"القفص مليان ضحايا" فمن يرتدي روب الهلالي؟
دافع عن المختلفين معه بقاعدة "الجميع له الحق في العدالة"
والقفص مليان ضحايا
والهلالي لما قام
قلّعوه روب المحامي
لبّسوه توب الاتهام
والنيابة ع الغلابة
طبّقت بند اللجام
يا سلاملم يا سلام
والوطن عايش آلام
وإلإذاعة مستباعة
قول يا عم الشيخ إمام
- أحمد فؤاد نجم
في ربيع 1994 أعلنت وزارة الداخلية وفاة المحامي والقيادي بالجماعة الإسلامية عبد الحارث مدني بعد نحو أسبوع من اعتقاله هو وعدد من المحامين من مكتبه. وقتها انفجرت موجاتٌ احتجاجيةٌ في نقابة المحامين، بدايةً بتنظيم إضراب عام ثم الدعوة لمسيرة كبرى إلى قصر عابدين مطالبةً بالكشف عن أسباب موت مدني، ومحاسبة المسؤولين عنه، مع إطلاق سراح المحامين المعتقلين.
في المؤتمر الذي سبق المسيرة إلى قصر عابدين، صعد محامٍ سبعينيٌّ إلى المنصة، وخطب في زملائه داعيًا إلى وحدة الصف في مواجهة التعذيب، لأنه "وحش نهم مفتوح الشهية على الدوام ولا ينتقي ضحاياه ولا يفرزهم وفقًا لانتمائهم السياسي". هتف له المحامون فقاطعهم مكملًا "بهذا المنطق حضرت إليكم اليوم أشارككم في هذا المؤتمر رغم أني محامٍ شيوعي.. بل لأني محامٍ شيوعي".
عدالة للجميع رغم أنف "التجمع"
لخصت هذه الخطبة جوهر موقف المحامي والقيادي في الحركة الشيوعية أحمد نبيل الهلالي بأن العدالة حق للجميع حتى وإن كان على النقيض سياسيًا وأيديولوجيًا، وهو ما خالف في ذاك الوقت موقف حزب التجمع الممثل "الرسمي" الأبرز لتيار اليسار تحت رئاسة السياسي الراحل رفعت السعيد بتأييد نهج الدولة الخارج عن القانون في التعامل مع الجماعات الإسلامية التي انتهجت العنف، فلم يعترض على القبض العشوائي ولا الإجراءات الاستثنائية مثل المحاكمات العسكرية، معتبرًا أن هذه الجماعات لا تفهم لغة الحوار السياسي، وأن السبيل الوحيد لمواجهتها هو فرض هيبة القانون وحماية المجتمع.
يتذكر المحامي الحقوقي ومدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد في حديثه لـالمنصة أن مواقف حزب التجمع في ذلك الوقت "جعلت سمعة اليسار في التسعينيات سيئة"، إلى أن جاء موقف الهلالي وعدد من المحامين اليساريين في قضية عبد الحارث مدني، ليُحسّنها بعض الشيء.
ورغم أن مكتب الهلالي كان مكتب محاماة لا مؤسسة حقوقية؛ فإن أدبياته شكَّلت بذرة الحركة الحقوقية المصرية، إذ يصفه المحامي الحقوقي محمد الحلو بـ"أول مؤسسة حقوقية"، مشيرًا لـ المنصة إلى أنه أرسى قواعد ما زالت تحكم عمل المنظمات والمحامين الحقوقيين، أبرزها الحق في العدالة رغم الاختلاف.
إلى جانب مكتبه، أسس أحمد نبيل الهلالي، مع ذكي مراد ومحمد فهيم، لجنة الدفاع عن الحريات في نقابة المحامين، التي مثّلت نواة مبكرة تفرعت عنها لاحقًا لجان ومراكز حقوقية في القاهرة والمحافظات. ومنذ تأسيسها، انخرطت اللجنة في الدفاع عن معتقلي الهبات الجماهيرية والطلابية التي توالت خلال السبعينيات، بالأخص في عام 1972.
بعد فض اعتصام الطلاب الذي طالب بخوض الحرب، وإلقاء القبض على عشرات القيادات الطلابية والعمالية والصحفية، أُودع المعتقلون في زنازين انفرادية، وراح بعضهم يبلغ الآخرين، عبر أبواب الزنازين، بضرورة التمسك بحقهم في حضور محامٍ أثناء التحقيق، وأن محاميهم هو نبيل الهلالي. لكن المفاجأة كانت حين اكتشفوا أن الهلالي نفسه معتقل معهم في السجن ذاته، في واقعة خلّدها أحمد فؤاد نجم في قصيدته الشهيرة "ع إللي حاصل في الحواصل"، التي تغنى بها رفيق دربه الشيخ إمام.
من يحمل إرث الهلالي
قُبيل الذكرى العشرين لوفاة الهلالي، انتقد محامي الجماعة الإسلامية منتصر الزيات في بوست على فيسبوك ما اعتبره انتقائية اليسار في الدفاع عن سجناء الرأي.
