أحمد نبيل الهلالي.. قديس اليسار المنحاز لـ "العدالة المجردة"
"خارج جدران هذه القاعة دماء تُسفك، وأرواح تُزهق، وأشلاء تتناثر، وعلى طول البلاد وعرضها، تُمارس سياسة أمنية ثابتة تستهدف تصفية الخصوم جسديًا، وعلى طول البلاد وعرضها تتوالى في المقابل الأفعال الثأرية. وعندما تكون السياسة الأمنية المعلَنة والممارسة بالفعل هي الضرب في سويداء القلب، خلال عمليات الضبط، سواء كان المطلوبون خصومًا سياسيين أو مواطنين عاديين، فمن البديهي أن يقاوم المطلوب مطاردته، وأن يتعامل معهم بمنطق قاتل يا مقتول".
هكذا تعكس مرافعة أحمد نبيل الهلالي في قضية اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب عام 1987 بعنوان المحجوبون عن العدالة ما آمن به من أن القضايا، صغرت أو كبرت، لا تنفصل عما يحيط بها من أحوال.
المحامي المناضل
زاوج الهلالي (1922 - 2006)، الذي تحل ذكراه العشرين هذه الأيام، بين القول والفعل، فكان يكتب مرافعته، وحين يقرأها، تحسبه يرتجلها من صدقه وانفعاله، باذلًا كل جهد مستطاع، مقدمًا معايير المهنة وقيمها على أي اعتبارٍ آخر.
يتوجه الهلالي لهيئة المحكمة في مرافعته في قضية "تنظيم الاشتراكيين الثوريين" عام 2003 "لقد اعتدنا القول سيدي الرئيس بأن بلدنا المحبوب منكوب بما نسميه ويسميه كل ديمقراطي في هذا البلد بترزية القوانين، يفصِّلونها على هوى الحكام، لكن في تقديري أن الآفة الأكبر والأخطر تتمثل في ترزية القضايا. يختلقونها ويلفقونها حسب مزاج الحاكم ويزحمون بها ساحات المحاكم".
ألهم الهلالي المحامين طريقة مُثلى في الدفاع، خصوصًا ما يتعلق بالقضايا السياسية والعمالية
وفي قضيه حريق قطار الصعيد بلغ ربطه القضية بالحياة السياسية ذروته، فراح يهاجم مَن وصفهم بـ"الرؤوس الكبرى"، ولم يقصرها على صغار الموظفين، ولا حتى وزير النقل، بل توجه إلى هيئة المحكمة قائلًا "أرجو ألاّ يُفهم من كلامي عن الرؤوس الكبيرة الغائبة عن قفص الاتهام، بأنني ألقي بعبء المسؤولية عن الكارثة على مديري الإدارات أو على رؤساء الهيئات الحاليين والسابقين، أو حتى على الوزراء المتقاعدين. إطلاقًا، فالمتهم الأول في قضيتنا الغائب عن القفص، هو الدولة بالتحديد. الدولة بسياستها الاقتصادية، وبفلسفتها الاجتماعية".
وبهذا ألهم الهلالي المحامين طريقةً مُثلى في الدفاع، خصوصًا ما يتعلق بالقضايا السياسية والعمالية، فكان يترك تلاميذه يبدؤون المرافعة، بعد أن اتفق معهم على مجراها، فإن تحدَّث هو فاجأهم بنقاط جديدة لم ترد إلى أذهانهم، وفي هذا يقول المحامي منتصر الزيات " كانت مرافعات الهلالي قِطعًا من الأدب الرفيع، والصياغة المُحكمة، تعلمتُ منه كيف أترافع".
ولم يكن هذا بغريب على رجل ظل في قلب السياسة، فهو من انضم وقت أن كان طالبًا بكلية الحقوق، جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) إلى منظمة "أيسكرا" التي صارت فيما بعد إحدى مكونات الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني حدتو، ثم انضم إلى منظمة "الراية" التي ساهمت في إطلاق "الحزب الشيوعي المصري"، الذي اختلف معه لرفض أعضائه ترافع الهلالي عن متهمين من الجماعات السياسية الإسلامية واصطفافهم مع السلطة في مواجهة الإسلاميين، فتركه ليؤسس "حزب الشعب الاشتراكي" عام 1987.
