تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
ماذا بعد تصنيف الولايات المتحدة فروع الإخوان في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية؟

مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في عالم اجتثاث المقاومة

إما التآكل أو تحرير "الفكرة" من سجن "التنظيم"

منشور الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026

يمثل القرار الأمريكي الأخير بتصنيف فرعي جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO)، وفرع الجماعة في الأردن "منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص (SDGT)"، تحولًا نوعيًا في السياسة الأمريكية، يتجاوز العقوبات المالية التقليدية على هياكل الجماعة التنظيمية؛ إلى تبني "رؤية استئصالية" لأيديولوجياتها التي تعتبر واشنطن وتل أبيب أنها تُوفِّر بيئة حاضنة لمشروع المقاومة في المنطقة؛ في تماهٍ كلِّي مع رؤية محور "الاعتدال العربي".

وعملت الإمارات والسعودية ومصر لسنوات على بناء سردية تربط جماعة الإخوان بالإرهاب، وتدمجها في سلة واحدة مع تنظيمات مثل القاعدة وداعش، في مسار يتوَّجه القرار الأمريكي اليوم، مانحًا إسرائيل والأنظمة العربية غطاءً دوليًا لقمع أي نشاط للجماعة باعتباره "مكافحةً للإرهاب" لا قمعًا للمعارضة السياسية.

المدخل القانوني للسردية الأمريكية في هذا القرار هو "الدعم المادي"، فالإدارة الأمريكية تعتبر أن فروع الإخوان هذه شريان مالي لحركة حماس، التي تُعرِّفها واشنطن "أيديولوجيًا وهيكليًا" -وفق تقييم وزارة الخزانة لعام 2024- بأنها فرعٌ انشقَّ عن جماعة الإخوان المسلمين في أواخر الثمانينيات. هذا التعريف الذي يبدو تاريخيًا هو الأساس الذي صُنِّفت بناء عليه فروع الجماعة في دول الطوق المحيطة بإسرائيل تحديدًا؛ الأردن، مصر، لبنان، "منظمات إرهابية".

يرتكز القرار إذن على رغبة أمريكية-إسرائيلية في تجفيف البيئة التي تمد حماس بالدعم اللوجستي والمالي في أي مواجهة مقبلة، وقطع الطريق على أي محاولات لترميم قدرات المقاومة عبر هذه الفروع، استنادًا إلى الاتهام الحالي بأن الجماعة الأم لا تزال توفر الغطاء والموارد لفرعها المتمثل في حماس.

جدل في المنظومة الأمريكية 

ينطلق القرار الأمريكي من سردية أمنية إسرائيلية قدمها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، تقول إن"حماس ليست مجرد حركة قومية فلسطينية، بل هي جزء لا يتجزأ من شبكة الإخوان المسلمين الإقليمية" التي ترى في إسرائيل "عدوًا وجوديًا". ووفقًا لهذه الرؤية؛ فإن الخطر لا يقتصر على القدرات العسكرية، بل يشمل "المحضن الفكري" الذي توفره الجماعة الأم.

ويخلص التقدير الإسرائيلي إلى أن تَضرُّرَ شرعية حماس إقليميًا بعد 7 أكتوبر، يوفر فرصة يجب على إسرائيل اقتناصها لتعزيز تحالفاتها عبر "دعم الدول العربية في قمع فروع الإخوان المسلمين" كما حدث في مصر والأردن وتونس، باعتبار أن الجماعة تمثل "تهديدًا مشتركًا أكبر من الجيوش التقليدية"، ويجب تفكيكها لضرب جذور المقاومة لا فروعها فقط.

وتذهب تقديرات المعهد الإسرائيلي إلى أن "انهيار شرعية" حماس بالنسبة لبعض الأنظمة العربية يمثل "فرصة ذهبية" لإسرائيل لتعميق تحالفاتها الإقليمية بهدف استئصال الإخوان كليًا. وهو ما يصب مباشرة في مصلحة الأمن القومي الإسرائيلي من خلال هندسة بيئة إقليمية خالية من القوى التي تتبنى رفض وجود الدولة العبرية.

