تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
عمرو دياب وعبد الحليم حافظ

آيس كريم في جليم.. سيف أو عبد الحليم في زمن ما بعد الانهيار

منشور الأربعاء 12 آب/أغسطس 2026

يحكي سيف/عمرو دياب لنور/أشرف عبد الباقي في الزنزانة، في فيلم آيس كريم في جليم لخيري بشارة (1992)، أنه يذكره بصديقٍ من طفولته في كفر صقر بمحافظة الشرقية. كان يتيمًا مثله، يحب المواويل، يحفظ الكثير منها، يجلس عند الترعة ليغنيها. لكنَّ الصبيَّ مات مبكرًا. يختتم سيف حكايته عن صديق طفولته ليغني لزملائه في الزنزانة  "بتلوموني ليه"، واحدة من مرات عديدة اُستُدعيت فيها أغاني العندليب خلال الفيلم.

شاهدت فيلم "آيس كريم في جليم" مرات. أبحث دائمًا إما عن عالم خيري بشارة السينمائي، والعلامة التي تركها هذا الفيلم في مساره وجيله، أو عن جيلي وزمننا في علاقتهما بالفيلم، مطلع التسعينيات. لكن الأسبوع الماضي كانت المشاهدة الأولى بحثًا عن بصمات تركها عبد الحليم حافظ في رسم شخصية سيف وفي مخيلة عمرو دياب. فانتبهت لدلالة ما يحكيه، أو ما يقوله المخرج على لسانه عن صديق الطفولة.

عمرو دياب في الأصل من الشرقية، وسيف الشخصية التي يلعبها كذلك. إنه يحكي عن عبد الحليم علي إسماعيل شبانة، العندليب الأسمر الشرقاوي، قرينه، الذي حلم أن يكونه. لم لا؟

العصرية

مشهد من فيلم أيس كريم في جليم- الصورة: أرشيف خيري بشارة الخاص

نرى سيف في لقطة ظهوره الأولى يفعل ما سيميزه لاحقًا كـ"هضبة"، يرفع أثقالًا، يُنمي عضلاته في زمن تعاظمت فيه أهمية القوة البدنية والكونج فو بين الشباب. في زمن الرومانسية القديم، حين تحرش الجيران بعلي/عبد الحليم حافظ لأنه يصطحب هدى/فاتن حمامة في الحارة، في فيلم أيامنا الحلوة لحلمي حليم (1955)، استعان فورًا بصديقه صاحب العضلات، صارخًا "الحقني يا رمزي.. الحقني يا رمزي". لكن سيف يجمع الشخصيتين في زمن التسعينيات، المطرب الرومانسي الرقيق، وصاحب العضلات.

بعد فيلم العفاريت لحسام الدين مصطفى (1990)، والذي كان مجرد محاولة ركيكة لاستغلال نجومية عمرو دياب وبعض أغانيه، يخوض المطرب تجربة السينما من جديد، بصورة البطل المنحرف صاحب العضلات أدهم لبش، الذي تعشقه كل النساء، في فيلم طارق التلمساني ضحك ولعب وجد وحب (1993). لكنها ميلودراما مخلوطة ببعض الأكشن، وحضور عبد الحليم فيها لا يتعدى كونه أحد علامات الزمن القديم.

بين الفيلمين يظهر عمرو دياب بصورة سيف في آيس كريم في جليم، تجربته الأكثر نجاحًا في السينما. مُقدمًا الصورة التي ستصبح لاحقًا صورته الترويجية وعلامته المسجلة؛ الوسامة، القوة العضلية، انجذاب النساء بكل أنواعهن إليه، والرومانسية في الحب. توليفة مُركَّبة تلبي متطلبات مشروعين يصعب التقاؤهما؛ مشروع المخرج خيري بشارة السينمائي ومحاولته البحث عن طرق جديدة تناسب الأجيال الجديدة، ومشروع عمرو دياب لخلق عندليب عصري، يناسب زمن التسعينيات.

"آيس كريم في جليم" مفصل بين عالمين، عالم ينتهي بسينماه وأغانيه، وعالم جديد يرسم الفيلم بعض ملامحه الأولى. أصبح من أكثر الأفلام جماهيرية بين الشباب وقتها. وأغانيه، التي لا ينسجم بعضها مع أسلوب عمرو دياب التقليدي، حظيت بالنجاح بسبب فرادتها، وبسبب طريقة تقديم خيري بشارة لها، وبسبب جمعها بين عالمين بدَوَا متنافرين، عالم المخرج وعالم المطرب، على أرضية عبد الحليم حافظ.

