موضع أهل النوبة في المجتمع المصري
عملت الروح المصرية طوال الوقت على تخفيف عبء أي تهميش سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي. فمصر امتلكت عبر تاريخها القدرة على صهر الثقافات الوافدة إليها، على اختلافها وتنوعها، وذلك لأن مجتمعها صارت لديه استطاعة راسخة طوال الوقت على صناعة "الأُلفة" و"السكينة الاجتماعية"، ولذا بات من الطبيعي أن يلملم أشتاته، ويحمي مكوناته، بقدراته الذاتية بغض النظر عن موقف السلطة السياسية.
فمصر الدولة المركزية التي تنجذب أقاليمها المنسابة على ضفاف النيل، وأطرافها في الصحراء، إلى العاصمة باعتبارها مركزًا، لم يحلْ دستورها ولا قوانينها دون انتقال السكان إلى العاصمة وبعض المراكز الحضارية التي توفر فرص عمل وتحقق وتفتح أحد أبواب الحراك الاجتماعي. ثم تأتي الجينات الاجتماعية للسكان القدامى في المكان لتستوعب الغريب سريعًا، وغالبًا ما تمده بأسباب الاندماج، ولا تبخل عليه بشيء، ولا تشعره أنه قد جاء من بعيد.
النوبة وتغريبة داخل الوطن
إذا أخذنا أهل النوبة مثالًا على هذه الميزة، سنجد أن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة وقت بناء السد العالي وكانت على حساب الكثير من مصالح النوبيين، خفف منها المجتمع بفتح الطريق أمامهم للانتقال إلى القاهرة والإسكندرية والسويس، كأكثر محافظات يتركز فيها هؤلاء خارج موطنهم الأصلي، ثم توفير فرص عمل لهم ضمن المتاح للجميع، لتأتي علاقات الزواج والمصاهرة فتزيدهم اندماجًا في المجتمع، ثم يتولى التجنيد ومكاتب العمل البقية.
وإذا كان هناك من لا يزالون يتحدثون عما تأثر به النوبيون سلبًا بعد بناء السد العالي، فإن حديثهم لم ينزلق إلى مهاجمة هذا المشروع العظيم الذي حمى مصر من فيضانٍ طالما دمر قرى ومدنًا وأغرق زراعات عبر التاريخ، أو جفاف صنع مجاعات بعضها كان مشهودًا حتى أطلق عليه المصريون اسم "الشدة" أو "السنوات العجاف".
رحب المجتمع بالثقافة النوبية وأعطاها فرصة عالية للتحقق والتمكن
اكتفى هؤلاء المتحدثون بالمطالبة بالتعويض المادي، وتماهوا مع موقف الأغلبية الكاسحة لأهل النوبة التي ترفض دعوات الانفصال، أو بلورة الأمر على أنه صراع سياسي واجتماعي قائم على "العرق" أو "الجهة"، مثلما تذهب منظمات نوبية تعمل من الخارج، وبعضها يتاجر بهذه القضية.
وفي إطار قدرة الروح المصرية أو الجينات الاجتماعية للمصريين على الاستفادة من الثقافات الفرعية، لتغذية الثقافة الأصلية، أو التي يتبناها "التيار الاجتماعي الرئيسي"، رحب المجتمع بالثقافة النوبية، وأعطاها فرصة كبيرة للتحقق والتمكن، والمثال على ذلك المطرب محمد منير، وقبله أحمد منيب، حتى صار الأول متربعًا بألحانه وأدائه ولغته المميزة على عرش الغناء عقودًا، واستوعب جمهوره من الشباب، وهم كثر، أغانيه التي تشدو بكلمات وأشعار ومواويل نوبية.
اندماج متعدد
فتحت الجماعة الثقافية ذراعيها، على مستوى النقاد ودور النشر ومنظمي الندوات والمؤتمرات ومانحي الجوائز، لأدباء نوبيين يكتبون بالعربية، مثل خليل قاسم، وإدريس علي، وإبراهيم فهمي، وحجاج أدول. وإذا كان الأخير قد وجد من يستقطبه في البداية، اتكاء على أنه كان ينتصر لـ"أقلية" نوبية، فإن معدة المجتمع المصري ومعدنه، لم يلبث أن استوعبه، وغلبت علاقاته الثقافية الوطنية على غيرها.
وتعامل النقاد مع نتاج هؤلاء، على أنه إن كان يحمل حنينًا إلى بلاد النوبة، أو يزكي ثقافة المكان هناك، فإنه لا يتحدث عن هذا من باب "التهميش العرقي" ولا "الجهوي"، إنما مثلما يفعل كل أدباء مصر الذين نزحوا من الريف إلى المدينة، حيث يطرحون قضايا المجتمع كله، ويفتحون قوس التهميش لمسائل أخرى مثل التهميش الطبقي، والتهميش النوعي، في تفاعل مع مطلبية العدالة الاجتماعية، وتمكين النساء في وجه الثقافة الذكورية.
