تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
نبيل الهلالي

تجريد نبيل الهلالي من الشيوعية

منشور الأربعاء 8 تموز/يوليو 2026

نشرت الصحافة الإسبانية عام 2018 أخبارًا عن شراء بابلو إجليسياس، قائد حركة نستطيع اليسارية، وزوجته إيريني مونتيرو، القائدة في الحركة، التي سيعرفها العرب لاحقًا بسبب كوفيتها الفلسطينية، فيلا فاخرة بحديقة وحمام سباحة في أحد ضواحي الأغنياء بمدريد، عبر قرض بنكي.

كانت الضربة الأولى، وتلتها ضربات أخرى وأخطاء متتالية، أدت إلى فقدان قيادة حركة نستطيع وإجليسياس، تدريجيًا، قدرًا لا يستهان به من المصداقية. لتبدأ خسارة المؤيدين، والانتقال من موقع المنافسة على تشكيل الحكومة، لمجرد الوجود التمثيلي المحدود في البرلمان.

شراء فيلا فاخرة بقرض بنكي مشروع وقانوني، ولا يلام أحد بسببه. تمثلت الأزمة في أن هذا الفعل يتناقض مع مجمل الخطاب الدعائي، شديد الذاتية والتعالي، الذي اعتمده إجليسياس وقيادة الحركة في مواجهة خصومهم طيلة أعوام. راسمًا صورة لذاته تكاد تُقرّبه من لينين زعيم الثورة البلشفية، وأنه وزملاءه يفعلون ما لم يستطع أحد قبلهم من اليسار الإسباني فعله. بالإضافة إلى موقفهم السياسي "المبدئي"، السابق على شراء الفيلا، بمُعاداة نظام القروض البنكية لتمويل شراء المنازل والعقارات.

لا يمكن أن يعيش لينين في كمباوند للأغنياء. كنا نشعر بأن إجليسياس يكاد يقول ذلك في خطاباته. ولينين المقصود هنا هو إجليسياس نفسه، دائم الانتقاد للحياة المرفهة للسياسيين، مسميًا إياهم ليعايرهم بهذه الحياة فيما الشعب يمر بالأزمات المعيشية، متباهيًا بأنه ابن الحي الشعبي، والعائلة المنتمية للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، يتنقل مع الناس في المواصلات العامة، يحتك بهم في الشارع والمقهى. فأتى هذا الصعود الطبقي المفاجئ ليشكل صدمة فتحت أمام الجميع أبواب الهجوم عليه باعتباره كاذبًا ومدعيًا.

خيانة الطبقة والذهاب لنقيضها

بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل القائد الشيوعي والمحامي أحمد نبيل الهلالي، كتب المحامي الإسلامي منتصر الزيات متسائلًا أين أبنائه من المحامين اليساريين المدافعين عن الخصوم الإسلاميين، مثلما كان يفعل. لينفتح النقاش حول إرث الهلالي، وكيف لم يعد اليسار "هلاليًا"، إلى آخره، متضمنًا ردودًا على الزيات، وتذكيرًا له بممارسات التيار الإسلامي الاستبدادية التي أبعدت الكثيرين عنه، ومن ضمنهم محامو اليسار.

هو ابن أحمد نجيب الهلالي باشا آخر رئيس للوزارة قبل انقلاب يوليو 1952 لكنه تمرَّد مراهقًا سياسيًا وطبقيًا على أبيه وطبقته ونظامه السياسي

اللافت أن استدعاء نبيل الهلالي كنموذج يحدث من باب محدد؛ كمحامٍ حقوقي بالدرجة الأولى، ثم يساري، يدافع عن خصومه. في حين أن الأصل عند من كنا نخاطبه خارج التنظيم السري "حزب الشعب الاشتراكي المصري" بـ"أستاذ نبيل"، وداخله بـ"الزميل بشير"، هو أنه شيوعي قبل أن يكون محاميًا.

