تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
القارئ الذي يحكم على النص باستحضار سيرة صاحبه، تكون رؤيته أكثر انغلاقًا وتحاملًا

تظلمه لأنك تعرفه.. خطأ القراءة البيوجرافية وخطاياها

منشور السبت 30 أيار/مايو 2026

هناك مثل شعبي مصري دال يمكن صياغته على النحو التالي "سُئل أحدهم: لمَ ظلمته؟ فأجاب: لأني أعرفه"، وهو ينطبق إلى حد كبير على القراءة البيوجرافية للنصوص الأدبية، أي الحكم على النص من خلال معرفة قارئه أو ناقده بسيرة صاحبه أو مؤلفه.

يختلف هذا عن القراءة المتلصصة، أي التي يبحث فيها القارئ عن حياة الكاتب في نصوصه، فيتصور أنه بالضرورة هو بطل الرواية أو القصة، وأن الحدث الاجتماعي الذي يصيغه فنيًا قد وقع له هو، مع أن الكاتب لو كان حاضرًا في النص فإن حضوره لا يطابق واقعه، فالأدب ليس مرآة عاكسة، إنما هو امتزاج بين الواقعي والمتخيل، تتم فيه الإضافة إلى الشخصية أو الحذف منها، حسب شروط الفن، ووفق حال التذكر، ومقتضيات المسار الحكائي والحبكة الدرامية، والبنية.

وإذا كانت القراءة المتلصصة خطأ، فالقراءة البيوجرافية خطيئة، لأن المتلصص قد يكتفي بإشباع فضوله، وقد يفعل هذا عن جهل بمسار الفن ومضمونه وبنائه، بينما قراءة النص عبر معرفة حياة صاحبه، هو ظلمٌ بيَّن، لأنه يوقع النص في حبائل تأويل مفرط، أو يحيله إلى إطار مسبق، أو يفَصّله على فكرة أو أيديولوجية ما.

نقد أم تصنيف؟

فلو كان كاتب النص يعمل بالطب، يذهب القارئ البيوجرافي إلى فهم النص من خلال حياة طبيب، وإن كان باحثًا في أي من فروع العلوم الإنسانية، يرى النص من خلال تخصص كاتبه، فنقول: إن خلفيته الدراسية والمهنية ظاهرة في ثنايا النص، فهو يكتب كفيلسوف إن كان دارسًا للفلسفة، ويكتب كتاجر إن كان دارسًا للمحاسبة، ويكتب كإخصائي اجتماعي إن كان دارسًا للاجتماع، وناشط سياسي إن كان منخرطًا بقوة في العمل العام، وهكذا.

ولا ضير في أن تتأثر كتابة كل كاتب بخلفياته المعرفية والمهنية، التي تشكل جانبًا مهمًا من عالمه الروائي أو القصصي، إذ نحن نرى، على مستوى المضمون، نجيب محفوظ دارس الفلسفة، والذي كاد يبتعث إلى الخارج لإعداد أطروحة ماجستير في هذا الفرع المعرفي، يبث موقفه الفلسفي من الذات والمجتمع والعالم والكون في ثنايا نصوصه.

ونرى الأمر، على مستوى الشكل، قد امتد إلى تقنيات الكتابة نفسها عند إبراهيم أصلان، موظف البريد، المتأثر بالرسائل التلغرافية، والذي يفضل الحذف دومًا حتى يأتي نصه مبتعدًا عن إشباع السرد، أو الوصف المطول، ومنحازًا إلى البساطة الآسرة، ومقتصدًا في البلاغة اللغوية.

لا تنفصل تجربة الكتابة والخلفية المعرفية عن النص، إلا إذا أراد هو هذا، وكان واعيًا للتخلية بين ما حصله وبين ما يكتبه، إن اقتضى المضمون هذا. لكن القراءة البيوجرافية لا تقف عند هذا، بل تعمد إلى إحالة النص كله إلى سيرة صاحبه.

