تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
فورمة الساحل

وجه المونجارو وديون الفورمة.. رحلة البحث عن الجسد المثالي

منشور الخميس 20 آب/أغسطس 2026

"أنا بصرف ألوفات على جسمي، وليا مواعيد ثابتة عند دكتور التجميل"، تقول لميس مصطفى، 45 سنة، معلمة بإحدى المدارس الدولية، إذ تقطع ما بين 52 و56 كيلومترًا من مدينة السادس من أكتوبر إلى مصر الجديدة لزيارة طبيب التجميل.

وتضيف لـ المنصة "أنا نفسي أعمل عمليات كتير أوي وكلها مكلفة، لكن بحوش لها"، وتزور طبيب التجميل كل ثلاثة أو ستة أشهر لإجراء الفيلر وتوريد الخدود ومتابعة "شد الوجه بالبوتوكس" لكنها لا ترى في ذلك عبئًا بحد ذاته "أنا بعمل ده وأنا مبسوطة، بس حاسة بضغط فلوس".

ولا يقتصر اهتمام لميس بشكلها على عيادة التجميل؛ فخلال معظم العام تحرم نفسها من بعض الأطعمة، قبل أن تمنح نفسها مساحة أكبر من الحرية للأكل في رمضان، ثم تعود إلى الجيم "باكل اللي أنا عاوزاه، بس برجع أشد تاني وأروح الجيم تاني علشان فيه عيد كبير برضه وأحب آكل فيه".

ومع اقتراب الصيف، يعود اهتمامها بجسدها ومظهرها استعدادًا لرحلاتها المتكررة إلى الساحل الشمالي، الذي تذهب إليه "كل ما الظروف تسمح، لكن في الأغلب ويك إند"؛ ولتتمكن من الإنفاق بأريحية هناك، تشترك في جمعيات ادخار المال وتخصص لها جزءًا من دخلها "أنا باخد راتبي ومعاش بابا، فبقدر أعمل جمعية وأحوش".

من يحدد معايير الجسم المثالي؟

لا ترى كثيرات النساء أجسادهن كما هي، بل كما يُفترض أن تكون، خصرًا نحيفًا، وتضاريس بارزة، وصوتًا ناعمًا، ففي دراسة نُشرت عام 2025 وشملت 30 امرأة تتراوح أعمارهن بين 18 و68 سنة، تمنت إحدى المشاركات أن يتحقق حلمها "لو يصير خصري أنحف ووركي متناسقًا مع شكل جسمي". 

ورأت الدراسة أن الإعلام والمجتمع يروجان لصورة مثالية للمرأة، حتى أصبح الجسد في نظر كثيرات، مرآة لتوقعات الآخرين أكثر من كونه "خريطة" للصحة النفسية والجسدية، بحسب الدراسة.

ولا يقتصر الاهتمام بـ"الجسد المثالي" على التعليقات اليومية أو صور السوشيال ميديا، لكن يمتد إلى محركات البحث أيضًا، ففي مصر، سجل Google Trends ارتفاعًا في معدلات البحث عن عبارتي "الجسم المثالي" و"الجسم المثالي للمرأة" بين 20 يونيو/حزيران ومطلع يوليو/تموز 2026، بما يعكس تنامي الاهتمام بصورة الجسد، خاصة مع بداية موسم الصيف. 

وفق مقال منشور في موقع العربي الجديد، يناير/كانون الثاني الماضي، لإسرا صالح، الباحثة المتخصصة في قضايا المرأة، فالجهات التي تصوغ معايير الجمال، من وسائل الإعلام وصناعة الإعلانات إلى شركات التجميل والسلطة الأبوية، لم تتخلَّ عن نفوذها، لكن غيّرت خطابها.

وتوضح الباحثة أن منتجات التجميل كانت تُسوَّق سابقًا باعتبارها وسيلة لتغيير المظهر، مثل فرد الشعر المجعد أو تفتيح البشرة، بينما تُطرح اليوم تحت شعارات مثل "أحبي نفسك" و"احتضني جمالك الطبيعي"، في تحول يبدو ظاهريًا أكثر تحررًا، لكنه لا يخرج عن إعادة إنتاج معايير الجمال وتسويقها بصيغة جديدة. 