من بين هذه الأغاني رصيف نمرة خمسة، وآيس كريم في جليم. كان لهما أن يلفتا انتباه عمرو دياب لألوان غنائية ومضامين محتملة خارج اسطمباته التقليدية طيلة عقد زمني سابق. لم يحدث ذلك، لكن الفيلم أحدث شيئًا آخر، أصبح أحد أحجار الأساس التي تأسست عليها سلعة النوستالجيا التي يروجها عمرو دياب، وتضمن بقاءه.


الذاتية

فيلم خيري بشارة ذاتي من زاويتين، من زاويته كمخرج، يتحدث عن همومه الشخصية والفنية والسياسية، وتناقضاته بين الانتماء الفكري للماركسية، وحب عبد الناصر، وحب الناس، والرغبة في النجاح الجماهيري. وذاتي من زاوية حلم النجم، المغني، البطل، المتفرد، اللامع، القادر على ملء تلك المساحة الفارغة التي تركها موت عبد الحليم.

الفيلم اللاحق لعمرو دياب ضحك ولعب وجد وحب، ورغم أن اسمه مأخوذ من أغنية للعندليب، ويبدأ بإحدى أغنياته، ويُختتم بأغنية صورة، لم يحقق له ذلك، ولم يضف لسلعة النوستالجيا جديدًا. ربما لأنه كان مشروعًا مرتبكًا. قصة وإخراج مدير التصوير اللامع طارق التلمساني، لكنه يتخلى عن إدارة التصوير، ليحكي كمخرج عن تلك السنة الحاسمة من حياته وأصحابه بعد هزيمة 1967، ونهاية المرحلة الثانوية.

لا يكتفي الهضبة بدور الضحية مثلما كان الحال في سينما الخمسينيات، وبدلًا من ذلك يستخدم عضلاته للإطاحة بأعدائه ومنافسيه

لكن الارتباك الإخراجي والدرامي منعا تحقق التوليفة الذاتية الناجحة التي حققها "آيس كريم في جليم". ناهيك عن أن عمرو دياب لا يمكن أن يربط صورته بشخصية أدهم لبش، مثلما تماهى مع صورة سيف، ولا يمكن أن يقترن بزمن الهزيمة، فهو ابن الجديد.

إنه الجديد الطازج الذي يقدمه خيري بشارة في توليفة جاذبة؛ من يقفون وراء الكاميرا كتابة وتقنية وموسيقى، وممثلين يكسبون حب الجمهور منذ اللحظة الأولى لظهورهم مثل؛ حسين الإمام، وعلي حسنين، وأشرف عبد الباقي، وسيمون رمز شقاوة التسعينيات، وغيرهم. وباستعادة لثيمات ثابتة من سينما عبد الحليم؛ اليتم، الغربة عن المكان، الفقر -وإن كان في حالة سيف فقرًا غرائبيًا في جراج جذاب وعالم شارع تسعة بالمعادي- الحب الرومانسي من أول نظرة، الجدعنة، الخيانات، والأهل والصحاب الطيبين المؤمنين بموهبة ابنهم الذي يبحث عن فرصة، أيًا كان اسمه، منعم أو سيف. دون إغفال جاذبيته للنساء. وإن كانت هذه السمة الأخيرة تتضخم في حالة عمرو دياب أكثر من حالة عبد الحليم حافظ لدرجة أن الفتيات يعاكسنه ويغنين له في الشارع.

لا يكتفي الهضبة، ومن قبل أن يصبح هضبة، بدور الضحية مثلما كان الحال في سينما الخمسينيات، فنحن في التسعينيات. يستخدم عضلاته عند الضرورة ضد من يهددونه أو يهينونه، وضد الحبيبة ورفيقها الجديد. وإن كان منعم يُهان في قصور الأغنياء في فيلم شارع الحب (1958)، ويكتفي بدور الضحية المسالمة، إلا أن سيف، أو عمرو دياب، يستخدم عضلاته لرد الإهانة. في السينما يضرب ابن تاجر السلاح، وفي الحياة، لا يمنعه حبه المفترض لجمهوره من صفع أحدهم في حفل قبل عامين.