ما إن يُذكر العروي حتى يحضر دارس الفلسفة وكاتبها على حساب الروائي

وأشد المظلومين في هذا الشأن هم أصحاب المواقف البارزة في المجال العام. فلو أن الكاتب يساري، راح القارئ، ومعه الناقد، ينظر إلى النص من زاوية اليسار، وما يطرحه من مقولات وتصورات وقيم فلسفية وسياسية، وإن كان الكاتب يمينيًا، نُظر إلى نصه من زاوية اليمين، مع أنه قد يكون خاضعًا في الحالين لطبيعة ما تؤمن به شخصيات نصه من أفكار، وليس بالضرورة أفكاره هو، حتى يقيم تمثيلًا متوازنًا أو واقعيًا أو طبيعيًا لحضور هذه الشخصيات في النص.

ويا ويل كاتب ذاع صيته في الحياة العامة، لأنه مثقف عضوي أو مؤمن بأن دور الكاتب لا يقتصر على الإبداع الأدبي، إنما عليه أن ينخرط في محاولات يقوم بها الساعون حركيًا إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية واستقلال القرار الوطني. فمثل هذا لا يقع نصه في يد قارئ أو ناقد إلا واستحضر فورًا ما يعرفه عن الكاتب قبل مطالعة السطر الأول من العمل الأدبي، بل بمجرد رؤية اسم المؤلف فوق الغلاف، أو لدى الوقوف عند العتبة الأولى لتفسير النص، المتمثلة في عنوان العمل.

لوحة مالك الحزين إبراهيم أصلان، رسم عادل السيوي

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يؤدي ذيوع صيت شخصٍ في مجال عام، كالسياسة أو المحاماة أو الطب أو الأكاديميا بشتى صنوفها إلى تهميش أدبه، أو حتى محاولة تهميشه هو نفسه كأديب؟

الإجابة التي تأتي للوهلة الأولى هي: نعم. والأمثلة على هنا كثيرة، منها حالة عالم الاجتماع والروائي حليم بركات، إذ إن تمكنه في علم الاجتماع الذي تشهد به دراساته العميقة، غطى على رواياته رغم إحكامها الفني. وهناك عبد الله العروي الذي طغت سمعته كأستاذ للفلسفة على إنتاجه الروائي أيضًا. فما إن تقع عين قارئ على روايات بركات حتى تملؤها صورته كعالم اجتماع، وما إن يُذكر العروي حتى يحضر دارس الفلسفة وكاتبها على حساب الروائي.

وقد تُزاح أعمال الرجلين الروائية جانبًا، ليطولهما تهميش بين الأدباء، دون أن يكلف كثيرون أنفسهم عناء الحكم على نصوصهم كأعمال فنية. وقد يكون على كلٍ منهما، مثل غيرهما ممن تنطبق عليهم هذه الحال، أن يُذكّروا القراء دومًا بأن لهم إنتاجًا أدبيًا أيضًا، يشعرون بالأسى والأسف لأنه لا يلقى الاهتمام المطلوب لهما، والمرغوب منهما.

وتبدو هذه ظاهرة عربية، تجاوزها النظر على المستوى العالمي، فجائزة نوبل في الآداب مُنحت في السنوات الأخيرة لكثيرين كانوا نقادًا أو مختصين في أي من فروع العلوم الإنسانية ويكتبون بانتظام للصحافة، بل قد يكون هذا قد أعطاهم أفضلية على آخرين، من منطلق أن الجائزة تمنح في الآداب (literature) وليس فقط في الأدب (Art).

معاقبة المواقف

لكن موقف هؤلاء أقل ظلمًا من غيرهم بين المنخرطين في العمل العام وفق نظرية أو أيديولوجية أو إطار تفسيري يحيلون إليه، أو نقطة مركزية يتكئون عليها، وينطلقون منها. فهؤلاء يا ويل اليساري منهم إن وقع نصه بين أيدي أنصار اليمين، ويا ويل اليميني إن وقع نصه بين أيدي أصحاب اليسار.

وقد عانى نجيب محفوظ، بجلال فنه وقدره، من هذا التوزع الأيديولوجي، فأهمله نقاد اليسار، واصفين إياه بأنه كاتب يميني رجعي، مع أن الفكرة المركزية التي بنى عليها أغلب نصوصه تقدمية الطبع، تنشد قيم العدل، بشتى مظاهره، والحرية بمختلف تجلياتها.

