استقالت وزيرة الثقافة.. فمتى يفعلها وزير التعليم؟
ما إنْ رفضت محكمة النقض طعن وزيرة الثقافة جيهان زكي على حكم سابق يقر بسرقة أجزاء من كتاب الصحفية بالأهرام سهير عبد الحميد، المعنون بـ سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية، حتى كتبتُ على حسابي بفيسبوك مطالبًا بإقالتها أو استقالتها، وهو ما حدث بالفعل حين أُعلن عن استقالة الوزيرة.
هكذا، أُسدل الستار القانوني على واحدة من أبرز السرقات الفكرية في الحياة المصرية المعاصرة، اتكاءً على أن المتهمة بالسرقة وزيرة، وذلك بعد رفض محكمة النقض الطعنين المقدمين منها، وتأييد الحكم الصادر ضدها من المحكمة الاقتصادية بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية لسهير عبد الحميد، التي صدرت لها عدة كتب تتخذ من التاريخ، على اختلاف دروبه، موضوعًا أو مادةً لها، تنحو منحى التحقيق الطويل أو جمع نثار من هنا وهناك لسبك سردية ما، أو رسم ملامح شخصية ما.
توابع الحكم
الحكم ألزم الوزيرة بدفع تعويض مالي قدره مائة ألف جنيه لصالح الكاتبة مع سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق، بعدما أظهر تقرير لجنة من خبراء الملكية الفكرية أن هناك نقلًا حرفيًا واقتباسات مفرطة "تطمس الحدود بين العملين وتنال من الطابع الإبداعي للمصنف الأصلي"، لتبدد بهذا ادعاء دفاع الوزيرة في طعنين قُدِّما للمحكمة أن النقل الذي ورد في كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب" يندرج تحت باب "الاقتباس المباح".
الآن، بمنتهى البساطة، يمكن التفكيرُ في الأسباب التي حدت بوزيرة الثقافة إلى الاستقالة، سواء كان هذا قرارًا منفردًا أو طُلب منها.
بات على الوزيرة كشخص محسوب على المثقفين الاعتذار للكتاب الأصلاء ممن يعتبرون الكلمة أمانة
قدمت الوزيرة كمسؤولة تنفيذية استقالتها لارتكابها ما هو أخطر من سرقة المال، وهو الاعتداء على الملكية الفكرية. فسارق المال قد يكون مضطرًا وإن انكشف أمره أمكن إعادة ما سرقه بعد عقابه، أما سارق الفكر فلا يُعاد ما سرقه، فكتاب الوزيرة صار الآن في مكتبات البعض، وقد تعاد طباعته بعد سنين، وقد يتسلل حاملًا اسمها إلى الإنترنت ويعود إليه باحثون لا يصلهم نبأ أن ما فيه مسروق.
بات على الوزيرة، كشخص محسوب على المثقفين، الاعتذار للكتاب الأصلاء، ممن يعتبرون الكلمة أمانة، ويرون سارق الأفكار غليظ الإجرام، ويقدرون أن ما أقدمت عليه الباحثة جيهان زكي عمل شنيع.
ما يوجب الاعتذار أيضًا أن طعن الوزيرة جاء خارجًا على قواعد البحث العلمي، إذ اعتبر السرقة اقتباسًا، ثم ظهر ما يبين أنه ينظر إلى النقل غير المنسوب أو المحال إلى مرجع على أنه من قبيل المباح في التأليف، وأن الاستسهال في سرقة مؤلفات الغير يمكن أن يفيد، وفي هذا عدم اعتبار للقاعدة التي تقول "الجريمة لا تفيد".
أعتقد أن الوزيرة تعرف أن قانون الجامعات الآن لا يسمح بزيادة الاقتباسات في الأطروحات العلمية عن ثمانية في المائة، ويخضع أي مادة تقدم للحصول على الماجستير أو الدكتوراه لبرنامج يقيس حجم الاقتباس فيها.
حجج واهية
على الوزيرة أيضًا الاعتذار للكاتبة سهير عبد الحميد التي سطت على كتابها، وعدم الاكتفاء بالتعويض المادي الذي قررته المحكمة، أو التذرع بأن سهير اقتبست بعض ما ورد في رواية هالة البدري عن الشخصية نفسها، واختلط عليها الواقع بالخيال، فهذه مسألة بين هالة وسهير، ولا دخل للوزيرة بها.
كما أن سهير ذكرت في مراجعها رواية هالة، ولا يمكن هنا اتهامها بسرقة إنما بالوقوع في خطأ علمي جسيم، هو ابن التسرع في التأليف أو عدم التكوين المنهجي الكافي للنظر في التاريخ، وهذا ما يمكن تداركه وتصحيحه في قابل الأيام، لكن واقعة السرقة التي أقدمت عليها الوزيرة لا يصححها حتى استقالتها.
