدي، وحامل الوسام وأنا. أخذنا نُعلِّق الوسام في رقابنا، واحدًا وراء الآخر ونلتقط الصور، فهذا فوزنا جميعًا. هكذا قال عبد المنعم رمضان بحب غامر وصدق مطلق.
قلة من الأطفال يتسامحون مع من يقترب إلى هذا الحد من لعبهم، بينهم أنور إبراهيم. ربَّاه أبٌ كان تاجرًا في الموسكي وقت أن كانت للتجارة قيم وتقاليد. نقل لي ذات مرة عن العلاقة بين أبيه وجيرانه في السوق: كانوا يفتحون دكاكينهم في الصباح يتبادلون التحايا وإذا باع أحدهم بيعة وجاءته الثانية، يمرر الزبون إلى جاره الذي لم يستفتح بعد.
عرفت أنور ما يزيد عن ربع قرن، بفضل صديق ومترجم قدير هو المرحوم طلعت الشايب. هاتفته للتأكيد على جلستنا في مقهى أمام بيته، فقال لي إن أنور دوستويفسكي سيأتي الليلة، ستتعرف على إنسان نادر الوجود. بعد ذلك عرفت لماذا منحه الشايب كنية دوستويفسكي.
آلاف الباحثين حول العالم يعدون أطروحات الدكتوراه حول كاتب ما كبير، ولا بد أن هناك المئات تخصصوا في دوستويفسكي، لكن كم باحثًا بينهم بلغ به الافتتان القدر الذي بلغه أنور إبراهيم؟
جمع طلعت الشايب بأنور إبراهيم الشغف والبحث عن المعنى في الذهب والزجاج بنفس الدأب، والتمسك بالطفولة الذي يجعل كلاهما عاجزًا عن تذوق متعة النميمة. حكى طلعت لنا مرَّة عن كنَّاس يذهب إلى عمله العظيم فخورًا وسعيدًا بأنه يجعل الحياة أجمل في المسافة المسؤول عنها من الشارع.
لا أذكر الآن المصدر الذي استقى منه حكايته، لكنها تُمثِّله بقدر ما تُمثِّل أنور. وأزعم أن أيًا منهما كان سيبرع في شي الذرة ويملأ هذا العمل بالمعنى لو قرر ذلك؛ فالشغف لديهما أساسي مثل الخلية الجذعية التي يمكن توجيهها لبناء كبد أو قلب أو مخ أو ذراع.
وسَّع الشايب نطاق شغفه ليترجم الإبداع حتى لو لم تكن الإنجليزية التي يترجم عنها لغة الكتاب الأولى، واختار أنور الإقامة في اللغة الروسية، بالقرب من دوستويفسكي الذي درسه ونال عام 1983 الدكتوراه في البناء الفني لروايته الأبله من جامعة موسكو.
الافتتان العظيم
في جلستنا الأولى تحقق وعد طلعت، لكن "الإنسان نادر الوجود" صار "الصديق نادر الوجود". ولم تكن النتيجة لتختلف لو كان يزاول أي مهنة أخرى أو يدرس ويترجم أي أدب في الدنيا. في جلستنا الأولى فاضت البهجة التي يتحدث بها عن دوستويفسكي فغمرتنا وغمرت ما حولنا، وكأن الكآبة لم تولد بعد.
وكنت جاهزًا لسحره بصفتي قارئًا لكاتب أعتبره الأهم خلال قرنين. لم أعرف كاتبًا قبله أو بعده استطاع أن يواجه أكثر أركان النفس البشرية إظلامًا كما فعل هو، أضاء لي أنور الكثير من الغافي داخل طبقات الروايات التي أحببتها في القراءات الأولى. لم يكن دوستويفسكي يكتفي باشتباكه المباشر مع الظواهر الاجتماعية والسياسية في كتاباته الصحفية؛ بل في إبداعه كذلك.
أخطر اكتشافات دوستويفسكي التي تجعله من أعظم الروائيين في التاريخ، وتجعل أنور محقًا في الافتتان به، أنه رأى أن أفظع جرائم العنف الفردي والاستبداد تبدأ بالفكرة.
راسكولينيكوف بطل الجريمة والعقاب قتل المرابية العجوز وأختها الحامل (قتل ثلاثة في الواقع) لأنه كان مؤمنًا بالفكرة التي تأسست عليها النازية وكل جريمة لاحقة حتى الإبادة في غزة: حق المميزين المنذورين لتقدم البشرية في القتل!
تنطوي بعض روايات دوستويفسكي على جرائم، لكنها ليست روايات الجريمة بسماتها الفنية التي نعرفها، بل كان يلح عملًا بعد آخر على التنبيه إلى أن أخطر الجرائم تولد في الفكر. مثلما كانت جريمة قتل المرأة فكرة في الجريمة والعقاب كانت جريمة قتل الأب في الأخوة كارامازوف فكرة لدى إيفان، أوحى بها للأخ غير المعترف به سمردياكوف. وفي الشياطين تنبأ دوستويفسكي بجحيم العنف الثوري والرعب الذي عاشه المجتمع الروسي تحت استبداد دام سبعين عامًا باسم مبدأ المساواة النبيل.