لم يرفع الهلالي في شبابه شعار لن أعيش في جلباب أبي حسب عنوان الرواية الشهيرة لإحسان عبد القدوس، إنما تحركت مشاعره حيال الفقراء منذ نعومة أظفاره، وهنا يقول "في طفولتي رأيت أطفال شوارع يلحسون اللوح الزجاجي لمحل حلويات، فقفز إلى ذهني سؤال لماذا يعاني هؤلاء وأسرتي غارقة في النعيم؟"، لهذا آمن بأن الاشتراكية هي السبيل لانتشال هؤلاء من العوز والضياع، الذي يصنعه التفاوت الطبقي الرهيب، وتخلقه تصورات وسياسات جائرة، وهنا يقول "اخترت الاشتراكية لأنني شاهدت مطبخ المجتمع الرأسمالي، واكتشفت وجهه القبيح".
الاختيار
رفض الهلالي الوقوف في المحاكم ضد عامل رفع دعوى ضد أبيه نجيب باشا الهلالي، منحازًا إلى ما رآه وقتها حقًا للعامل وواجبًا عليه هو، وهي واقعة يحكي عنها قائلًا "كان والدي وكيلًا للعديد من الشركات الأجنبية وكان أحد العمال قد أقام دعوى قضائية ضد شركته يطالب فيها بحقوقه، فكان عليَّ أن أذهب للمحكمة للوقوف ضده، فرفضت ذلك تمامًا، مما دفعني لترك مكتب الوالد نهائيًا وترك المنزل كذلك بعد افتضاح نشاطي الشيوعي".
كان الهلالي يرى الأمور أبعد وأعمق من تجربته الشخصية، فأبوه، نجيب باشا الهلالي، لم يكن بالرجل البعيد عن الناس تمامًا، فهو من تحمس لمجانية التعليم وقت أن كان وزيرًا للمعارف، مستجيبًا لمطلب مستشاره طه حسين، الذي حين سُئل في عهد عبد الناصر عمن يتوجه إليه بالشكر، ذكر اسم نجيب الهلالي أولًا، ثم أتبعه بعبد الناصر.
أي فكر، اتفقنا معه أو اختلفنا، لا يجوز أن يكون موضع تأثيم أو محل تجريم
مع هذا كان نبيل الهلالي يرى كل هذا ليس كافيًا لانتشال الشعب من الجهل والفقر والمرض، إنما هي الاشتراكية، التي اعتنقها وأخفى هذا عن والده، ودفع في سبيل هذا ثمنًا باهظًا، إذ قضى في السجن عشر سنوات على عدة مرات، الأولى كانت عام 1959 وسجن خمس سنوات، والثانية كانت عام 1965 وسجن أربع سنوات بعد أن رفض التوقيع على حل التنظيم شرطًا للإفراج عنه، ثم قُبض عليه خلال انتفاضة الطلبة عام 1972، وسُجن فيما بعد في قضية "الحزب الشيوعي المصري".
ولم يقتصر الهلالي، الذي حصل على ليسانس الحقوق عام 1949، على مرافعاته أمام المحاكم، والانخراط في الحياة السياسية، بل كان حريصًا على خدمة أبناء مهنته، إذ انتُخب عضوًا بمجلس نقابة المحامين لدورات امتدت من 1968 إلى 1992، وناضل مع زملائه ضمن لجنة الحريات، مؤمنًا بمبدأين:
أولهما الإيمان بحرية التفكير والتعبير بلا قيود إلا ما يرتبه القانون، وهنا يقول "أي فكر، اتفقنا معه أو اختلفنا، لا يجوز أن يكون موضع تأثيم أو محل تجريم، أو حتى هدفًا للازدراء والتحقير. وأن حدود الإباحة في التعبير ليست على مزاج الحاكم أبدًا، فمن حقي أن أخطِّئ الحاكم، وأخالف الحاكم، وأهاجم الحاكم".