كما لا يمكن التذرع، مثلما ذهب البعض، بأن "قوت القلوب الدمرداشية" لا تستحق كل هذا الاهتمام، فهذه مسألة يختلف فيها الناس، وبها افتئات على حق الكاتب والباحث أن يبحث فيما يريد ويكتب عما يشاء،، في ظل اختلاف الميول والأذواق بين أرباب القلم. ففي التأريخ والأدب هناك شخصيات تغري بالبحث عنها، والكتابة فيها، حتى إن لم يرق هذا للبعض، بزعم أنها غير مهمة، أو قُتلت بحثًا، فالمهم هو طريقة التناول وبصمة الأسلوب.
ماذا عما في رقبة رئيس الوزراء الآن حيال أمر آخر يخص وزير التربية والتعليم الحالي
كما لا يمكن الاحتجاج بالقيمة التأريخية لكتب سهير عبد الحميد، مثلما قال البعض، فلا يمكن لأحد أن ينكر الجهد الذي تبذله في جمع مادتها من كتب التاريخ والسير الغيرية والذاتية، والأرشيف الصحفي، الذي تمتلك الأهرام واحدًا من أكثره ثراء في مصر، فضلًا عن زيارات ميدانية أحيانًا.
أيضًا على الوزيرة المستقيلة، كباحثة، أن تزيل اللبس، وتنهي اللغط الذي يتهامس به المثقفون عن الظروف التي أحاطت بتأليف هذا الكتاب، حتى نتوقف ونتبين عند هذه الحالة جيدًا، ونقف على مسلك سلبي يسود جانبًا من حالتنا الثقافية عن أصالة بعض التأليف والتصنيف، مع استسهال البعض النقل من محركات البحث على شبكة الإنترنت، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، وانتشار ورش الكتابة للقصة والرواية وسيناريوهات الأعمال الدرامية والأفلام السينمائية.
أما الدكتورة جيهان زكي، كإنسانة، فعليها، طالما أنها قدمت التماسًا إلى المحكمة، حسبما جاء على لسان محاميها، أن تنظر في التماس المحامي علي أيوب لها، والمسجون الآن لثلاث سنوات في واقعة سب الوزيرة وقذفها.
نعم، القضية مختلفة، والمحامي، في رأي البعض، جانبه الصواب فيما ردده وكتبه مما دسَّ عليه، لكنه سعى إلى الوزيرة، حسب علمي، كي تتصالح معه بعد أن يعتذر لها، ووسَّط كثيرين لكنها رفضت، واليوم بات عليها أن تدرك أن من هو في ضيق وكرب شديدين، وهو علي أيوب، يحتاج إلى من يمد إليه يده، ويصفح عنه، فلا يُترك سجينًا، وأهل بيته في أشد الحاجة إليه.
الوزيرة نفسها، وحسب تصريحات سهير عبد الحميد، سعت إلى الصلح، فتتنازل سهير عبد الحميد عن القضية مقابل ما تريد، والأَولى بمن أراد إقالة عثرته، وإزاحة كربه، أن ينظر بعين الرحمة والاعتبار إلى عثرة غيره وكربه وضيق أحواله.
بالشيء يُذكر
هذا ما كان على الوزيرة، ووضع للشق العمومي منه حد واضح باستقالتها، فماذا عما في رقبة رئيس الوزراء الآن حيال أمر آخر يخص وزير التربية والتعليم الحالي؟
لقد سبق الحديث بإفراط عن انتحال هذا الوزير للقب "دكتور"، وتحدث البعض عن تزويره شهادات تفيد بحصوله على هذه الدرجة العلمية الرفيعة وقبلها درجة الماجستير، وتحداه آخرون أن يقدم الشهادتين إن كان واثقًا منهما، ولم يقدم على هذا بالطبع، مع ذلك لم تفعل السلطة شيئًا له، واكتفت بإزالة لقب دكتور من أمام اسمه الوارد في التصريحات والأوراق الرسمية، ووضعت مكانها لقب "السيد"، وتركته في منصبه، وهو أمر غاية في العجب، خاصة إن كان يتعلق بوزير مطلوب منه أن يتصدى للغش في الامتحانات، وأن يدقق في سلامة شهادات التخرج، حتى نهاية المرحلة الثانوية، وأن يكون قبل هذا قدوة للتلاميذ.
اعتقد كثيرون أن وزيرة الثقافة ستبقى أيضًا في منصبها، ولن تهزها هذه العاصفة، وقال آخرون إن بقاءها صعبٌ بعد قرار محكمة النقض، وأن السلطة تركتها دون سند أو دعم، فوضع حد لهذا اللغط والتخبط والتوقع والتخمين، بتقديم الوزيرة استقالتها.
في كل الأحوال يجب أن يدرك رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الشعب بات يعلم الآن، حسبما تفيد كثير من الكتابات والمداخلات على السوشيال ميديا وفي الواقع، أن هناك ثمرة أخرى معطوبة في صندوق الوزارة، كافية لإفساده كله، هذا إن لم يكن العطب قد طاله من قاعه إلى سطحه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.