وفي تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى التابع لإيباك، يجادل الباحثان مايكل يكوبسون وماثيو ليفيت بضرورة تبني واشنطن استراتيجية ترتكز على الروابط التاريخية العميقة بين حماس وجماعة الإخوان، تُصنِّف الكيانات الإخوانية الممولة لحماس "إرهابيين عالميين"، بالتوازي مع إدراج الفروع المنخرطة في العنف، مثل "الجماعة الإسلامية" في لبنان، ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية.

لكنَّ هذه السردية ليست محل توافق في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأمريكية. فمثلًا ينفي مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، وجود أي دليل قوي أو جديد يثبت أن الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. ويصف في مقال تحليلي نُشر له في Foreign Policy عقب إعداد هذا القرار في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الأدلةَ التي استندت إليها إدارة ترامب بأنها "ضئيلة" وتمثّل "خطابًا تحريضيًا" من قادة الجماعة بعد 7 أكتوبر 2023، دون تقديم مبررات حقيقية.

ويشير لينش أن الدفع بهذا التصنيف هو "فكرة سيئة" روّج لها لسنوات اليمين الأمريكي وحلفاؤه في الشرق الأوسط، وخاصة الإمارات ومصر وإسرائيل، ورفضتها إدارات سابقة منها إدارة بوش الابن لأنها غير دقيقة وستقوض الديمقراطية.

أصداء القرار على أذرع الجماعة..

لن يؤثر القرار الأمريكي على واقع جماعة الإخوان داخل مصر، إلا بمدِّ غطاءٍ دوليٍّ لموقف الدولة من الجماعة التي حظرتها القاهرة منذ 2013 واعتقلت معظم قياداتها وكوادرها وصادرت أموالهم. لذا رحبت الخارجية المصرية بالقرار فور صدوره، واعتبرت في بيانها أنه "يعكس خطورة هذه الجماعة وأيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي".

أما في الأردن، فَعَكَس تصنيف واشنطن للجماعة "منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص" (SDGT) دون إدراجها كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) مقاربة أمريكية تركز على "الدور الوظيفي" للفرع كشريان مالي ولوجستي لحماس، بدلاً من كونه تهديدًا عسكريًا مباشرًا كما في الحالة اللبنانية.

يبدو هذا التصنيف أقل وطأة قانونيًا، لكنه رغم ذلك يحمل تداعيات وجودية للجماعة. وهو يهدف إلى تجفيف بنيتها التحتية المالية وشلّ شبكاتها الخيرية والاجتماعية، كما يمنح النظام الأردني الذي يدير علاقة معقدة ومتوترة مع الجماعة غطاءً دوليًا وذريعة قانونية لتسريع وتيرة "الخنق السياسي" وتفكيك ما تبقى من مؤسساتها ونقاباتها، مُنهيًا بذلك أي هامش للمناورة كانت تتيحه سياسة "غض الطرف" عن أنشطة الدعم والإسناد لغزة.

لكن في الحالة اللبنانية، اتخذت الإدارة الأمريكية المنحى الأكثر تشددًا بوضع "الجماعة الإسلامية" في القائمتين معًا. وهو الإجراء القانوني الأخطر الذي يضع الجماعة وأمينها العام محمد فوزي طقوش في نفس الخانة العقابية لحزب الله، متجاوزًا الفوارق الهيكلية والعسكرية الهائلة بين الطرفين.

ويعكس هذا القرار رغبة أمريكية في فرض "الردع الشامل" بعد انخراط "قوات الفجر"، الجناح العسكري للجماعة، في عمليات قتالية ضد الجيش الإسرائيلي على الحدود، حيث تسعى واشنطن عبر هذا التصنيف المزدوج إلى وأد أي محاولة لإحياء العمل المسلح السني، وحصار الجماعة سياسيًا وماليًا عبر معاملتها كتهديد عسكري مباشر لا يختلف في تصنيفه عن الفصائل المدعومة إيرانيًا.