والثاني المساواة بين الجميع في مجال الحقوق العامة، بغض النظر عن مشاربهم ومآربهم، وهنا يقول "المعيار الأوحد الذي يحدد من هو الإنسان هو إنسانيته، وليس دينه أو لونه السياسي أو أيديولوجيته، وأنا لم أتوصل إلى هذه القناعة باختيار فكري فحسب. وإنما تولدت تلك القناعة لدي من دروس الحياة، التي تؤكد أن التغاضي أو السكوت عن أدنى انتهاك لحريات الآخرين، حتى لو كانوا منافسين سياسيين أو خصومًا سياسيين أو حتى أعداء سياسيين، هو سهم لا بد أن يرتد إلى صدر المتغاضي".
العدل للجميع
لهذا كما دافع الهلالي عن العمال والفلاحين وصغار المهنيين، وأشهر قضاياه في هذا هي إضراب عمال السكة الحديد عام 1986، والتي صدر فيها أول حكم قضائي يعترف بحق العمال في الإضراب عن العمل استنادًا لاتفاقيات دولية صدقت عليها مصر، ودافع عن طلاب اليسار عام 1972 وعن اليسار كذلك في اتهامه بأنه وراء انتفاضة الخبز 1977، وعن الغلابة في حريق قطار الصعيد 2002، دافع أيضًا عن متهمين من الجماعات السياسية الإسلامية، فكان موكله أمير الجماعة الإسلامية الدكتور عمر عبد الرحمن، ودافع عن المتهمين في قضية اغتيال رئيس مجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب، وحصل لكثيرين منهم على البراءة، كما دافع عن المستشارين هشام البسطاويسي ومحمود مكي في إحالتهما لمجلس الصلاحية إثر انتقادهما تزوير الانتخابات البرلمانية 2005ـ
دافع الهلالي عن موكليه وهو بينهم، يحمل همومهم، ويشعر بهم
كان لا يستنكف السعي بين المحاكم بنفسه لتقديم أو سحب أوراق، كـأي محامٍ شاب، وكان لا يتقاضى أي أجر من العمال وصغار الموظفين لقاء دفاعه عنهم في مئات القضايا. وهنا يقول عنه منتصر الزيات "تقريبًا، لا توجد قضية تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان في الإطار السياسي والعمالي إلا وكان الهلالي ركنًا ركينًا من أركان الدفاع فيها".
دافع الهلالي عن موكليه وهو بينهم، يحمل همومهم، ويشعر بهم، ويتعامل مع قضيتهم على أنها قضيته. وفي هذا حكاية تروى؛ إذ نصح الطلاب الذين تم اعتقالهم عام 1972 بأن يختار كل منهم نبيل الهلالي محاميًا عنه، ثم فوجئوا بأنه معتقل في زنزانة مجاورة. ليتغنى عنه الشاعر أحمد فؤاد نجم قائلًا "والقفص مليان ضحايا، والهلالي لما قام، قلّعوه روب المحامي، لبسوه توب الاتهام".
فضلًا عن المحاماة والسياسة ترك لنا نبيل الهلالي الذي رحل عن دنيانا في 18 يونيو/حزيران 2006، كتبًا مهمة، منها حرية الفكر والعقيدة.. تلك هي القضية، ويضم مرافعته، التي زاوجت بين القانون والسياسة، في قضية الحزب الشيوعي المصري عام 1981. والثاني بعنوان "اليسار الشيوعي المفترى عليه ولعبة خلط الأوراق"، وانبرى فيه للرد على من هاجموا الحركة الشيوعية المصرية.
عاش الهلالي حياة بسيطة، مكتب بسيط ومنزل بسيط، دون سيارة خاصة، مع زوجته ورفيقة دربة فاطمة زكي، ليضرب مثلًا في الاتساق بين ما يؤمن به وما يفعله.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.