لكن إذا كانت الأسرة والإعلانات تضع معايير البذرة الأولى لصورة الجسد، فإن السوشيال ميديا تحوّلها إلى رسائل يومية يصعب الإفلات منها.

ماذا فعلت السوشيال ميديا؟

اعتقدت ولاء محمد، 30 سنة، أن النساء في الولايات المتحدة يمتلكن الأجساد المثالية التي تراها يوميًا على الشاشة، لكن عندما ذهبت إلى هناك في رحلة، اكتشفت أن الواقع يختلف كثيرًا.

تقول "كنت فاكرة إن شعرهم ستريت، وبشرتهم صافية، وما فيش شعر في جسمهم، لكن لما شفتهم على الطبيعة، لقيت شعر هايش، وزيادة وزن، وسترتش ماركس (علامات تمدد البشرة)، وحتى جلد الوزة".

عمليات التجميل للنساء

لم تكتف ولاء بما رأته بنفسها لتعدل صورتها الذهنية عن النساء في الدول الغربية، لكنها بدأت تبحث عن صور غير معدلة للمشاهير، لتكتشف أن كثيرًا منهن يظهرن بملامح مختلفة تمامًا بعيدًا عن الفلاتر "ممثلة مصرية عندها لغد وأخرى أمريكية زاد وزنها بعد الحمل المتكرر" حتى الصور غير المعدلة للممثلة الأمريكية زيندايا خلال عرض فيلمها The Odyssey أعادت النقاش حول شكل البشرة الطبيعي، بعدما أظهرت تفاصيل على ساقها أخفتها الصور المعدلة لسنوات. 

الصور المعدلة بواسطة برامج تعديل الصور الاحترافية لم تعد حكرًا على طبقة المشاهير، إذ تتيح فلاتر الصور والفيديوهات المدمجة في تطبيقات السوشيال ميديا تحسين الصور بجودة احترافية دون عناء.

لم تعد الفلاتر مجرد وسيلة لتحسين الصور، لكن أصبحت تؤثر في نظرة المستخدمين إلى أجسادهم، فقد أظهرت مراجعة منهجية شملت 25 دراسة أن استخدام انستجرام وسناب شات ارتبط بتفكير 70% من الشابات و60% من الشباب في الخضوع لإجراءات تجميلية، نتيجة المقارنة المستمرة بالصور المعدلة رقميًا. 

ولم تكتفِ السوشيال ميديا بترويج الصور المثالية، بل خلقت لغة جديدة بالكامل، إذ ظهرت مصطلحات مثل "المؤخرة البرازيلية"، و"الشفاه الروسية"، و"مونجارو فيس"، وهو مصطلح يُستخدم لوصف ترهل الوجه بعد فقدان الوزن بصورة كبيرة بعد حقن "المونجارو"، بحسب دينا صادق سراج، أخصائية الأمراض الجلدية والتجميل.

وترى أن هذه المصطلحات تعكس معايير للجمال تصنعها السوشيال ميديا والمؤثرون أكثر مما تستند إلى أسس علمية في الطب التجميلي، وتضيف أن كثيرًا من المراجعين يدخلون العيادة حاملين صور ممثلات أو بلوجرز، طالبين شفاه أو عيونًا مطابقةً لها، دون الالتفات إلى مدى تناسب هذه الإجراءات مع ملامحهم.

وتوضح أخصائية الأمراض الجلدية لـ المنصة أن دور الطبيب هو تقييم ما إذا كان الإجراء مناسبًا لملامح الوجه ويحقق تناسقًا طبيعيًا، إلا أن بعض الأشخاص يتمسكون بما يرغبون فيه حتى لو لم يكن ملائمًا، وهو ما يدفعها في كثير من الأحيان إلى رفض إجراء التدخل.

من الفيلر إلى المونجارو

زاد وزن لمى يسري، 26 سنة، نحو 20 كيلوجرامًا خلال عام واحد، لتبدأ في البحث عن أسرع طريقة لاستعادة وزنها السابق، حتى فكرت في استخدام حقن المونجارو "أنا اتعرضت لسنة صعبة جدًا في كل حاجة في حياتي، وده خلاني أكل كتير أوي"، وتابعت: "كنت بفكر أروح بورتو غالب في الصيف ده، بس مش مرتاحة علشان وزني زاد ومش واثقة زي الأول في الصور".

