تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الروائية عدنية شلبي والكاتبة إيمان مرسال والروائي إلياس خوري

هل ترجمة أدبنا مهمة حقًا؟

تعليق على مقالي عمار علي حسن وأحمد ناجي

منشور الثلاثاء 7 تموز/يوليو 2026

أحرص في مقالاتي بـ المنصة على الالتزام بقضايا الشأن العام، أدخله من باب العمران الذي يكشف كل شيء في السياسة والاقتصاد والمجتمع. المرات القليلة التي تناولت فيها شأنًا أدبيًّا كانت بطلب من هيئة تحرير الموقع.

ولديَّ سببان لهذا التفضيل، الأول يتعلق بالأولويات: لا يمكن أن نفكر في الجمال بينما تمسك النار بستارة الغرفة، والسبب الثاني ليس بعيدًا عن تصورات العمران: وهي أنك لا تستطيع أن تنطلق في إنشاء مبنى من الطابق العاشر.

الأدب هو الطابق العاشر، ومن حسن الحظ أنه ولَعٌ فردي، وسنظل نكتب كأفراد، بسبب الولع الخاص لدى كل كاتب. هناك بالطبع مناخ يدعم أو يحبط، وهناك مجتمع أدبي يساهم وصناعة ثقافة تُدعِّم الجهود الفردية؛ وهذه أمور  لا يمكن الرهان عليها في ظل الوضع السياسي الراهن.

لكن النقاش الذي اتسعت له المنصة مؤخرًا، حول ترجمة الأدب العربي، أثار شهية المشاركة فيه، خصوصًا وأنني أعتز بطرفيه؛ عمار علي حسن الذي بدأ بمقال  "ترجمة الرواية العربية.. تهميش آدابنا وتكريس صورة بائسة لمجتمعنا"، وأحمد ناجي الذي ردَّ بمقال "كيف نتجاوز وهم العالمية ونُبصر كارثتنا الأدبية؟". والطبيعة السجالية لعنوان ناجي تخفي الكثير من عناصر الاتفاق بينهما.

اختلاف ظاهري

من فعاليات معرض فرانكفورت للكتاب- أكتوبر 2023

لا أزايد على الدكتور عمَّار، فهو ألزم مني بفكرة الضريبة الوطنية التي يجب أن يدفعها الكاتب الروائي بكتابته في الشأن السياسي، لكنه روائي أيضًا ومن حقه أن يرى ما يراه بشأن ترجمة أدبنا.

يرى عمَّار أن أدبنا العربي يتعرض للتهميش والتمييز السلبي في اللغات الأخرى الأكثر انتشارًا، وليس مسموحًا له أن يدخل إلا من الأبواب الضيقة؛ أي دور النشر الصغيرة والجامعية، بالإضافة إلى تشويه النصوص بسوء الترجمة والتحرير الجائر حذفًا وتغييرًا في بناء الرواية، معرجًا على الأغراض غير الأدبية لترجمة الأدب العربي كالتلصص أو الفحص السياسي، والبحث في الروايات عما يلبي النظرة السائدة المستقرة عنا، منوهًا كذلك بتودد بعض الكتاب العرب إلى المترجمين بغرض ترجمة كتبهم.

وجاء المقال الذي كتبه أحمد ناجي ردًا على مقال عمَّار من واقع خبراته مقيمًا في الولايات المتحدة، بادئًا بروح سجالية لم يكن بحاجة إليها لأن ما ساقه من معلومات لواقع النشر وبالتالي واقع الترجمة في الغرب كان مقنعًا وكافيًا لإضاءة الصورة، وما قدمه يكمل رؤية عمار، لا ينقضها.

في تفكيكه لواقع النشر الغربي، يؤكد ناجي أن من يتحكم في اللغة العالمية الأولى؛ الإنجليزية ومعها الألمانية، هما عائلتان مناصرتان لإسرائيل، تسيطران على المليارات في سوق النشر، وتتحكمان في معرض فرانكفورت. وقد فسَّر لي ما ساقه بشأن المعرض الأشهر في العالم، الموقف الذي تعرّضت له الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي. 

وأتفق مع ناجي على تميّز عدنية وروايتها تفصيل ثانوي التي مُنع الاحتفال بترجمتها الألمانية كما كان مقررًا في معرض 2023، بل وخصص المنظمون في المقابل ركنًا للأصوات الإسرائيلية كنوع من الاعتذار عن "خطأ" ترجمة رواية فلسطينية.

