IMDb
ليوناردو ديكابريو في لقطة من فيلم معركة تلو أخرى، إخراج بول توماس أندرسون (2025).

"معركة تلو أخرى".. ديستوبيا واقعية حد الرعب

منشور الأربعاء 25 آذار/مارس 2026

تجمَّعنا، عدد من الأصدقاء السينمائيين، لنشاهد سويًا حفل توزيع جوائز غويا للسينما الإسبانية، مساء اليوم نفسه الذي بدأ فيه العدوان الإسرائيلي/الأمريكي على إيران، 28 فبراير/شباط الماضي. تبادلنا بعض التعليقات محورها اندهاش الممثلة الأمريكية سوزان سارندون الحاضرة للحفل، من وجود واقع آخر موازٍ، مختلف تمامًا عن حفلات توزيع جوائز الأوسكار التي تعرفها جيدًا.

تلقت سارندون دعوة لتكريمها في إسبانيا، بعد أن مُنعت فعليًا من العمل في هوليوود بسبب مواقفها تجاه القضية الفلسطينية، وتخلي وكيلها عنها. في بعض اللقاءات الصحفية، وخلال الحفل، غالبتها الدموع أكثرَ من مرة، واكتسى وجهها بنظرة إعجاب واضحة فيما تتأمل اشتباك السينمائيين والسينمائيات الإسبان واللاتين مع مسائل سياسية مختلفة، وإعلانهم صراحة انحيازهم للشعب الفلسطيني، أثناء استلامهم للجوائز. لتعبر في إشارات ناعمة عن اختلاف الواقع الهوليودي تمامًا عن واقع السينمائيين الإسبان القادرين على التعبير والاحتجاج.

من تابعَ هذا المشهد لا بد وأن يتذكره بعد أسبوعين خلال متابعة حفل توزيع جوائز الأوسكار، فجر يوم 16 مارس/آذار الجاري. ففي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حربًا عدوانيةً مدمرةً، وتقترب إدارتها من الفاشية والتطرف الديني في ممارساتها السياسية، وتلاحق وتعتقل المهاجرين و"تطهر" البلاد منهم، يخلو الحفل، فيما عدا استثناءات قليلة، من أي إشارات سياسية أو احتجاجية.

تزداد فجاجة المفارقة حين نلاحظ أن الأكثر صراحة في تعبيره عن رفض الحرب والانحياز لـ فلسطين الحرة كان الممثل الآتي لهوليوود من السينما الإسبانية خابيير بارديم. وأن الحاضرين، المتجنبين التورط سياسيًا، صوت أغلبهم من أعضاء الأكاديمية الأمريكية، لصالح فيلم One Battle After Another/معركة تلو أخرى الذي يتحدث عن هذا الواقع نفسه.

سلطة الكابوس

تضيق المصيدة على الكولونيل الفاسد ستيفن/شين بين، الرجل المتباهي بحجم السلطة التي يمتلكها، وبعضوه الذكري، فيختبئ خلف صورة نقيضة تمامًا للصورة التي حاول ترويجها عن نفسه "كرجل مكتمل". صورة ربما تدمره وربما تنجيه. مخبرًا رؤساءه من الرجال البيض أصحاب السلطة المالية في الظل، الذين يستخدمونه أداةً، بكذبةِ أن امرأةً سوداءَ من الأعداء المتمردين خدرته واغتصبته، طمعًا في نيل قوته العقلية والجسدية.

لا نعرف السبب المحدد لقرار رؤسائه التخلص منه. سواء لأنه لم يعد الرجل مطلق القوة والذكورة، أم لأنه كذب عليهم سابقًا، أم لأنه تلوث باختلاطه الجنسي بامرأة سوداء أدنى منه ومنهم عرقيًا. النتيجة واحدة أنه مجرد أداة لممارسة القوة والعنف، بالإمكان التخلص منها حين يريدون، أيًا كان السبب أو المبرر.

منذ الدقيقة الأولى وحتى الأخيرة من الفيلم نتأمل الحقيقة الدرامية المتخيلة وهذا المستقبل القاتم، منتبهين إلى أنه انعكاس شديد الواقعية للعالم الذي نعيش فيه، ومستقبلنا القريب. كما عبّر مخرج ومنتج الفيلم بعد انتهاء الحفل، وليس أثناء تلقي الجائزة. فكل تفاصيله وشخصياته نستطيع أن نجد لها معادِلات واقعية، بل شديدة الواقعية في عالمنا الآني، فقط بعد تطويره قليلًا.