من الصعوبة أن ننزع عن الهلالي "الدسم الشيوعي" الذي ميَّز تاريخه بالكامل، ووضعه على الطرف الآخر نقيضًا في الاتساق مع لينين البرجوازي/بابلو إجليسياس، رغم أن الهلالي ولد وفي فمه ملعقة من الذهب، ولم يكن لأحد أن يلومه على اختيار الحياة الحلوة والمريحة بجانب الانتماء الماركسي، وهناك نماذج من هذا النوع.

الانتماء حقيقة للناس كان هو النقيض الذي جسَّده أستاذ نبيل خلال حياته كلها. فابن آخر رئيس للوزارة قبل انقلاب يوليو 1952، أحمد نجيب باشا الهلالي، تمرد مراهقًا، سياسيًا وطبقيًا، على أبيه وطبقته ونظامه السياسي، وارتبط بالحركة الشيوعية السرية منذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، ليعيش مثل الناس تمامًا. وحتى رحيله احتفظ بنمط حياة يوحي بأنه محامٍ متوسط الحال، ومناضل شيوعي، من أكثرهم صلة بالمناطق العمالية في حلوان وشبرا الخيمة والمحلة وكفر الدوار وغيرها.

ولأنه استطاع التنازل مبكرًا عن رفاهية العائلة الأرستقراطية، وعن مجمل المزايا التي كانت ستمنحه إياها، تمكَّن من فهم النوازع الإنسانية والضعف البشري. فاحتفظ بعلاقات طيبة مع الجميع، وكان من أكثر الناس تواضعًا وتعففًا عن البذاءة. لم يعاير أحدًا بشيء، ولم يهاجم أشخاصًا أبدًا، بل سياسات، وباستقامة شخصية لا تخدش مواقفه. حتى مرحه ونكتته الحاضرة، كانا تعبيرًا عن هذه السمات، وشكَّلا بعض ملامح جاذبيته العابرة للأجيال.

من جنازة نبيل الهلالي،  ميدان التحرير، 19 يونيو 2006

عرفت أستاذ نبيل على عدة مستويات مختلفة حتى وفاته، منذ أن رأيته للمرة الأولى عندما كنت طفلًا، على ناصية مظلمة في مدينة نصر، مطلع الثمانينيات، آتيًا لبيتنا للقاء أبي في جلسة منفردة لم أعرف مضمونها السياسي. وبصحبة أبي، رأيته للمرة الثانية والثالثة في مكتبه أولًا، ثم في قاعة كبيرة ومزدحمة في مؤتمر للمعارضة المصرية عام 1986 أو 1987.

لم يكن ممثلًا لأي حزب شرعي، لكنه اِعتُبر الرمز الأبرز لليسار المصري، وربما العربي، وكان له مكان ثابت على منصات المعارضة للحديث. ساد التوتر في ذلك المؤتمر، وضجيج من الشباب الجامعي الرافضين لبعض المتحدثين، والمتلهفين لسماع اثنين تحديدًا؛ القائد الناصري فريد عبد الكريم، فيقاطعون الكلمات ليهتفوا "عايزين نسمع صوت فريد". وبعده، يستغلون لحظات الصمت التي يتركها الهلالي بين فقرات خطابه، ليهتفوا "يا نبيل قول واتكلم.. خلَّي الناس منك تتعلم. يا هلالي قول علّمنا.. الرجعية مطلعة عيننا".

أيامها كان التنظيم الشيوعي السري الذي أسسه "الزميل بشير" مع يوسف درويش وميشيل كامل وطه سعد عثمان، يخطو خطواته الأولى في الانشقاق عن نهج رفعت السعيد المتحكم في الحزب الشيوعي المصري، والنازع للتحالف مع السلطة بحجج مختلفة من بينها أن مؤسسة الرئاسة، أي مبارك، مؤسسة وطنية يجب دعمها. فانعكس هذا التوتر على القاعة. وكان من ضمن هؤلاء الشباب الجامعيين الراحل سيد فتحي، الطالب الجامعي المنتمي للتنظيم الجديد، وأنشط أعضائه في الجامعات وقتها.