أثر السياق

مبدأ التمييز السلبي موجود إذًا، وبعد حرب الإبادة في غزة تضاعف الأمر. والمتبقي للأدب العربي هو الأبواب الضيقة، من الدور الجامعية والدور الصغيرة. وأجدني متفقًا مع ناجي في أن الأدب لم يعد مصدرًا للمعلومات عن المجتمعات العربية. وهذا تحول جديد، لأن المتتبع لخط الترجمة من تسعينيات القرن العشرين وحتى الربيع العربي سيجد أن الاهتمام بالكتابة المصرية كان متزامنًا مع الحراك ضد مبارك، ليس الترجمة فقط، لكن أيضًا على صعيد المؤتمرات الأدبية، بعض الكتاب كانوا يعودون إلى القاهرة لتبديل حقيبة السفر، ثم صار التركيز على خط الحروب، فكانت الأهمية بالتتابع تنتقل من العراق إلى سوريا واليمن، بين 2011 و2020.

ورغم فجاجة واقعة معرض فرانكفورت من تضييق مباشر على رواية فلسطينية، يجب وضع الموقف من ترجمة الأدب العربي في السياق الاقتصادي والسياسي العام الذي يحكم النشر الغربي. ولأحمد ناجي مقال وافٍ في العدد 59 من مجلة الجسرة الثقافية، مخصصٌ كله لصورة النشر في الولايات المتحدة، القائمة على قواعد السوق الصارمة ومبدأ التفوق الأمريكي، مستشهدًا بفضيحة رواية الوسخ الأمريكي للكاتبة جنين كومينز المليئة بالصور النمطية عن مهاجري المكسيك. حصلت الكاتبة على أكثر من مليون دولار قبل كتابتها، وصرحت فيما بعد أنها لم تكن فكرتها وأنها كتبتها بطلب من دور النشر.

من الخطير اعتبار الكثير من الكتاب العرب فخورون بالرجعية، والجُبن يجعلهم يتحاشون الممنوعات

ويثبت ناجي في مقاله بالأرقام أن الترجمة بشكل عام لا تشكل سوى هامش صغير في صناعة النشر، والترجمة من العربية في معظمها تعتمد على النشر الجامعي وتنتهي في المخازن أو عند باعة الكتب القديمة.

وهو بهذا لا يبتعد عن رؤية عمار، لكن روح المحاججة وصلت به في مقال المنصة إلى أحكام مطلقة في الجهة المقابلة، وأولها اليقين بأن أدبنا يعاني كارثة، كما جاء بالعنوان، يدلل عليها من خلال حديث بينه وبين محررة دار نشر بريطانية عن غياب الأصوات النسائية في القوائم النهائية لجائزة خليجية.

مبدئيًا، لا يصح الاستشهاد بمخرجات جائزة باعتبارها دليلًا على حال الكاتب والرواية العربية. وهذا باب لو فتحناه سيأخذنا بعيدًا عن نقاش الترجمة، والعوار في الجوائز المصرية أكثر من الخليجية على أية حال. لكن الخطير هو القول بأن الكثير من الكتاب العرب يفخرون بالأفكار الرجعية، وبينها احتقار المرأة، والطائفية والعنصرية، والجبن يجعلهم يتحاشون الممنوعات. ولو كان الأمر كذلك لكُنا في موت ما بعد الكارثة، وليس في الكارثة ذاتها.

قاعدة الانتخاب

وفي معرض رفضه لمآخذ عمار على مساوئ الترجمة، وبينها ترجمة الضعيف الذي لا يمثل الأدب العربي، سواء لأهداف سياسية أو بسبب العلاقات بين كتاب عرب ومترجميهم، يقرر ناجي أن العكس هو الصحيح وأن مترجمي الأدب العربي يبحثون عن التجديد في الحبكة، مستشهدًا بترجمات إيمان مرسال وعدنية شبلي وإلياس خوري، ويوسف رخا ومحمد خير.

والأمر ليس سجالًا، فالأدب العربي الجيد ممثلٌ في الترجمة الأوروبية والرديء ممثل كذلك، كما هو حال النشر عندنا وطبقًا لمعطيات الواقع الثقافي، ومنه أن الجوائز تدعم ترجمات فائزيها وبعض الكتاب يدفعون لترجمة أعمالهم. وإذا كانت الأعمال التي ذكرها ناجي هي التي تستحق الترجمة؛ ففيها وحدها الكفاية لكي لا تكون هناك كارثة أدبية عربية.

عدم ترجمة أدب معين ليس دليلًا تلقائيًّا على ضعفه أو أنه في كارثة

بمرور الزمن وسقوط حجاب المعاصرة يتبقى من كل حقبة أدبية عدد قليل من الأسماء. أدب الروس في القرن التاسع عشر انتهى إلى الثنائي تولستوي ودوستويفسكي، وانتهى الأدب الفرنسي إلى كاتبين أو ثلاثة في كل قرن. وأدبنا ليس مختلفًا، كان هناك الكثير من الكُتَّاب في النصف الأول من القرن العشرين وكلهم مقروءون وأدَّوا أدوارهم لكن الزمن لم ينتخب سوى القليل من الأسماء.

