الحرية بنت الكفاية.. طه حسين والمعذبون في الأرض
عَرف الأديب والمفكر الراحل طه حسين (1889-1973) حياة بسطاء الناس، وتعاطف معهم، فصار وجودهم حاضرًا في نصه الأدبي، وماثلًا في رؤيته الفكرية، فهو ينتمي إلى أسرة ريفية لم يكن الفقر بعيدًا عنها، وهو من خالط فقراء طلاب الأزهر في حي بسيط، أمعن في وصف أحواله الرقيقة، وهو إن كان قد احتك منذ أول الصبا بأثرياء أو أناس من الطبقة الوسطى، فما كان له أن يرتقي إليهم لولا علمه وطموحه.
العدل الاجتماعي
وقد تأصلت هذه المسألة في عقل طه حسين ونفسه إلى درجة أن ذهب بالمساواة إلى ما هو أبعد من الحياة الاجتماعية، إذ يراها مسألة طبيعية، فيقول "لا أعرف أن الناس يستوون في شيء كما يستوون في دخولهم هذه الدنيا وخروجهم منها، فهم يسلكون إلى الحياة طريقًا واحدة لا فرق فيها بين غني وفقير، ولا بين ملك وسوقة".
أعطى طه حسين قضية العدل الاجتماعي عمقًا شديدًا حين ربطها بالتطور السياسي الديمقراطي
وأقر الرجل أن هذا الأساس الطبيعي يعمل على إيجاد "تسوية إيجابية" بين الناس في الحياة، "فكلهم محتاج إلى أن يتنفس ليحيا، وكلهم محتاج إلى أن يأكل ويشرب ليحيا، وكلهم محتاج إلى أن يتقي العوارض والآفات"، لكنه كان يرى أن غرور الناس يجعل هذا يضيع في ممارساتهم الاجتماعية، فالناس "لا ينتفعون بهذا الدرس الذي تلقيه عليهم الطبيعة حين تسوى بينهم إيجابًا، ولا ينتفعون بذلك الدرس الذي تلقيه عليهم الطبيعة حين تسوي بينهم سلبًا، فهم مغرورون لا يفكرون إلا في أنفسهم".
لقد شغل الدفاع عن الفقراء حيزًا من نص طه حسين منذ وقت مبكر، وكان عطاؤه في هذا الاتجاه بارزًا لدرجة أن الملك فاروق كان يعده من الشيوعيين، وهي تهمة جاءت من علٍ، ولم تلتصق به، فالشيوعيون أنفسهم لم يعدوه منهم، وإن راق لهم بالطبع دفاعه عن الفقراء، ومجانية التعليم، ونشدانه العدل الاجتماعي.
ففي عام 1945 كتب مقالًا بعنوان "من وحي الريف" قال فيه "تطور النظام الاجتماعي والسياسي، وأصبح المصريون في هذه الأيام ينعمون بالحياة الديمقراطية، وما تشيع في الناس من العدل. تطور النظام الاجتماعي والسياسي فيما يقال، وفيما يكتب في الصحف، وفيما يعلم للتلاميذ في المدراس، ولكن الناس لا زال منهم الشقي البائس والسعيد الناعم، وما زال منهم المستكبر المستعلي، والمتضائل المستكين".
وأعطى طه حسين قضية العدل الاجتماعي عمقًا شديدًا حين ربطها بالتطور السياسي الديمقراطي، فهو القائل إنه "يجب أن تكفل الديمقراطية للشعب المصري أن يكون حرًا، فلا يضار في أي عمل يأتيه أو أي قول بقوله ما دام لا يخالف القوانين .. ويجب أن تكفل الديمقراطية المصرية للشعب القوت". ولذا يجب أن "تتضمن الديمقراطية الإحساس بالناس لإقامة حياة سليمة"، إذ "ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام".
وبدا هذا واضحًا في محاضرة ألقاها عام 1945، قال فيها إن الحرية السياسية يجب ألا تدع مصريًا واحدًا يواجه الجوع، ووصف كل وسيلة نسلكها في سبيل بلوغ هذه الغاية بأنها مباحة.
وبين صيف 1948 ومطلع 1950 كتب عدة مقالات بعضها عن الظلم الاجتماعي، وانتقد انعدام المساواة في الحياة المصرية، مناديا بإصلاح نظام الضرائب، وضرورة سن قوانين من هذا القبيل.
الثورة والفقراء
وحتى حين قامت ثورة يوليو 1952 ورفعت شعار "العدالة الاجتماعية" نبه هو، في مقال نشره بالأهرام في 6 ديسمبر 1952، إلى أن هذا الشعار يجب أن يترجم في إجراءات وسياسات تعطي الفقراء حقوقهم، ولذا حين وجد دعوات الإحسان والتصدق مستمرة، وهو من رفضها في الأريعينيات، فكتب يقول "كان ينبغي أن يكون المصريون جميعًا بمأمن من العاديات، لا يحتاج بعضهم إلى صدقة بعض، لأنهم جميعًا أبناء مصر، لهم جميعًا أرضها الخصبة، وجوها الصحو، وشمسها المشرقة، وسماؤها الصافية، ونهرها الذي يحمل إليها الخير في كل آنٍ من الليل والنهار، ولكن فكر الحياة الاجتماعية قد انتهى عصر إلى هذه الحال المؤلفة المخزية".
