صيف عمرو دياب في زمن الاحتباس الحراري
أعترف بأنني أُعجبت بعض الشيء بأغنية لولا البنات من ألبوم عمرو دياب الأخير حبيتك. جاء ترتيبها الأخير في قائمة العرض، فكانت الأغنية الأولى والأخيرة التي تثير اهتمامي. ليس لجمالها، فكلماتها لا تخلو من الركاكة والرجعية، لكن للونها الموسيقي الذي يميل للشعبي/الفلاحي، وكان ظهوره في أغاني عمرو دياب السابقة، التي اعتمد أغلبها على اسطمبة فنية واحدة، نادرًا.
مع إذاعة فيديو كليب "الهضبة"، أَعجَبتْ الأغنية بعضًا ممن لا ينتمون لجمهوره التقليدي، ولم تلفت انتباههم حين سمعوها للمرة الأولى. تركَّز الإعجاب على الفتيات المرتديات أزياء الفلاحات وهنَّ يرقصن، ويشكِّلن كورس الأغنية، وعلى اختيارهن لتشكيل محتوى فيديو كليب ديناميكيٍّ، الحركة فيه لا تتوقف.
نسميها "زلة لسان". أن يقول الشخص كلمة أو جملة تفضح النوايا الأصلية، أو تفضح الحقيقة التي يحاول إخفاءها. لا مفر من تعديل التعبير قليلًا ليتماس مع وسائط التواصل المختلفة، وليس الكلام وفقط. في هذه الحالة سنقول إنها "زلة كليبية"، وقعت مرتين. لم يحتمل عمرو دياب الملابس الشعبية والفلاحية، هرب منها سريعًا للطبقة التي يغني لها خلال السنين الأخيرة. طبقته التي تنتسب للفخفخة، للرفاهية، وتستمع لألبوماته في كمباونداتها وقُراها على شواطئ الساحل الشمالي.
في بداية الأغنية زلة كليبية أخرى، فالمغني وفريقه وموديلاته لم يطأوا الريف أصلًا. إنه ريف مصنوع بالذكاء الاصطناعي نمر عليه في لقطة سريعة من أعلى. ريف أنيق وفولكلوري ببناته، ليس ريفًا مصريًا حقيقيًا بناسه الحقيقيين. ورغم ذلك يهرب منه المغني، لينتقل للأماكن التي تعرفها جيدًا طبقته وجمهوره من منتجعات ساحلية، وأماكن تجمع الأغنياء؛ محلاتهم، أماكن الرياضة واللهو، وصولًا لليموزين، وحمام في فندق خمس نجوم، أو سبعٍ لا أعلم. ولـ"بنات" يلِقْنَ بهذه الأماكن.
بحر لا يشيخ أبدًا
عمرو دياب مغني أغنية الصيف بامتياز. لا جديد أو إدانة في ذلك. فتعبير أغنية الصيف يُستخدم عالميًا لوصف تلك الأغنية التي تظهر في بداية الصيف، مع افتتاح البلاجات والحفلات والسهرات والسفريات. لها إيقاع مبهج، سريع، والأهم أن يكون لها لحنًا سهلًا، من هذا النوع الذي يلتصق بالذاكرة، يشغلها، "يدندنه" المستمعون دون أن ينتبهوا. وبالذات مع تكراره في كل حفلاتهم وتجمعاتهم.
استخدام البحر كخلفية ليس صدفة، إنه من ثوابت عمرو دياب الواعي بما يقدمه. لكنه بحرٌ في زمن الاحتباس الحراري وقوارب الهجرة الغارقة والحروب القريبة والبعيدة. غير أن هذه المسائل لا يبدو أنها تشغل المطرب أو القطاع الغالب من جمهوره، مثلما لا تشغله خناقة الساحل الشرير والطيب، وكل ما يحدث في منطقتنا وحولنا.