سنجد العسكريين خادمي السلطة الأنيقة والمترفعة عن تلويث يدها، القادرين على فعل أي شيء خارج إطار القانون. وسنجد سلطة المال والأغنياء المجتمعين في نادٍ سري له اسم بريء "نادي عشاق الكريسماس"، فيما هو تشكيل عصابي دموي.

وفي مواجهتهما يظهر الثوار والمتمردون، محمّلين بدرجات ليست قليلة من السذاجة، يظنون أنهم قادرون على مجابهة التفوق التكنولوجي الكاسح للسلطة وتغيير العالم. لكنهم يقعون في قبضتها عاجلًا أو آجلًا، ما لم يتخلّوا عن هذا الوهم، وعن الأساليب القديمة التي تقيدهم وتعرقلهم. ويتجسد ذلك أحيانًا في الفيلم في أبسط صورة: كلمة سر يتعين عليهم حفظها وترديدها، إلى حدّ تتحول فيه إلى عائق حاسم في لحظة مفصلية بين الابنة وأبيها، رغم معرفتهما العميقة ببعضهما البعض.

يتبدّى في كل لحظة قدر من الأمل في النجاة فلا يُغلق الباب تمامًا ولا نُهزم بالكامل أبدًا

لا ينجو الثوار من أمراض المجتمع نفسها التي تصيب أصحاب السلطة: هوس جنسي مفرط، وشبق يختلط بدرجات متفاوتة من العنف. لدى الثوار، يبدو ذلك كأثر جانبي للأدرينالين الثوري المنفلت إلى أقصى حد. أما لدى أصحاب السلطة، فيظهر بوصفه امتدادًا لبنية ذكورية يمكن رصدها في وقائع يومية، حيث تتقاطع لذة الجنس مع لذة امتلاك القوة وممارستها، من دون قيود، وفي انفلات يكشف عن عنف مرَضي يلازم الاثنين معًا: الجنس والسُلطة.

نستطيع بوضوح رؤية معادلات شديدة الواقعية من زمننا وعالمنا؛ مهاجرين ولاجئين محبوسين بأطفالهم في أقفاص، مثلما يحدث فعلًا في الولايات المتحدة، قريبًا أو بعيدًا من الحدود مع المكسيك، وثوار طوباويين يريدون المساعدة في تحريرهم/ ومقاومة يائسة لا تجد مخرجًا من هذا الواقع سوى العنف والسلاح بالأساليب القديمة، وتنهزم وتأفل لأن الطرف الآخر أكثر تسلحًا وقوة، ولأن من بين صفوفها هناك وشاة وخونة، بالتجاور مع هوس الامتلاك والتطهير العرقي والنقاء الأبيض.

يتبدّى في كل لحظة قدْرٌ من الأمل في النجاة؛ فلا يُغلق الباب تمامًا، ولا نُهزم بالكامل أبدًا، حتى وإن انفتحت منافذ هذا الأمل عبر مصادفات اللحظات الأخيرة التي تزخر بها الأفلام الأمريكية، والتحولات الدرامية المفاجئة. لكن في هذا الفيلم تحديدًا، ينبهنا مخرجه بول توماس أندرسون لضرورة التنبه لأقصى درجة ممكنة كي لا تخدعنا التكنولوجيا، دون أن ننعزل عنها تمامًا. وكأنه يدعونا لنتعلمها بحذر، ونتعلم استخدامها بطرق جديدة لا نعرفها بعد.

سلطة الخوف

سمعت أحدهم يقول لصديقته قبل خمسة عشر عامًا، أثناء انخراطه في حركة 15 مايو الاحتجاجية الإسبانية، معتذرًا عن انشغاله: أعذريني حبيبتي، لا وقت لدي، إشعال الثورة يلتهم كل وقتي. كثيرون من بيننا سمعوا تنويعات على هذه العبارة في أزمنة مختلفة، حين تصور الأفراد الضعفاء أن بمقدورهم، كأفراد، تغيير العالم كله. مثلما نعرف أيضًا جملة ترد في الفيلم "الثورة لن تُبث تليفزيونيًا"، أنها تحدث من دون أن نراها أو نشعر بها. وهي عبارة تعود لزمن الجملة الأولى نفسه، قبل خمسة عشر عامًا، حقبة الثورات العربية وحركات الاحتجاج في البحر المتوسط واحتلال وول ستريت.