.. وعلى تركيا والخليج

ورغم أن القرار لم يشمل تركيا، القاعدة الأساسية لقيادات الجماعة في الخارج؛ فمن المرجّح أن يشكّل تهديدًا وجوديًا للإخوان هناك، حيث يمنح أطرافًا إقليمية ودولية أدوات ضغط إضافية على الرئيس التركي. ويأتي ذلك في سياق تحولات لافتة تشهدها السياسة التركية منذ قمة العُلا عام 2021، ومع انطلاق مسار التقارب مع القاهرة، حيث بدأت أنقرة في اتخاذ خطوات فعلية تهدف إلى احتواء الهواجس المصرية، تمثلت في خفض حدة الخطاب الإعلامي للجماعة، وإغلاق عدد من منصاتها، إلى جانب تشديد شروط الإقامة على بعض أعضائها.

تعكس هذه الإجراءات لتكيّف تركيا مع مناخ إقليمي جديد يقوم على تفاهمات مشتركة أكثر صرامة، تَقلُّص هامش حركة الجماعة كأحد متطلبات الاندماج في النظام الإقليمي.

في المشهد الخليجي، يتفاوت صدى القرار الأمريكي بين احتفاء استراتيجي وتكيف براجماتي. تصدّرت الإمارات مشهد المرحبين، معتبرةً القرار تتويجًا لجهودها الدبلوماسية والاستخباراتية الممتدة في واشنطن وأوروبا، حيث قادت أبوظبي حملات ضغط عبر تمويل شركات استخبارات خاصة وشبكات علاقات عامة لربط جماعة الإخوان بالتطرف العنيف، وتحصد اليوم ثمار انتصار روايتها الأمنية.

أما السعودية، فيُمثل القرار دعمًا دوليًا لمسارها الذي يقوده ولي العهد محمد بن سلمان، والمستند إلى "أمننة" ملف الإخوان باعتبارهم "جذرًا للتطرف"، بهدف تفكيك إرث "الصحوة" وإعادة تشكيل المجال الديني والاجتماعي بما يخدم مشاريع التحديث. يوفر التصنيف الأمريكي شرعيةً إضافية لسياسات "الاجتثاث" الناعم لأي نفوذ أيديولوجي متبقٍ للجماعة.

في المقابل، يبدو التأثير المباشر على قطر محدودًا من الناحية الهيكلية، لغياب تنظيم رسمي للجماعة على أراضيها. إلا أن القرار يعزز مسار "التباعد الهادئ" الذي انتهجته الدوحة منذ قمة العُلا، حيث قامت بإبعاد عدد من قيادات الجماعة وتقييد أنشطتهم الإعلامية، وذلك في إطار استراتيجية التكيف مع الضغوط الإقليمية والحفاظ على التهدئة مع الرياض والقاهرة.

مستقبل الجماعة في العالم الجديد

يمر الشرق الأوسط بلحظة "إعادة تأسيس" تقودها هيمنة إسرائيلية بغطاء أمريكي، تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد. وفي هذا السياق لا يُقرأ القرار الأمريكي كإجراء عقابي معزول، بل كجزء من استراتيجية شاملة لتجفيف المنابع الفكرية والاجتماعية لأي حالة مقاومة أو ممانعة في المنطقة.

ويتقاطع هذا الضغط الخارجي مع استخدام أنظمة عربية "فزاعة الإخوان" لإحكام قبضتها الأمنية على المجال العام واجتثاث الأصوات المعارضة عمومًا، وأمام هذه التحديات الوجودية وحالة "الانقسام التنظيمي" التي تعاني منها الجماعة، تتحدد مسارات المستقبل في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

سيناريو التآكل الذاتي والتشظي

هذا السيناريو هو الامتداد الطبيعي للوضع الراهن، الذي تواجه فيه الجماعة مأزقًا بنيويًا يفاقمه الضغط الأمني.