غازلي النور
بالنسبة لدوستويفسكي لا يمكن للخير أن يولد من أي شر، ولا يولد هدف نبيل من جريمة. وبالنسبة لأنور، لا يمكن للحب أن ينطوي على دناءة، وكم من دناءات تُرتكب اليوم بعد أن ركبت الثقافة قطار التجارة.
ذات يوم تلقى عرضًا لتقديم ترجمة جديدة لأعمال دوستويفسكي، أوحى له المفاوض بأن ما سيفعله هو مراجعة مع قليل من التحرير لترجمة الدكتور سامي الدروبي. ما تريده الدار مبيعات جديدة بزعم ترجمة جديدة عن الروسية مباشرة، وكان الدروبي ترجم عن الفرنسية. لم يرَّ أنور في العرض سوى دعوة للاشتراك في سرقة، فرفض.
بصرف النظر عن السطو على ترجمات الغير بقليل من التصرف التحريري، فإعادة ترجمة كتاب عملية مشروعة في حالات منها أن تكون الترجمة السابقة متضمنه أخطاء غيرت المعنى، أو لتقادم لغة الترجمة. فما تُرجم في النصف الأول من القرن العشرين يستحق الإعادة اليوم، لكن في هذه الحالات يكتب المترجم تقديمًا يشرح فيه ما دفعه إلى ترجمة المُترجم، لا أن يتصرف كلص متظاهرًا بأنه لم يرَ الترجمة السابقة.
سيرة العطرين تشد بعضها بعضًا، وأتذكر هنا صنيع الدكتور أبو بكر يوسف مع ترجمة الدروبي التي صدرت أولًا في مصر، ولما طلبت دار رادوغا الروسية من يوسف مراجعة ترجمة الدروبي قبل نشر طبعتها، كتب مقدمة للترجمة تُعد درسًا في الأخلاق الثقافية، لم يخف وجهه ولم يوسع من دوره، بل كانت مقدمته ثناءً على عمل الدروبي.
بدأت هذا المقال بنية الاحتفاء بأنور إبراهيم، فإذا بي أذكر الشايب وأبو بكر يوسف، بوصفهما اثنين من حماة الوطن المسلحين بشغفهم ومهارتهم فحسب، الذين يتركون وراءهم ما يبقى ليساهم في بقاء وطن يمرض أحيانًا، لكنه لا يموت؛ لأن أجيالًا من غازلي النور تولد بعد أجيال.
لم يكن يوسف وإبراهيم ليتركا دوستويفسكي دون ترجمة لو لم ينجزها الدروبي. صرف أنور حبه لدستويفسكي في مصارف أكثر نفعًا من إعادة ترجمته؛ ترجم كتبًا ومذكرات تضيء نصوصه بينها مذكرات الزوجة ومذكرات الابنة ومراسلات سوسلوفا صديقة الكاتب، إلى جانب قائمة طويلة من الأعمال الإبداعية والفكرية والتاريخية الروسية، بينها الماس والرماد: حوار فيكتور دوفاكين مع ميخائيل باختين واليهود في الإمبراطورية العثمانية.
تقاطعت مع ولعه في محطات عملي، نشرت له نساء في حياة دوستويفسكي عندما كنت مشرفًا على قطاع الثقافة بأخبار اليوم. عندما تطلب منه عملًا تجد العديد من المقترحات، مع شروح لكل كتاب من الكتب يندفع منه الكلام كنهر، لا بد أن يكون المستمع ضفافه للاتفاق على خيار، لكن غالبية ترجماته أنجزها دون أن يفكر في إمكانات النشر أو فيما سيتلقاه كمقابل، كأن المال لم يُخترع بعد. وربما لا يتخيل أحد أن هناك مترجمًا تعرب له عن إعجابك بكتاب يتحدث عنه فيترجم لك جزءًا لتقرأه!
عندما يتحدث صاحب الروح الطفلة عن كتاب يحبه يتحول إلى طفل؛ تسقط عقود من الزمن عن وجهه. نتحدث عن كاتب أو شاعرة، ونظن أن حديثنا اكتمل، ونفاجأ به في اللقاء التالي يحمل البراهين إلى المقهى، قد يكون البرهان كتابًا ضخمًا من "كتب الطاولة" التي لا يمكن تصفحها إلا في مكانها. يعرف أننا لا نعرف الروسية، لكنه يأتي بالكتب لنرى النص بعيوننا، وبالطبع البورتريهات البديعة، ويتفرع الحديث عن رساميها، مكانتهم، علاقة الرسام بالمرسوم والمصير الذي انتهى إليه كلاهما.
ولم أعرف حتى الآن أحدًا من المثقفين لديه كرم أنور إبراهيم في إتاحة مكتبته. كل مقتني الكتب بخلاء، لكنه يعير ويهدي، وإذا نفد الكتاب ينسخ منه ويحمل النسخ إلى طالبيها.