وعدم ترجمة أدب معين ليس دليلًا تلقائيًّا على ضعفه أو أنه في كارثة. إسبانيا التي وضعت أساس الرواية الأوروبية الحديثة في بداية القرن السابع عشر برواية سرفانتيس دون كيخوته، لم نسمع بعد ذلك عن كتّابها، وكان لديها من يضاهي بلزاك وفلوبير الفرنسيين، لكن الثورة الفرنسية منحت فرنسا ألقًا وصدارة عالمية لم تتوفر لإسبانيا.

شمس نجيب محفوظ

أحب أحيانًا تحاشي الدوران حول اسم نجيب محفوظ في كل قضايانا، لكنه في سياق الترجمة مثال حي يوفر علينا الكثير من الجدل. لم تحصل روايات محفوظ على ما تستحق في الغرب؛ لأن السطح الاجتماعي لرواياته حجب عمقه الفلسفي. وهنا سأفترض أن للاستكبار الغربي دورًا في هذا؛ وكأنهم يقولون: يكفيه أنه كاتب الحارة، وبلزاك العرب.

ربما أكون مخطئًا، لكن ما أعنيه بالفلسفة عند نجيب محفوظ ليس علاقته بالفلسفة الكلاسيكية التي تبحث في الميتافيزيقا، بل بفروعها الجديدة: الفلسفة الإنسانية بتياراتها المختلفة من وجودية وبراجماتية إلى آخر التيارات التي قامت على فكرة مركزية الإنسان لا الإله، منذ أن بدأت البشرية تتحكم في الطبيعة.

والمهم في علاقة محفوظ بالفلسفة الإنسانية، أنه لا يتبع المنهج بل يحاكمه، ليرى إن كان صالحًا أم مدمرًا. وفي هذا هو ثاني اثنين في التاريخ الأدبي كله، لم يسبقه سوى دوستويفسكي. وهكذا فهو واحد من كتاب الإنسانية العظام عبر التاريخ وليس مجرد حاصل على نوبل.

النظرة الاستعلائية الغربية ليست وهمًا يتملك عمار علي حسن، وإلا أين نضع دراسات نقد المركزية الأوروبية ودراسات ما بعد الاستعمار ودراسات التابع بأعلامها الأساسيين من أبناء المستعمرات من أمثال فرانز فانون وإدوارد سعيد وهومي بابا؟

المحرر ابن السوق

في معرض رده على استنكار عمار لتحرير النصوص العربية والحذف منها عند نشرها مُترجمة، يعتبر ناجي أن أحد أسباب كارثتنا الأدبية هي إيمان الكاتب العربي بقدسية نصه، ضاربًا المثل بتحرير روايات هاروكي موراكامي واختلاف نسخها الإنجليزية عن اليابانية.

وفي هذا الشأن أيضًا غلبت الروح السجالية، فأولًا، فكرة المحرر ودوره المحوري هي فكرة جديدة حتى على الآداب الغربية نفسها، مرتبطة بتحول نشر وتسويق الكتب إلى صناعة يجب أن تدر الأموال، لكن لا سرفانتس ولا فلوبير ولا مارسيل بروست ولا إرنست هيمنجواي ولا فرجينيا وولف كان لديهم محرر أدبي. كان هناك  الأصدقاء يقرأون ويشيرون بما يرونه على الكاتب، وهذا ما يفعله الكاتب العربي الحريص على نصه.

وهذا يدفعنا للتروي في الدعوات المنتشرة عربيًا لتوسيع دور المحرر الأدبي، لأن هذه الوظيفة ابنة السوق لا الأدب. المحرر لا يمر من تحت يده إلا النصوص المألوفة التي تدر الأرباح، وهاروكي موراكامي من هذا النوع المربح، وكتابته خالية من النكهة الوطنية التي تعوق عبوره للحدود. هو نموذج كاتب حقبة العولمة، ولا يجب أن نخشى سطوة انتشاره.

وإن كان مترجمو الأدب العربي الغربيون يبحثون عن الجديد والمتجاوز في أدبنا فلهم الشكر، وهذا يعني أن حظ أدبنا لديهم أفضل من حظوظ آدابهم؛ ففي ظل سطوة محرري الأدب لا يمكن أن يمر تجديد في الأدب الغربي كالذي صنعه مارسيل بروست بجملته بالغة الطول، ولأنني لا أحب الأحكام المُبرمة، أقول قد يمر المختلف ولكن من باب صغير، وليس من الدور الكبرى.

وأختتم بالاتفاق مع ناجي على ضرورة التخلي عن وهم العالمية. وهذا يعني ضرورة تخلي الكاتب العربي عن شهوة رؤية اسمه مكتوبًا من اليسار إلى اليمين، ليس إضرابًا عن متعة بعيدة المنال أو رضى بما لدينا، بل إيمانًا بأن مصلحتنا في قراءتنا للآداب الأخرى أكثر من حاجتنا إلى أن يقرأنا الآخرون؛ هذه حاجتهم هم.