كتب الزيات؛ "اليسار والماركسة عاملين حملة للإفراج عن قامات مصرية تستحق المطالبة بالإفراج عنهم لكن في الوقت نفسه يبرزون نماذج دون غيرها، لذلك علينا أن نتولى أمرنا بأنفسنا"، وذكر واقعة قال إنها حدثت أثناء حبسه عام 2018 التقى فيها الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح "وعلمنا أن عبد الحكيم عبد الناصر وحمدين يتدخلون للإفراج عن عبد الحليم قنديل وتساءل إحنا ملناش حد.. يطالب بالإفراج عنا الوحيد تقريبًا كان جمال عيد اليساري".
أثار البوست جدلًا واسعًا، مع تذكير كثيرين من المحامين الذين اشتبكوا معه بالنقاش بدور اليسار قديمًا وحديثًا في تبني قضايا حرية الرأي والتعبير، ما دفع الزيات إلى كتابة بوست جديد تراجع فيه عن "التعميم" الوارد في البوست الأول، موضحًا أن الأدق كان القول إن "بعض" المحسوبين على التيار اليساري، "لأني لا يمكن أن أنسب هؤلاء إلى مدرسة رائدة عايشناها وخبرنا صدق توجهاتهم ونبل مشاعرهم وموضوعية أدائهم، طبعًا من قديس الحريات واليسار أحمد نبيل الهلالي وأحمد سيف حمد.."، مُعددًا محاميي اليسار من جيل الهلالي إلى جانب "المعاصرين الصديقين جمال عيد وخالد علي".
لكنَّ اتهامات الزيات، وإن تراجع عنها، أثارت تساؤلات حول إرث الهلالي والجيل الذي عمل معه أو تتلمذ على يديه أو سار على طريقه، خاصة وأن بعض مواقف المحسوبين على الحركة المدنية الديمقراطية تُشكّل امتدادًا لمواقف حزب التجمع في التسعينيات، وهي تدعو ليس فقط لمحاكمة المتورطين في جرائم العنف السياسي، وفق القانون، لكن أيضًا لنزع الحقوق الدستورية السياسية والاجتماعية عنهم.
لـ العدالة لا لـ الإسلاميين
ردًا على اتهامات الزيات، كتب المحامي طارق العوضي بوست على فيسبوك يُذكّره فيه بالترافع عنه أمام محكمة جنح السادات في قضية سب وقذف "ولم نسألك وقتها عن انتمائك الفكري أو السياسي".
هذه العدالة المتجردة في الدفاع عن المُتّهم دون النظر لانتمائه، الذي يعتبره المحامي الحقوقي محمد الحلو إرث الهلالي الذي لا يمكن لشخص واحد أن يحمله، أصبح أساس عمل المنظمات الحقوقية الحالية، إذ إن "إحدى أهم أدوات المؤسسات الحقوقية حاليًا تقديم الدعم القانوني من خلال المحامين العاملين بها".
ولا يتوقف هذا الدعم على المؤسسات الحقوقية فقط بل يمتد إلى مكاتب المحاماة الخاصة، فحسب المحامي الحقوقي خالد علي، يدافع كثير من المحامين اليساريين في مكاتبهم عن متهمين إسلاميين، لافتًا في حديثه مع المنصة إلى أنهم يتعاملون مع هذه القضايا بشكل قانوني بحت؛ "عندما تُعرض عليّ أي قضية أسأل نفسي هل هناك جريمة وقعت بالفعل.. وهل تمت جميع الإجراءات وفق صحيح القانون أم لا.. لكن لا يهمني أن أعرف ما هو الانتماء السياسي أو الديني للمتهم".
ويبدو هذا واضحًا على الأقل في قضايا شخصيات إسلامية معروفة، إذ انضم خالد علي إلى فريق الدفاع عن المرشح الرئاسي الأسبق ورئيس حزب مصر القوية عبد المنعم أبو الفتوح، كما يتولى الدفاع عن القيادي في جماعة الإخوان المسلمين والمتحدث الإعلامي السابق باسمها محمود غزلان ونجليه يحيى وياسر.
"أنا عندي كتير من القضايا السياسية وموجه للمتهمين فيها تهم انضمام لجماعة إرهابية أو الإخوان، وأنا شايف انهم ناس غلابة وبتطوع للدفاع عنهم"؛ يقول المحامي الحقوقي محمد رمضان لـ المنصة، مشددًا على أنه لا يمكن لمحامٍ يصف نفسه بأنه يساري أو حقوقي أن يرفض الدفاع عن متهم بسبب انتمائه الأيديولوجي؛ "لأن المحاماة هدفها الأسمى تحقيق العدالة والتأكد من سلامة إجراءات التقاضي".
يؤكد رمضان، المعروف بـ "محامي الغلابة" لتطوعه الدائم في القضايا السياسية والعمالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن من حق المحامي أن يحصل على أجر، "لكن أنا لما بشوف شخص مش معاه مبقدرش أطلب منه فلوس، وأغلب القضايا اللي عندي تطوع.. آه في ناس ممكن تدفع بس لما بحس أنهم يقدروا يدفعوا غير كده برفض أخد فلوس".
