ثورة إيجيبت 2026 "تتأجل للصيف الماضي"
ابتكرت مصر القديمة واحدًا من أقدم التقاويم؛ كانت السنة الفرعونية اثني عشر شهرًا كل منها ثلاثون يومًا، إضافة إلى شهر ثالث عشر عديم الذكر عدد أيامه خمسة مخصصة للاحتفالات، هي أيام النسيء (المنسية) وهي فكرة مدهشة جماليًّا وفكريًّا.
بعد ذلك تحولت مصر إلى التقويم القبطي القريب جدًا من الفرعوني والميلادي ولم يزل فاعلًا في حياة الفلاحين، إضافة بالطبع إلى التقويم الميلادي الذي صار تقويمًا رسميًّا للبلاد، والهجري القمري الذي نحتاج للعودة إلى رُزنامة لمعرفة شهره وسنته وقرنه، ويرتبط بالاحتفالات الإسلامية.
مؤخرًا جدًا، ربما قبل عشر سنوات، ابتكرت مصر أحدث وأغرب التقاويم في العالم دون ضجة أو احتفال، وهو التقويم الشاطئي، الذي يتكون عامه من شهرين اثنين يوافقان الشهر السابع والثامن في التقويم الميلادي، وفيه تتقلص البلاد من حلايب إلى رفح، فتصبح قرية شاطئية نسيء، غارقة في احتفالاتها، لا تعترف بوجود العالم خارجها، حتى لو وصلت المسيّرات إلى شاطئ البحر نفسه.
التقويم الساحلي
رغم قصر العام في هذا التقويم الفكاهي الجديد، فإنه عامر بأيام مشهودة، تمنح كل عام اسمه الذي سيُعرف به في كتب تاريخ الخزي: عام الصفعة، إشارة إلى واقعة صفع مطربٍ أحدَ معجبيه؛ عام الناني، نسبة إلى حرب نشبت بسبب نزول مساعدة منزلية للبيسين؛ عام الهدم، إشارة إلى هدم بلدوزرات القرامطة مطعمًا يزعج السكان. في ذلك العام ترددت شائعة بأن الغزوة تمت بأوامر رجل أعمال أمن العقوبة لأنه جرَّب حلاوة الإعفاء من تنفيذ عقوبة قتل.
هكذا، لم يخل عام في التقويم الساحلي من حرب، حتى جاء عام الثورة، وهو عام 2026 في التقويم الميلادي، الذي يوافق تقريبًا العام الأربعين من التقويم الشاطئي، إذا ما اعتبرنا قرار مجلس الوزراء رقم 295 لسنة 1981 بتنمية الساحل سياحيًّا بداية التقويم، أو العام الثاني عشر إذا ما اعتبرنا البداية مع خطة الجمهورية الجديدة عام 2014، ومن ثم اكتساب خط القرى الحديثة صفة الشر حوالي عام 2022 من التقويم الميلادي، وبروز سكان دولة إيجيبت المستحدثة في التقومين الشاطئي والميلادي. صار معروفًا للقاصي والداني أن شرارة ثورة إيجيبت أشعلها "الأونرز" في مواجهة مطور قرية "مراسي" وانطلقت كثورة حرية، بسبب الاحتقان من قرار تحديد عدد الزوار للمالك بزائرين اثنين في اليوم، وهو شيء لا يشبهه في التاريخ إلا سياسة الطفل الواحد في الصين، وقد تراجعت الصين جزئيًّا عن تلك السياسة.
لكن نيران الثورة لم تلتزم بهدفها الأول، وهو زيادة حصة المالك من الزوار، وامتدت لتشمل مطالب ملاك شقق اكتشفوا أن عليهم الدفع بالدولار لاستخدام الشاطئ، ثم بدأت سلسلة من الأسرار في العقود ومواثيق الحياة في الكمباوندات تتكشف، ويبدو أن الكثير منها يُعطِّل عمل القانون المصري ولا يسمح بدخول الشرطة المصرية، الأمر الذي نفته الداخلية في دولة مصر، لكن الأمر لم يمر دون أن يتسبب في حكة سيادية، استوجبت تقديم إسناد قانونيٍّ وأمنعلامي لثورة الباركود.
تعهدت المحامية نهاد أبو القمصان بتبني قضايا الملاك، واستهانت بعقود المطور، واعتبرتها باطلة، كأنها والعدم سواء. وقدَّم نجوم الأمنعلام إسنادًا لفظيًّا، تراوح بين استعطاف المطور الإماراتي، وبين التهجم عليه وعلى دولته، بهدف تقديم ورقة توت سيادية لا تُفسد الاستثمار.
نصف ثورة
لا ناقة للشعب المصري ولا شاليه في ثورة الباركود، لكنه يجد نفسه مستخدمًا من الأطراف المتصارعة في مثل هذه المحن الشاطئية الصغيرة. هكذا، فجأة، ومن حيث لا يحتسب وجد الشعب نفسه عظيمًا من جديد، وصارت مصر مدهشة "بتعمليها إزاي؟" برأي ميليشيات الأمنعلام الإسنادية. وفي الجهة الأخرى كان الإعلام الخارجي الخاص بالإخوان يهين الشعب المصري، في سبيل هدفه الأسمى وهو إثبات انعدام سيادة الدولة المصرية.