الحق من منظور شيوعي

هدأ التوتر مع مرور السنوات. وبدأ الشيوعيون، من خارج تيار رفعت السعيد السلطوي في حزبي الشيوعي المصري والتجمع، الحوار والتنسيق والعمل المشترك. لعب الدور الأساسي في هذه العملية أستاذ نبيل، والراحل عم يوسف درويش؛ الزميل "هاني" في حزب الشعب الاشتراكي المصري. كانت إحدى المحاولات في هذا السياق تأسيس مجلة البديل في النصف الأول من التسعينيات، على يد عبد الغفار شكر مع الهلالي. وكانت هيئة تحريرها تجتمع في مكتبه، وتضم ممثلين عن مختلف تيارات اليسار الشيوعي.

هذا المقال ليس شهادة عن علاقتي بالهلالي، ولكنه تشكيك في هذا الجانب البادي "حقوقي/جمعياتي" في استعادته. فمواقفه ومساره بعد حقبة الستينيات التي قضى أغلبها في السجون، كان امتدادًا لانتمائه الشيوعي الطبقي منذ الأربعينيات، وتعبيرًا عنه، وإن تعددت المحطات والأحزاب والتشكيلات، وتغيرت الأنظمة.

كان المحامي الكبير يعامل كل هؤلاء بندية، وعلى اعتبار أن المكتب بيتهم. ليس لأنه حقوقي، بل لأنه شيوعي

مكتب نبيل الهلالي في باب اللوق، الذي كان في الأصل مكتب أبيه، ثم مكتبه المشترك مع محامٍ وقائد شيوعي آخر، هو النوبي زكي مراد، تأسس وكأنه نواة لما يشبه هيئة شيوعية تعمل في المقام الأول على قضايا العمال والفلاحين، ثم قضايا الرأي. بمنهج قانوني لا ينفصل عما هو سياسي واجتماعي. وليس بالصيغة الحقوقية التي نعرفها اليوم وتدّعي التجرد من السياسة، وهو نفسه ما يفسر المرافعات السياسية للأستاذ نبيل أمام المحاكم.

ورثَت غرفة زكي مراد ابنته المحامية صفاء، وفي غرفة مجاورة سنجد سيد أبو زيد، وفي غرفة ثالثة رحمة رفعت من اليسار الجذري والحركة النقابية العمالية، وهناك طلاب الحقوق والمحامين المبتدئين من اليساريين المرحب بهم دائمًا في مكتب أستاذ نبيل، وربما بالغرفة الداخلية المنزوية هناك اجتماع تنظيمي سري سريع أو عاجل.

كان المحامي الكبير يعامل كل هؤلاء بندية، وعلى اعتبار أن المكتب بيتهم. ليس لأنه حقوقي، بل لأنه شيوعي. ورغم أنه من مؤسسي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وقبلها لجنة الحريات في نقابة المحامين، كان له موقف واضح في رفض التمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني التي بدأ في تأسيسها اليساريون في التسعينيات.

إنها المسألة التي كانت محل نقاش مفتوح وحاد في أوساط اليسار. وهي تفصيلة ضرورية ينبغي الانتباه إليها، كيلا يتصور القراء أنه مؤسس ما نراه الآن. فقبل ما نعرفه الآن أسس نبيل الهلالي، ومن قبله يوسف درويش وآخرون، ما نستطيع تسميته بالحركة الحقوقية الطبقية، نجد جذورها منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في مناطق العمال والفقراء. وكان منهجها العمل في مجال القانون والحريات من زاوية طبقية وشيوعية.

أحمد نبيل الهلالي في المحكمة مع أعضاء وأنصار "الحزب الشيوعي المصري" الذين أُحيلوا إلى المحاكمة العسكرية في عام 1978 في أعقاب انتفاضة يناير 1977.

لم يقتصر الأمر على مجرد الترافع عن "كل معتقلي الرأي المظلومين" أمام المحاكم، بالصيغة السطحية التي تحصره في صورة "حقوقي يساري"، ولكن علاقته بتيار الإسلام السياسي نفسها كانت محل خلاف آخر داخل الحركة الشيوعية وحزب الشعب، بين اتجاهين متعارضين، أولهما رافض لأي تعاون مع الإسلاميين أو السلطة، فيما أستاذ نبيل ولأسباب سياسية، وليست حقوقية، يرى أن التعاون ممكن في قضايا محددة. اتجاهان معاديان لتوجه رفعت السعيد المؤيد لقمع الإسلاميين، وبطريقة الدولة المباركية.