هاجم طه حسين الحكومات والمترفين على حد سواء
ومن زاوية انشغاله كمؤرخ، يبحث طه حسين عن قضية العدل في مقارنته بين ما أحدثته ثورة سبارتكوس في روما القديمة وما أحدثته ثورة الزنج في تاريخ المسلمين، فيقول عن الساعين إلى العدل الاجتماعي، إنهم "ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى الاشتراكية الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم لا ينظرون أو لا يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي، كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، وقليل منهم، بل أقل من القليل، أولئك الذين يحاولون أن يتابعوا نشأة هذه الفكرة وتطورها في البيئات الإسلامية الثائرة".
ويمكن هنا أن نقدم باطمئنان قصص طه حسين التي ضمها كتابه المعذبون في الأرض (1949) إلى تلك البراهين القوية التي تثبت أن الرجل لم يتنكر للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، حتى لو كان في أول حياته السياسية قد انتمى إلى حزب الأحرار الدستوريين الذي كان يضم في عضويته عِلية القوم، ثم ترقي طه في المعيشة، كأستاذ جامعي وكاتب تصدر المشهد الثقافي العربي عقودًا من الزمن، بما أتاح له عيشًا مريحًا، قياسًا إلى الغالبية الكاسحة من المصريين.
صور طه في "المعذبون في الأرض" حياة البائسين بفعل الفقر والجهل والمرض، بما جعل قصصه تصل إلى أن تكون بيانًا أو منشورًا سياسيًا ثوريًا، يدعو إلى تغيير أيديولوجية المجتمع، بدءًا من الإهداء حتى النهاية التي أعطاها عنوانًا ظاهرًا كاشفًا هو "مصر المريضة".
عضوية حزب الوفد
لقد حمل هذا الكتاب، الذي انتهى طه حسين من تأليفه عام 1947، صرخة عالية في وجه الظلم الاجتماعي، ومسعى واضحًا في سبيل إقامة العدل، وهذا في زمن كان صوت اليسار المصري يعلو رويدًا رويدًا، حتى صار مسموعًا في أماكن كثيرة، ولم تجد السلطة ممثلة في الإنجليز، الذين كانوا يحتلون مصر، وفي الملك الذي كانت حوله طبقة من المترفين، وفي رجال أحزاب الصفوة التي ضمت الموسرين، بُدًّا من التصدي لهؤلاء اليساريين، الذين ينحازون إلى الفقراء والمعدمين، ويحرضونهم على المقاومة والتمرد والثورة.
إن قصص "المعذبون في الأرض" تؤكد أيضًا أن طه حسين لم ينس في غمرة انتمائه إلى حزب يمثل الصفوة، أن غالبية المصريين ينتظرون إنصافًا من أصحاب الأقلام، الذين انشغل أغلب أولي العزم منهم بمسألة الحرية السياسية، ولم يعطوا قضية العدالة الاجتماعية ما ينبغي أن تناله من اهتمام.
ويتضح انحياز طه حسين للفقراء من الإهداء الذي تصدر هذه المجموعة القصصية، حيث يقول:
"إلى الذين يحرقهم الشوق إلى العدل،
وإلى الذين يؤرقهم الخوف من العدل،
إلى أولئك وهؤلاء جميعًا، أسوق هذا الحديث
إلى الذين يجدون ما لا ينفقون،
وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون،
يساق هذا الحديث".
وقد أخذ طه حسين يميل أكثر إلى الناس بمرور الوقت، فانتقل إلى صفوف أكثر الأحزاب تمثيلًا لهم في ذلك الوقت وهو حزب الوفد، الذي إن كانت قيادته في أغلبها من الأثرياء والمستورين، فإن اهتمامه بالطبقة العاملة والفلاحين والمعوزين لم يفتر، بل انتبه إلى ضرورة الانشغال بهم، وقاد ذلك جناحٌ يساري في الحزب، كان من أبرز مفكريه الناقد محمد مندور (1907-1965) تلميذ طه حسين. كما انتمت إلى الحزب شرائح من الطبقة الوسطى، لا سيما من بين أبنائها الذين التحقوا بالجامعة المصرية.
وهذا الميل إلى الناس لم يكن أبدًا تبنيًا للفكر الشيوعي من قبل صاحب "الأيام"، إنما كان إدراكًا منه أن عليه مسؤولية حيال الفقراء، وأن من بين هؤلاء تلاميذه في الجامعة، وأنصار الحزب الذي يقود الحركة الوطنية من أجل الاستقلال والدستور.
وهاجم طه حسين الحكومات والمترفين على حد سواء، فوصف أصحاب الثروات الطائلة بأنهم "القلة القليلة"، وأنهم يرون بؤس الفقراء وشقاءهم وعناءهم وخضوعهم للمحن، وإذعانهم للكوارث، دون أن يحفلوا بما يرونه، بينما تقوم الحكومات على إرضاء المترفين هؤلاء، طوعًا أو كرهًا، وأنها إن التقتت إلى الفقراء فإن هذا لا يتعدى حدود الشفقة.