وفي خضم هذه التجاذبات للشعب المصري المسالم، كانت نيران الثورة الإيجبتية تمتد في اتجاهات غير محسوبة، لأن شعب إيجيبت من التنوع والعظمة بحيث لا يمكن اختصار مطالبه في كلمات قليلة، بعكس الشعب المصري المسكين الذي أمكن اختصار مطالب ثورته المسروقة في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".
ما مواطنو إيجيبت سوى خليط من حائزي الأموال أقلهم عددًا أصحاب المال النظيف من التكنوقراط
هناك في إيجيبت المسألة معقدة. أمام كل إيجبتي يطالب بحرية الزيارة هناك إيجيبتي ضائق بالزوار، ويريد أن يتنصل من حماته بحجة مشكلة الباركود. وأمام كل إيجيبتي محدود الثروة يريد تأجير وحدته هناك إيجيبتي يمقت المؤجرين والمستأجرين. وهناك ملاك الشقق (ياللعار) والزوار من الساحل الطيب الذين يتصورون أنهم بالفهلوة يمكن أن يناموا في الرخيص ويتنزهوا في الغالي.
اجتهد عمرو أديب عندما تحدَّث عن ضرورة تفهم دوافع ثورة الباركود، لأن قيم الأسرة المصرية تحب الصحبة واستضافة العيلة وعيلة العيلة، لكن امرأة إيجيبتية رأت في اجتهاده جهلًا بطبائع نخبة إيجيبت، التي لا تعرف "عيلة العيلة" ولا أيًّا من المعتقدات البالية التي تعتنقها الطبقات الدنيا في مصر الشقيقة.
قاضي البلاج
الحقيقة أن مصر وإيجيبت غادرتا مفهوم الطبقة منذ فجر 23 يوليو 1952، وما مواطنو إيجيبت سوى خليط من حائزي الأموال، أقلهم عددًا أصحاب المال النظيف من التكنوقراط الذين برعوا في الخارج وجمعوا ما مكنَّهم من امتلاك وحدة شاطئية ومعهم قلة من أهل الصناعة والتجارة متوسطي الحال، والبقية من أغنياء الحرب والسلم، ولا يمكن للمال أن يؤسس لرابطة أو وجدان عام لشعب إيجيبت.
وإذا كانت ثورة الضباط في 1952 قد انتظرت كل هذا الوقت لكي تتعرض للمراجعات والفهم العقلاني، فإن ثورة إيجيبت فكاهية وواضحة الفشل من لحظة اندلاعها، لأن ملاك قرى الساحل وقوى الإسناد القانوني والأمنعلامي، لا تطالب بمبدأ العدالة على إطلاقه، بل بعدالة بين أطراف عقد قائم على باطل.
هم يطالبون بحقوق في عقود الشراء يقولون إن المطور تنكر لها، متناسين أن كل القصة الشاطئية متنكرة لحق عموم سكان الدولة الأم "مصر" في الوصول إلى الشاطئ، وأن خصخصة البحر وحجبه وراء سور قرى متلاصقة هو سلوك سلطة يخالف الدستور والقانون المدني المصري وقوانين البيئة وإدارة المناطق الساحلية، وأهداف التنمية المستدامة والاتفاقية الأوروبية للمناظر الطبيعية، والميثاق العالمي للطبيعة!
بناءً على كل ما تقدم، عقود بيع الإطلالة البحرية مجرد وعود منحها من لا يملك لمن لا يستحق، وكل ما هنالك أن من فاته أن يشهد السرقة يوم بدء خرق الدستور منتصف الثمانينيات شهد يوم الاقتسام في ثورة إيجيبت، بعد أن استنفدت الثروة كل إمكانات توحشها.
بالنتيجة استحقت السنة اسمها "ثورة إيجيبت" ستؤجل للصيف الماضي كما في أوبريت قاضي البلاج الذي كتبه مرسي جميل عزيز في زمن كان البحر فيه ضاحكًا لا عبوسًا كما هو اليوم.
أتمنى على القراء أن يشاهدوا الأوبريت، لأنه لم يعد مجرد عمل موسيقي مبدع في فيلم، بل أصبح تأريخًا لمرحلة اجتماعية واقتصادية، كان المصيف فيها بسيطًا متاحًا لفئات واسعة من المصريين، وكانت متعته الأصلية غير مكلفة؛ الاستمتاع بالشمس والبحر واللعب، ولم يكن نجوم الفن يظهرون على البلاج من أجل تصوير الفيلم أو إحياء حفل وصفع معجبيهم، بل كانوا يصطافون بين مختلف فئات المجتمع، كانت البلاجات عامة والملكيات لا تصادر البحر. وكانت الأماكن الفخمة قليلة ومحدودة جدًا، بخلاف ادعاءات مشاهير الأمنعلام المدافعين عن التمييز باعتباره مبدأ مصريًّا عابرًا للعصور.
من المصادفات ما يشبه العَمد، ومنها مصادفة تزامن السنة الشاطئية مع العطلة القضائية، ويومًا ما في عام ما، يجب أن يعود القضاء من عطلته، ويسوي المسألة الشاطئية على قواعد العدالة.