السياسة والرومانسية

قدم عبد الحليم في الخمسينيات أغنية جديدة، أكثر ديناميكية وحداثة، ومدتها أقصر مما كان يقدم قبله. كان تقدميًا بمعايير ذاك الزمان، وبالذات باقترانه بمشروع عبد الناصر الثوري دعائيًا وغنائيًا. لكن بداية من زمن الثمانينيات، ستصبح محاولة استعادة هذا النموذج رجعية بطبيعتها، فقد انتهى زمنها، ارتبطت بالتغييب، وانهارت مع إذاعة صوت العرب بمأساة عسكرية وسياسية واجتماعية كبرى.

المطرب المصري الراحل عبد الحليم حافظ

ما ينجي "آيس كريم في جليم" من أن يكون رجعيًا في محاولة خلق عبد الحليم عصري، هي تقدمية خيري بشارة وفريقه. وانتباههم لزمنهم الآني، فيصبح الفيلم تسعيناتيًا بامتياز، لا يطرح فقط رغبة سيف في النجومية، بل أيضًا هموم خيري بشارة السياسية والاجتماعية وبصماته في كيف يراقب -بحب- الناس العاديين في الشوارع، أو عبر مضامين الأغاني، وإرغام سيف على النزول إلى الشارع المزدحم مثلما تقول أغنية "رصيف نمرة خمسة".

عبر سيف وخيري عن هموم جيلنا، الذي أرادا الغناء له في هذا الفيلم؛ الشعور بالغربة، هاجس السفر والرحيل، وحلم التحقق والحصول على فرصة في عالم يتغير بسرعة وأكثر قسوة من عالم الخمسينيات. عالم الاستغلال الفج والتفاوتات الطبقية الحادة. لكن بما يناسب سيف/عمرو؛ قليل من الفانتازيا، والاستعراضات والغناء في الشوارع، والفتيات الراقصات والمغنيات فجأة. وبأن يظهر المستغل والمتحرش في شخصية سنحبها بكل تأكيد، زيكو/حسين الإمام، بالتجاور مع "جينا عشانكم بس لقينا ناس بتعيش على جرح الناس".

كل ما سبق يجعلنا نتذكر تلك المحاولة في كل مرة يظهر عمرو دياب صيفًا، وإن اختلف تمامًا عن سيف ببراءته وبساطته في كاميرا طارق التلمساني وخيري بشارة. لم يصبح المطرب عبد الحليم. لكنه لم ييأس. ترك السينما ليعود لذاك الحلم في بعض الأغاني من حين لآخر. دون أن يتخلى عن عضلات سيف، فيصبح هضبة، ربما صخرية ولا تحمل رقة العندليب. فزمن الرقة نفسه انتهى، ولابد أن عمرو دياب بذكائه التجاري يدرك ذلك جيدًا مثلما أدركه سيف، الذي يحقق النجاح ويحصل على الاعتراف والتصفيق النهائي على غرار نموذج عبد الحليم، مصحوبًا بالحب وقبلة ختامية من حبيبته آية/جيهان فاضل.

الفظاظة

حب عمرو دياب الخاص لعبد الحليم حافظ ليس سرًا، ففي حوار مع مفيد فوزي يقول إن عبد الحليم المطرب الوحيد الذي يشهر حبه له في أي مكان في العالم العربي. وفي تقديري كان طبيعيًا أن يطمح أغلب المطربين الذين ظهروا بعد وفاة عبد الحليم في أن يكونوا صورة عصرية منه، حتى وإن كانوا يقدمون ألوانًا موسيقية مغايرة لما قدمه، وأن يحلموا بشغل بعضًا من مكانته الجماهيرية. دون أن يقارنهم أحد به، مثلما فعل مفيد فوزي في حواره مع عمرو دياب.

لكن، هذا الحوار يحمل دلالات ومعان تستحق التوقف عندها. من بينها هذا التناقض الصارخ بين زمنين، حالتين، الجديد الطازج حتى وإن لم يعجبنا، والقديم المتكلس والفظ والمصاحب برائحة مكمكمة في مطلع التسعينيات تلك. إنه موضوع المقال القادم، ختام هذه الثلاثية "الصيفية" عن عمرو دياب نجم الصيف.