لأهل النوبة دوائر انتخابية ومن يصل منهم إلى مقاعد البرلمان يتحدث عن مشكلات دوائرهم ومحافظتهم وقضايا الأمة المصرية
وفي الرياضة قدمت النوبة لاعب كرة قدم، يعده مشجعو "الزمالك" واحدًا من أساطيره عبر تاريخه، وهو محمود عبد الرازق شيكابالا، الذي كان له وقت لعبه ملايين المعجبين، ولا يزال فاعلًا في الحياة الرياضية. ومؤخرًا قدمت النوبة اللاعب الذي هام به المشجعون المصريون حبًا واقتناعًا لأدائه البديع في مونديال 2026 وهو هيثم حسن، لينضم هذان اللاعبان إلى قائمة من لاعبين مهمين جدًا في تاريخ كرة القدم المصرية مثل حنفي بسطان، وفاروق جعفر، وإبراهيم يوسف، وأحمد الكأس، وعبد الستار صبري، وأسامة عرابي، ومحمود صالح، وجميعهم لعبوا لأكبر ناديين في مصر، وهما الأهلي والزمالك.
وتلعب العقيدة الدينية دورًا كبيرًا في تحقيق هذا الانصهار، فأغلب أهل النوبة يدينون بالإسلام الذي يؤكد نصه المؤسس (القرآن وصحيح الحديث) على المساواة، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى والعمل الصالح، و"الناس سواسية كأسنان المشط".
وتأتي تاريخية الإسلام لتعزز هذه المساواة من خلال بعض رموز صدره الأول مثل (بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي). كما أن الذين يدينون بالمسيحية بين أهل النوبة هم من رعايا أو شعب الكنيسة الأرثوذكسية، لا يختلفون في هذا عن بني عقيدتهم من سائر المصريين.
وحدة لا تنفي الحقوق
وتأتي السياسة والإدارة لتدفع هذا الاندماج قدمًا، فلأهل النوبة دوائر انتخابية برلمانية ضمن محافظة أسوان، ومن يصلون منهم إلى مقاعد البرلمان يتحدثون عن مشكلات دوائرهم ومحافظتهم وقضايا الأمة المصرية كلها، شأنهم في هذا شأن سائر النواب. كما أن الإدارات المحلية، والمجالس الشعبية المحلية، تؤدي دورها مثل غيرها في كل مكان على أرض مصر، منشغلة بحل المشكلات التي تواجه السكان هناك.
وقد ساهم كل هذا في تفاعل أهل النوبة مع الداخل المصري، في الوادي والدلتا والعاصمة، أكثر من تفاعلهم من النوبيين، الذين يقطنون شمال السودان، وهم جزء أصيل من المجتمع والدولة السودانية. لهذا لم نر أي تبلور لمطلبية تجمع النوبيين في مصر والسودان، على الدرجة نفسها التي يبلغها الأكراد في العراق وتركيا وسوريا وإيران، أو أخرى منخفضة بعض الشيء نراها عند الأمازيغ الممتد وجودهم من المغرب إلى صحراء مصر الغربية.
وقد اقتربت بعد ثورة يناير 2011 من مجموعات النوبيين التي طرحت مسألة التعويض، من منطلق أن هذا حق لهم لا بد من الإيفاء به، وكذلك آمن الكثير من المثقفين والنشطاء السياسيين، ورأيت كيف أن مثقفين ووجهاء اجتماعيين وسياسيين نوبيين، هم الأكثرية على أي حال، يطرحون هذا الحق في إطار "الجماعة الوطنية المصرية"، رافضين منطق وخطاب أصحاب النزعات الانفصالية أو الثأرية، بل يرون أن هؤلاء يضرون بأهل النوبة، ولا ينفعونهم أبدًا، لا سيما إن تطرفوا في مطالبهم، أو أسندوها إلى أيديولوجية مغلقة، أو إلى عرق، أو سرديات تاريخية.
لو أجرينا اليوم استطلاع رأي للنوبيين الذي استقروا في القاهرة وبعض المدن المصرية عما إذا كانوا يفضلون البقاء في أماكنهم أو العودة إلى النوبة، لانحازوا إلى البقاء، خاصة أنهم تمكنوا من إقامة روابط اجتماعية وثقافية في الأماكن التي حلوا بها، دون أن يحولوها إلى جيوب أو جيتوهات خاصة، إنما هي مفتوحة أمام جميع المصريين للنقاش والاستفادة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.