لا يتوقف الثمن عند الإجراءات التجميلية، فبالنسبة للبعض يمتد إلى الديون أيضًا

وتربط صانعة محتوى مقاطع الفيديو القصيرة "ريلز" شعورها بعدم الرضا عن جسدها بسنوات من التنمر: "أنا طول عمري بزيد وبخس.. وأنا صغيرة اتعرضت للتنمر بسبب جسمي الممتلئ، ودلوقتي زعلانة على السنين اللي ضاعت في الدايت" تقول لـ المنصة.

وعكس لمى، لا ترى إيناس عبد الحميد، 35 سنة، أن المجتمع هو من يدفعها إلى طبيب التجميل، بعد تجربة ناجحة العام قبل الماضي "بدأت أول حاجة بالفيلر في شفايفي، وبفكر أعمل بوتوكس بين حواجبي الشهر ده". 

لكن إيناس، التي تعمل في مجال اللإعلام ترى أن قرارها لا يرتبط بضغط المجتمع، لكن برغبتها الشخصية في الشعور بالرضا عن نفسها، تقول لـ المنصة "بحس إني حابة شكلي أكتر بعد ما بروح للدكتور.. وأكتر حاجة إني مبفكرش كتير في شكلي وأنا بتعامل مع الناس خاصةً إن مهنتنا معتمدة على المظهر"، مضيفةً "لو معايا فلوس زيادة هعمل تجميل في مناخيري، في عضمة مضايقاني".

ولا يتوقف الثمن عند الإجراءات التجميلية، فبالنسبة للبعض يمتد إلى الديون أيضًا.

ديون تجميلية 

ويدفع الرجال أيضًا ثمن الصورة النمطية، إذ استدان إسلام علي، 38 سنة، مقيم بمحافظة الجيزة، 4 آلاف جنيه في السنة لتجديد اشتراكه في الجيم، بعدما شعر بأن الوصول إلى "الفورمة" التي يراها حوله أصبح ضرورة، ويقول "كنت شايف الناس كلها شكلها كده، فقلت ليه أنا لأ؟".

مقاييس الجمال

ويقول إنه دفع قيمة الاشتراك أكثر من مرة رغم عدم انتظامه في التدريب، فقط لأنه كان مقتنعًا بأن عليه الوصول إلى شكل معين للجسم "وده كان السبب الغلط".

أما بالنسبة لآخرين، فلا يتعلق الأمر باكتساب عضلات منحوتة مثل أجساد لاعبي كمال الأجسام المحترفين، لكنه يرتبط أكثر بالتقاط صور مثالية في المصيف.

تقول آلاء أمين، 28 سنة "فيه ناس حواليا عملوا جمعيات واستلفوا، وحرموا نفسهم من الأكل لمدة شهرين علشان يشتروا مايوه للساحل ويطلع جسمهم حلو في الصور، وفي ناس دخلوا جمعيات بآلاف الجنيهات علشان يصرفوا في الساحل، ويفضلوا يسددوا بعد كده".

لا تشعر آلاء بالضغط نفسه الذي يشعر به زوجها "بيختار برفيوم مخصوص، وبيخس قبلها بشهرين علشان الساحل.. بس أنا ممكن ألبس مايوه عندي من 3 سنين، المهم شكله مناسب عليا".

كذلك الأمر مع كريم إبراهيم، 24 سنة، صحفي، فهو لا يرى أن شكل جسده يمثل ضغطًا أساسيًا عليه، ويلاحظ اختلاف هذا الضغط باختلاف الشواطئ والقرى السياحية؛ ففي المناطق الواقعة قبل العلمين، يقول إن الأمور "بسيطة" ولا يشعر بضغط نفسي أو جسدي، بينما تختلف الصورة في المناطق التي يصفها بـ"الساحل الشرير".

يُصَيِّف كريم في الساحل الممتد من الإسكندرية وحتى مطروح منذ 2019، لذا فهو يلاحظ التغير الذي طرأ على الأنشطة هناك "التكلفة زادت والمصاريف زادت، كنا الأول مبنعملش أكتيفيتيز، دلوقتي بقى فيه جيم على البيتش".