لا وجه للمقارنة
كثيرًا ما يواجه العاملون في مجال حقوق الإنسان اتهامات بأنهم يعملون وفق أجندات غربية تتعلق بقضايا محددة لا علاقة لها بالواقع المصري، وهو ما يرفضه المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات محمد لطفي، مؤكدًا لـ المنصة أنه لا علاقة للجهات المانحة للتمويل بالقضايا التي يدافعون عنها؛ "فالضحايا ضحايا أيًّا كانت خلفياتهم السياسية".
يشير لطفي إلى ما نظمته المفوضية من حملات تطالب بالعدالة للجميع، من بينها حملة الدكتور أحمد عماشة المؤسس المشارك لرابطة أسر المختفين قسريًا، وحملة أوقفوا الاختفاء القسري وغيرها من حملات تتعلق بالأوضاع داخل أماكن الاحتجاز، دون تمييز بين إسلاميين وغير إسلاميين.
كما تشارك منظمات حقوقية في حملات للإفراج عن المحبوسين احتياطيًا دون النظر إلى خلفياتهم السياسية أو الأيدلوجية، مثل حملات الإفراج عن المحامية هدى عبد المنعم، ومحمد القصاص وعبد المنعم أبو الفتوح، وكذلك الحملات المتعلقة بتحسين ظروف الحبس لكل المحبوسين، خاصة في سجن بدر الذي يضم عددًا واسعًا من الإسلاميين.
رغم هذا التشابه بين ما تقوم به المؤسسات الحقوقية والمحامون المحسوبون على اليسار مع إرث أحمد نبيل الهلالي، يرى خالد علي أن المقارنات لا تجوز "فلكل منهم تجربته الخاصة"، متحدثًا عن عدم إمكانية استنساخ الهلالي لأنه ابن فترته الزمنية وتجربته الخاصة فحتى أحمد سيف "اللي بيعتبره البعض يشبه الهلالي هو في الحقيقة ماكانش شبهه.. كل واحد منهم كانت له طريقته وتجربته الخاصة وإن اتفقت الأهداف".
لا يذهب جمال عيد بعيدًا عن هذا الرأي، مؤكدًا أن الهلالي كان حالة يصعب تكرارها على المستويات الإنسانية والمهنية والسياسية، واضعًا أيضًا اليسار في موقعه الحقيقي كتيار متعدد التوجهات، وهو مثل باقي القوى السياسية بل والمجتمع ككل أصيب بعد أحداث 2013 بـ"حالة الارتباك العنيفة [التي] أصابت المجتمع كله، وباعتبار اليسار جزء من المجتمع.. أصابه الارتباك ده".
وشهدت مصر انقسامًا حادًا في 2012 بعد سيطرة الإخوان على البرلمان والرئاسة، ثم تشكلت جبهة الإنقاذ لمعارضة حكمهم والمطالبة بانتخابات مبكرة. وفي 3 يوليو/تموز 2013 أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي عزل محمد مرسي وتعطيل الدستور وتعيين عدلي منصور رئيسًا مؤقتًا، قبل أن يفوز السيسي لاحقًا بالرئاسة، وسط انقسام المعارضة بين مؤيد لتحرك الجيش ورافض له.
هذه الحالة من الارتباك استمرت نحو ثلاث سنوات، حسب عيد، موضحًا أنه "بدءًا من عام 2016 أو 2017 مع الاستيقاظ النسبي أو الحراك النسبي بتاع تيران وصنافير، الناس رجعت تتمترس في مواقفها تاني، وأقدر أقول إن اليسار المبدئي.. رجع لموقفه تاني".
ومنذ الإطاحة بمرسي، شنت السلطات المصرية حملة أمنية واسعة على الإسلاميين، بالأخص من الإخوان، اتسمت بفض دموي للاعتصامات واعتقالات جماعية وإخفاء قسري وتعذيب ومحاكمات جماعية واستثنائية وأحكام بالإعدام في محاكمات طالت آلافًا من أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها.
قبل أشهر من وفاته، نظمت نقابة الصحفيين عام 2005 حفل تكريم للهلالي، ألقى فيه كلمة لخصت جوهر مبادئه التي تمسك بها على مدار حياته، ولعلها ما زالت صالحة إلى اليوم وإن مرَّ عقدان على إلقائها؛ "في مجال حقوق الإنسان لا مكان للانتقائية في المواقف والازدواجية في المكاييل. فهناك فقط موقف مبدئي واحد و أصيل هو الدفاع عن حقوق كل إنسان.. أي إنسان.. أيا كانت عقيدته الدينية أو اعتقاده السياسي أو منطلقه الأيديولوجي.. الدفاع عن الإنسان المجرد، وليس الإنسان المصنف الذي يشاركني الانتماء والتوجهات".
نطق الهلالي هذه الكلمات وكأنه يلقي وصيته ويغلق القوس على ما قاله في مؤتمر عبد الحارث مدني الذي قضت محكمة القضاء الإداري بعدها بـ13 عامًا في 2008 بتعويض أسرته بـ50 ألف جنيه، وهو أكبر مبلغ تعويضي يحصل عليه معتقل منتمٍ إلى الجماعة الإسلامية بحسب محاميه محيي الدين وارث.