صحيح أن أغلب المنتجات الفنية لم تعد مهمومة بتناول الواقع، بل تُغيِّبه، لكن هذه السمة عند عمرو دياب من التوابل الأساسية والثابتة التي يصنع منها عالمه، بحيث تصبح أغانيه خارج الزمان والمكان. لا علاقة لها بأي شيء إلا الحب والنساء، وبصيغ مراهقة ومستهلكة في أغلب الأحيان.
احترف عمرو دياب، منذ ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته، ألَّا يكتفي بإعادة إنتاج ما يضمن استهلاكه، أو بتقديم منتج غنائي ينفصل تمامًا عن الواقع وتطوراته لأكثر من 40 سنة. بل احترف أيضًا، بذكائه التجاري البالغ، أن يظل صبيًا لا يبدو كهلًا في أية لحظة، وأن يقتنص أغنية الصيف الناجحة التي لا ينافسه فيها أحد.
لا يمكن للكهول تقديم أغنية الصيف. فلا ينحصر التصابي في ملابس عمرو دياب، وهيئته، وصحبته للفتيات الأصغر منه بكثير، والعضلات التي تبرز من جسده رغم سنة المتقدم، بل في إصراره على تقديم فانتازيا حياتية تُترجم لأغاني وكليبات تشبه طزاجة الصيف الداخل. فانتازيا نجدها فيما هو بصري/شكلي، وفي كلمات وألحان الأغاني. فتظل عدة أجيال تشعر أنه الأقرب إليها حين يعيدها لما هو سابق وانتهى. إنها نوستالجوية مصنوعة جيدًا، عابرة للأجيال والأزمان، وكل مستمع يبحث عن لحظته الماضية التي يحن إليها.
هوس البنات
ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها عمرو دياب للكلمات التي تتجاوز الركاكة لتقترب من الابتذال. على سبيل المثال أغنيتي الألوان وبحاول؛ "الأسود شكله عليكي رهيب.. وجميل خالص.. طب ليه بيقولوا اللون ده كئيب.. ده لذيذ خالص". أو "ولوحدك أنتي في حتة هناك.. وعسل خالص". أو "طريقتي معاك بتتغير.. وأخاف عينك تيجي في عيني.. لا تعرف أن أنا لسة.. بحبك.. مش ناسيك بالعكس". إنه كلام عادي، لا شعرية أو غنائية فيه. فنطمئن إلى قدرتنا جميعًا على كتابة الأغاني. اطمئنان لوهم يُقرِّبنا من المطرب أكثر.
التصابي، أو "العصرية"، أو لنُسمِّها "الروح الشبابية"، تدفع الألبوم لمنحى ألَّا يكون له منحى. هذه المسألة لا تنحصر في عمرو دياب، فأن يكون لألبوم المطرب أو المطربة مود عام يحكمه، أو ما نسميه بالتيمة، أو التون، أصبح موضة قديمة. لكن التحرر الكامل منه يدفع عمرو دياب لأن يقدم ألبومات كسلطات غير متجانسة.
"لولا البنات"، الأغنية التي نالت إعجاب جمهور لا ينتمي للجمهور التقليدي للهضبة، لا تنسجم مع أي أغنية أخرى في الألبوم. كل أغنية آتية من سوق مختلفة، وتبحث عن مستهلك/مُشترٍ مختلف، داخل حدود الطبقة والفئات التي يغني لها.
على سبيل المثال، سلام كبير تكاد تلامس العنف اللفظي، ذكر يتعمد إهانة امرأة، "يردح" لها، بكلمات إن سمعناها صدفة آتية من مائدة في مطعم سنخجل من وجودنا في المكان. فيبهر عمرو دياب جمهوره من جديد، هذه المرة لأنهم لا يعرفون لماذا تُغنى هذه الكلمات التي لا تطرب أحدًا "يا مظلومة زمانك.. أنا زعلان عشانك.. اللي ينكر عيوبه.. بتفضل زي ما هي.. سلام كبير وتحية.. يا شهيدة يا ضحية.. أنتي ملاك وأنا حاضر عبر الدنيا فيا". لكنها بالتأكيد تلامس ما يريد قوله بعض الذكور.