يقول لـ المنصة "مش حاسس إن شكل الجسم بيفرق؛ أنا شوفت في الساحل الشرير، في مراسي وهاسيندا، ناس بتظهر بشكل مش متناسق وعادي" قبل أن يوضح "فكرة الضغط جاية من اللبس وطبيعة الشخصية، المكان بتجبرك تتخلى عن البساطة وتظهر بشكل معين".

أجسادنا ليست كافية؟!

يرى الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن الصورة الذهنية التي يكونها الإنسان عن جسده، أو ما يعرف في علم النفس بـ"صورة الجسد"، تؤدي دورًا محوريًا في ثقته بنفسه، موضحًا أن انخفاض الثقة بالنفس أو الحرمان العاطفي قد يدفع بعض الأشخاص إلى اللجوء لعمليات التجميل بوصفها محاولة للتعويض النفسي، وليس بالضرورة بسبب وجود عيوب حقيقية في مظهرهم.

نظرة الإنسان إلى جسده تُبنى على "المعتقدات المحورية" التي تتشكل منذ الطفولة بفعل رسائل الأسرة والمجتمع

ويضيف لـ المنصة إلى أن جذور هذه المشكلة غالبًا ما تتشكل منذ الطفولة والمراهقة، نتيجة التعرض لتعليقات سلبية أو للتنمر على المظهر، وهي رسائل قد تظل راسخة في الذاكرة وتؤثر في نظرة الشخص إلى جسده، ما يدفع بعض الفتيات لاحقًا إلى السعي لإجراء عمليات تجميل لتصحيح عيوب قد لا يلاحظها الآخرون أو لا تستدعي أي تدخل جراحي.

وأضاف أن الثقة بالنفس تنبع من تقبل الإنسان لذاته، بينما قد يؤدي الانشغال المستمر بصورة الجسد إلى العزلة الاجتماعية والاكتئاب، عندما يقتنع الشخص بوجود عيب يمنعه من الاختلاط بالآخرين، حتى وإن لم يكن هذا العيب حقيقيًا.

من جانبها، تقول إيريني أكرم، المستشارة النفسية ومؤسسة مبادرة "ميديام"، المختصة بعلاج اضطراب الطعام وصورة الجسد المشوهة، إن نظرة الإنسان إلى جسده تُبنى على "المعتقدات المحورية" التي تتشكل منذ الطفولة بفعل رسائل الأسرة والمجتمع، مثل التعليقات على الأجساد، والصور التي تروجها الدراما والإعلانات، وأحيانًا بعض التفسيرات غير الدقيقة للنصوص الدينية، وتنعكس هذه المعتقدات في أفكار تلقائية عن الذات قد لا يدرك الشخص مصدرها، وغالبًا ما يحتاج إلى مساعدة متخصصة لاكتشاف جذورها.

وتضيف لـ المنصة أن هذه المعتقدات تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، خاصةً عندما ترتبط بما يسمى "الخزي"، وهو شعور يجعل الإنسان يرى أن الخلل فيه هو، لا في سلوكه، وقد يدفعه إلى الاعتقاد بأن جزءًا من جسده معيب، فيعيش صراعًا دائمًا مع شكله ويشعر بالإحراج في أبسط المواقف اليومية.

وترى إيريني أن المجتمع يسهم في ترسيخ هذه المشاعر، إلا أن تأثيره يختلف باختلاف البيئة الأسرية؛ فوجود أسرة داعمة يخفف من أثر الضغوط المجتمعية، بينما يؤدي غياب هذا الدعم إلى تعميق اضطراب صورة الجسد.

وفيما يتعلق بالإجراءات التجميلية، حذرت دينا صادق سراج من اللجوء إلى غير المتخصصين لإجراء حقن الفيلر والبوتوكس، مؤكدةً أن هذه الإجراءات طبية ويجب أن تُجرى على أيدي أطباء مؤهلين، لأن تنفيذها بطريقة خاطئة قد يسبب مضاعفات خطيرة.

وبالنسبة إلى لميس، لم تكن عمليات التجميل قرارًا عابرًا؛ فتقول إن رغبتها في تصغير أنفها كانت سببًا في انفصالها عن زوجها السابق "أنا اتطلقت لأني عملت عملية تصغير لمناخيري"، واليوم، تدخر لإجراء عمليتي تكبير المؤخرة والثديين، فيما ترغب أيضًا في شد وجهها بالخيوط التجميلية مثل الفنانة أصالة "ده طبعًا مكلف أوي".