يتميز هذا السيناريو بتعدد الرؤوس والولاءات واستمرار وتعمّق الحالة المصرية كنموذج، حيث لا ينقسم التنظيم عموديًا فحسب بل يتفتت إلى جبهات متناحرة تفتقد للمركزية القيادية والرؤية الموحدة، وصولاً إلى "الموت السريري" ودخول الجماعة في مرحلة الشيخوخة المستعصية.

ويرى أستاذ العلوم السياسي خليل العناني في كتابه الإخوان المسلمون في مصر: شيخوخة تصارع الزمن أن الجماعة في هذه المرحلة تفقد قدرتها على التجديد أو التأثير وتتحول إلى مجموعات منغلقة تعيش على إرث الماضي دون فاعلية في الحاضر، مما يُسهِّل عزلها وتصفية وجودها الاجتماعي والسياسي ببطء.

سيناريو التحوّر الهيكلي والتموضع القُطري

أما هذا السيناريو؛ فيُمثل محاولةً للنجاة عبر "جراحة استئصالية" للعلاقة بين التنظيم والفكرة، مُستلهمًا نماذج التكيف السياسي، مثل العدالة والتنمية في المغرب والحزب الإسلامي في العراق أو حتى التحولات البراجماتية لهيئة تحرير الشام في سوريا.

ويتضمن هذا المسار تفكيك "الأممية"، وحل الارتباط التنظيمي بين الفروع، وإنهاء وجود "التنظيم الدولي" لصالح كيانات وطنية بحتة تعمل وفق محددات الأمن القومي لكل دولة. بالإضافة إلى الفصل الوظيفي التام بين "الدعوي" و"الحزبي"، حيث قد يختفي اسم "الإخوان" لصالح لافتات سياسية مدنية بمرجعية محافظة تتخلص من أعباء الإرث التنظيمي وتهم الإرهاب.

سيناريو الراديكالية الانشقاقية

يعد هذا السيناريو "الناتج العرضي" لانسداد الأفق السياسي واشتداد الضغط الأمني. ويتمثل في رد الفعل العنيف نتيجة للتغوّل الإسرائيلي-الأمريكي وغياب أي قنوات للتعبير السلمي، مما قد يؤدي لانشقاق مجموعات شبابية رافضة لجمود القيادة، واتجاهها نحو العسكرة أو العمل السري العنيف.

في هذا السيناريو تظهر كيانات جديدة أكثر راديكالية لا ترتبط تنظيميًا بالإخوان ولكن تخرج من عباءتها الفكرية لمواجهة ما تعتبره تهديدًا وجوديًا للأمة الإسلامية، مما يعيد إنتاج دورات العنف ويمنح النظام الدولي مبررات جديدة للتدخل.

ضرورة المراجعة الوجودية

يُلقي الخلط المتعمد في القرار الأمريكي بين "الإخوان" كتيار سياسي و"حماس" كحركة تحرر وطني و"التنظيمات الجهادية" من جهة ثالثة، بالكرة في ملعب جماعة الإخوان المسلمين، فلم يعد التمسك بالشكل التنظيمي التقليدي الهرمي أو السري مجديًا في عصر المكاشفة الرقمية والهيمنة الأمنية.

ولعل الدرس المستفاد من تحولات تيارات أخرى هو أن الجمود يعني الفناء. لذا فإن المراجعة العميقة لتموضع الجماعة وربما اتخاذ قرار شجاع بحل التنظيم بشكله الحالي، قد يكون المخرج الوحيد ليس لإنقاذ الأفراد فحسب، بل لتحرير "الفكرة" من سجن "التنظيم"، ورفع الغطاء عن السياسات القمعية التي تتغذى على وجود هذا "البعبع" السياسي.