حين غنى عمرو دياب قبل أعوام قليلة عن ثلاث بنات "شقطوه"، وعزموه، وأعجبوه، وانتظرن أن يختار من بينهن، لم ينتبه ساعتها أن هذه المضامين تجاوزها الزمن. لم يعد مقبولًا أن يجلس "الماتشو" على البساط ليختار بين النساء، وكأنه عند الجزار يختار قطعة لحم لطبقه. لكنه، وبسبب نجاحه التجاري الساحق، ومعجبيه، و"الألتراس" الذين لا يسمحون أبدًا بنقده، لا يمكنه تطوير مضامينه التي عفا عليها الزمن، يكررها، ولأننا في صيف الاحتباس الحراري، تصبح المرأة فراولة عايز يشربها عصير.
طيف العندليب الأسمر
لا يمكن إنكار أن عمرو دياب ظاهرة نجاح ساحق من حيث كثافة إنتاجه واستمراريته، وكيف لا يخفت نجمه أبدًا. لكن جمهوره نفسه ينحسر تدريجيًا، على الأغلب، لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية. أغلبهم مختفين وراء أسوار مجتمع مغلق، لا علاقة له بالمجتمع الواسع. نجو من الانهيار الاجتماعي، نجو من تأثير التعويمات. لكنها طبقة تتقلص بطبيعتها تدريجيًا، وخارج أسوار مجتمعها هناك من يحلمون بمنتج فني يعبر عن كل أشكال معاناتهم خارج موضوع الحب، حب رجل لامرأة. فهل ما زالوا يسمعون عمرو دياب؟
عودة إلى زلة اللسان، هناك زلة موسيقية إضافية، تتجسد في أغنية أنا معاك. إنها تجسيد عفوي لحلم قديم لم يتحقق، أن يكون عبد الحليم حافظ. حلم حاول عمرو دياب أن يناله عبر عشرات الأغاني التي قدمها خلال مساره الطويل. فيحاول من جديد عمل حالة طرب، بكلمات وألحان وتوزيع هادئ ورومانسي وناعم "أنا ليك.. مِ الليلة.. والدنيا بحالها يا حبيبي في إيدينا.. بنشوف أحلامنا حبيبي بعنينا".
كان عبد الحليم يغني للجميع، لا لطبقة اجتماعية أو فئة ثقافية محددة. وهو ما كاد يحققه عمرو دياب مطلع التسعينيات ولم ينجح فيه تمامًا. فلم يعد هناك مفر من تقديم السَّلَطة، التي تتماس عناصرها المختلفة مع جماهير مختلفة. لكن نجاحها الأهم يتحقق عند جمهور محدد، من أجيال محددة، وطبقات محددة.
ومرة أخرى النوستالجيا، المنتج الأساسي الذي يروجه عمرو دياب، ويحفظ بقاءه ونجوميته. أن يذكرنا بأنه ينتمي لزمننا، وبأننا جمهوره، المُشكَّل أساسًا من الأجيال التي عرفته في الثمانينيات والتسعينيات، وعاشت مراهقتها معه، وارتبطت بعض أغانيه حين صدورها بأحداث شخصية في حياتهم؛ حب جديد، انفصال وبكاء، التخرج من الجامعة، سفر أو رحلة سريعة للساحل الشمالي الخالي أيامها، إلى آخره. ولذلك لا يتسامحون مع أي نقد يوجه له، يرونه تجريحًا لذاكرتهم الشخصية.
يستعيد عمرو دياب بصوته وإيقاعاته وألحانه، وما يبيعه بصريًا، هذه النوستالجيا في كل مرة. وإن كان بتراجع في المستوى ينسجم مع تراجع وانحدار كل ما يحيط بنا. نوستالجيا تُخفي هذا الحلم الضائع، أصبح "هضبة" وليس "عندليبًا". بكل هذا التناقض بين صخور الهضاب من ناحية، والحدائق التي يطير ويغني العندليب فيها من ناحية أخرى. لكن هذه المسألة، ومحاولته الأهم في "أيس كريم في جليم" ليصبح عندليبًا جديدًا، موضوع المقال القادم.