بداية من السبعينيات، يتحرك أستاذ نبيل بين مسكنه في مدينة نصر، ووسط البلد حيث مكتبه، والمحاكم والنيابات المختلفة. إنه المعلن، لكن هناك تحركات لا نعرف عنها في اجتماعات سرية تنظيمية في الحركة الشيوعية لم تتوقف خلال أكثر من ستة عقود، ولم تنقطع حتى والشيوعيين داخل السجن الطويل. وقبل كل الأماكن كان هناك شبرا الخيمة وحلوان، بين العمال، بين الطبقة التي انحاز إلى مصالحها قبل أي قيمة أخرى.

إنه المنهج، أو الأساس الذي جمعه بمن يقفون على أرضيته نفسها خلال النصف الثاني من حياته، بعد الخروج من معتقلات عبد الناصر؛ زكي مراد، يوسف درويش، الكاتب والمفكر ميشيل كامل، والقائد العمالي طه سعد عثمان، الذي ترك صفوف جماعة الإخوان المسلمين في الأربعينيات لينضم إلى الشيوعيين؛ إذ ذهب إلى بيت محاميه اليهودي الشيوعي يوسف درويش ليحلق ذقنه هناك، في إشهار رمزي لانتمائه الجديد.

رفض الملكية

أحمد نبيل الهلالي يشارك في مؤتمر للتضامن مع المحامي عبد الحارث مدني الذي اتهم عدد من المحامين وزارة الداخلية بقتله جراء التعذيب بعد القبض عليه عام 1994

الانحياز الطبقي والشيوعي هو ما حدد مسار أستاذ نبيل وشكل بوصلته. ولهذا نفسه لم يدافع عن قتلة فرج فودة من الإسلاميين على سبيل المثال. فلم يكن يدافع عن كل الإسلاميين، مثلما يوحي كلام منتصر الزيات. بل كان له موقف مبدئي في اختيار القضايا، وفي رفض الترافع عن المدنيين أمام المحاكم العسكرية حين بدأت سلطة مبارك نهج إحالة الإسلاميين إليها في التسعينيات، لنزع أي شرعية عن محاكمة المدنيين عسكريًا.

أثناء دعوى التفريق بين الدكتورة ابتهال يونس والدكتور الراحل نصر حامد أبو زيد عام 1993، عُقد اجتماع في مقر المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بالمنيل، للجنة الدفاع عنهما والمتضامنين معهما. اقترح الدكتور أبو زيد لتفنيد تهمة الكُفر، أن يذهب إلى جلسة المحاكمة لينطق بالشهادتين. بدا الحماس على وجوه البعض، وكأنهم وجدوا الحيلة التي تُبطل القضية.

أنهى أستاذ نبيل هذا الحماس سريعًا وبحسم. لكن بهدوء وابتسامة أقنعا الدكتور نصر أبو زيد، الذي كان مثله مؤمنًا بعمق بالحرية، بالحرية المطلقة، قائلًا إن هذا الفعل سيشجع الإسلاميين على ابتزازنا و"جرجرتنا" جميعًا للمحاكم كي ننطق بالشهادتين، وهو ما لا نقبله. مثلما لم يكن ليقبل السكن في فيلا، على الرغم من أنه سيكون مقبولًا، لم يكن له كشيوعي أن يقبل بالمساومة على حريته أو حريات الآخرين، في مواجهة السلطة أو الإسلاميين.

كان الانحياز الطبقي والفكري للزميل بشير، دون ادعاء، ودون تعالٍ أو مزايدة على الآخرين سمته الأساسية المميزة. وقناعاته الفكرية والأخلاقية فرضت عليه مبدأ رفض الملكية، ورفض أي نوع من التربح من قضايا العمال والفقراء والرأي والحريات. إنه هذا الاتساق الذي لا يتكرر كثيرًا، ولذلك سموه بـ"قديس اليسار"، الذي ينبغي السؤال عن إرثه خارج الحركة الحقوقية، التي نعتز بها ونحتاجها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.