القارئ الذي يحكم على النص باستحضار سيرة صاحبه تكون رؤيته أكثر انغلاقًا وتحاملًا

 ويحكي محفوظ نفسه عما حاق به جراء هذا التقدير المتحيز، ويصفه بالظلم، وهو في هذا محق، إذ ظل يواصل إنتاجه بعد رائعته ملحمة الحرافيش دون أن يُكتب عن أعماله ما تستحقه، حتى أنه كان يطالع الصفحات الأدبية والثقافية في الصحف التي حرص على شرائها كل يوم بحثًا عن أي خبر عن عمل جديد له فلا يجد، ولولا حصوله على جائزة نوبل، التي يستحقها عن جدارة، لربما لحقه هذا الأذى حتى يومنا هذا.

يزداد الأمر سوءًا إن كانت المفاضلة موزعة بين معارضة وموالاة. فالكاتب المعارض قد يُهمل نصه عند الموالين للسلطة، وقد يقدحون فيه لا لسوئه أو ضحالته في حد ذاته، إنما لموقف صاحبه، والعكس صحيح. وفي الحالين يقع على النص وصاحبه ظلم وظلام.

والأشد غلظة من كل هذا بالطبع هو المزاوجة بين القراءة الأيديولوجية والقراءة البيوجرافية، فالقارئ الذي يحكم على النص باستحضار سيرة صاحبه، تكون رؤيته أكثر انغلاقًا وتحاملًا وسوء فهم إن كان رأسه يحمل عقيدة سياسية مخالفة لعقيدة الكاتب. وينسحب هذا أيضًا على موقف بعض النقاد، وهنا يكون الظلم أقسى وأنكى.

نجيب محفوظ

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يقف الظلم عند حد إهمال النص، بانحسار إشهاره خبريًا، أو تراجع الكتابة عنه في صيغة مقالات ودراسات نقدية؟ أم يمتد إلى مجالات أخرى؟

لقد قرأنا ذات يوم مقالًا لكاتب وشاعر كبير ينتقد إدارة إحدى الجوائز العربية الكبرى في الرواية لأنها أوصلت رواية كاتبة تنتقد سياسة الدولة المانحة إلى القائمة القصيرة. واقتطف هذا الكاتب بعضًا من تعليقات هذه الروائية على فيسبوك، التي تحمل نقدًا، أو تهكمًا، ورأى أنها يجب ألا تكرم بوصولها لهذا المركز المتقدم، ويجب أن يراعى هذا مستقبلًا، محتجًا بأن الدولة لا يجب أن تدفع أموالًا، هي مكافأة الجائزة، لمن يقدحون في سياستها أو قادتها.

ويبدو أن هذا المطلب قد أُخذ في الاعتبار خلال الدورات اللاحقة للجائزة، إذ رشحت أخبار تؤكد أن هناك لجنة أولية تقوم بفرز الأعمال المتقدمة قبل إرسالها إلى المحكمين؛ فرزًا ثنائيًا يبدأ بمطالعة صفحات الكاتب على السوشيال ميديا، ومراجعة مقالاته إن كان يكتب بانتظام أو متقطعًا في صحيفة ما. ثم تأتي مرحلة النظر السريع للنص للوقوف على ما إذا كان فيه ما تعتبره الدولة المانحة إحدى مؤسساتها للجائزة مخالفًا لتوجهاتها وسياساتها العامة. وقد تكون هناك خلفيات أخرى غير معلنة لعملية الفرز هذه تذهب إلى ما في مضمون النص من قيم أو اتجاهات أو ما في شكله من شروط فنية.

وفي عملية الفرز المزدوج على هذا النحو تحضر القراءة البيوجرافية بقوة، لا سيما إن كان كاتب النص ذائع الصيت، معروفة مواقفه السياسية، فهنا قد تفترض لجنة الفرز ابتداء أن النص معبر عن هذا الموقف، أو معبرة عنه مقالات الكاتب وتعليقاته على السوشيال ميديا، فيفتح الباب على مصراعيه لظلم صاحبه. ويزيد الظلم وطأة إن كان للكاتب رأي لا يتطابق بالضرورة مع سياسة الدولة المانحة للجائزة، أو أن هناك بين لجان الفرز والفحص من يعتبر الأمر على هذا النحو.