نعرف صدق ما يقدمه الفيلم رمزيًا أن خلف كل واجهة هناك حقيقة مخبأة في نفق

تُستعاد عبارة "الثورة لن تبث تليفزيونيًا" في الفيلم بعد انتهاء وهزيمة تلك المنظمة الثورية التي تحمل اسم "75 الفرنسي"، وبعد عقود من زمن فيلم معركة الجزائر، الذي يشاهده البطل بوب/ليوناردو ديكابريو على التليفزيون، بعد أن توقف عن أن يكون بطلًا. وكأن صناع الفيلم يلفتون انتباهنا إلى بؤس الاستمرار في استخدام نفس أدوات المقاومة، واللغة القديمة التي لم تعد فاعلة، وينبهوننا كذلك إلى ضرورة تجاوزهما، وكسر هذه الحلقة المغلقة، ومحاولة خلق أدوات ولغة جديدة، هم لا يعرفونها بعد ولا نعرفها نحن.

إنه جانب آخر شديد الواقعية مرتبط بزمننا الآني، حيث نراقب أفول نماذج قديمة من المقاومة المسلحة، فيما لا نعرف بعد شكل الجديد. لكننا نعرف أنه سيخلق مقاومته. مثلما نعرف صدق ما يقدمه الفيلم رمزيًا، أن خلف كل واجهة توجد حقيقة مخبأة في نفق. الأغنياء لديهم أنفاقهم الأنيقة والمضاءة جيدًا حيث يستطيعون التعبير صراحة عن كرههم لكل المختلفين عنهم، وعن ضرورة تطهير العالم منهم/منا. والفقراء من المهاجرين والمقاومين لديهم منظماتهم وأنفاقهم الضيقة والمظلمة للنجاة مؤقتًا.

السينمائيون بدورهم لديهم أنفاقهم، فحين يصوتون لفيلم ينبههم لكابوس الواقع الآني والمستقبل القريب، شديد الرعب، يصوتون سرًا. ويصفقون لنهاية تبدو في قراءتها السطحية سعيدة، فأصحاب السلطة تخلصوا من المجرم/الأداة الكولونيل ستيفن، بإدخاله للمحرقة. والمناضل والبطل بوب عاد لمنزله مع ابنته التي بدأت النضال في معركة جديدة، فيما أباها يتعلم استخدام الموبايلات الحديثة والتقاط صور السيلفي.

لكنها ليست نهاية سعيدة قياسًا على النهايات السينمائية الأمريكية التي تجسد انتصار ثالوث "الوطن/العائلة/الله". بل إنها نهاية كابوسية في جوهرها، تحذرنا من توهم الانتصارات، فالنظام يأكل أبناءه، ويستمر. يأكل بعض معارضيه والمتمردين عليه، ويستمر. والمطلوب من هذه الابنة المراهقة، لتصبح نهاية سعيدة حقًا، أن تبحث عن أساليب جديدة لإنهاء وجود هذا النظام، وليس إعادة إنتاج المعارك مع كل يوم جديد، معارك لا تنتهي.

في "معركة تلو أخرى" لن ينجو أحدٌ أبدًا إن تورَّط في يوم من الأيام. تكفي مرة واحدة من التورط في الثورة والتمرد لتترك أثرًا، رائحة، تجعل المتورطين مطارَدين للأبد. وربما لذلك، وعلى عكس نصيحة مدرب الكاراتيه المكسيكي في الفيلم؛ "الحرية هي ألا نخاف"، لم يرفع أغلب الحاضرين في حفل الأوسكار لافتات احتجاج سياسي خوفًا من مصير سوزان سارندون، فيما يصوتون سرًا لفيلم متمرد سياسيًا. فيلم يحذرنا من أن نستنزف حياتنا في مجرد خوض معارك تلو أخرى، وينبهنا لضرورة أن ننتصر.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.