تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
جاسبر جيفرز قائد قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة

جاسبر جيفرز من لبنان إلى غزة.. نشَّار الخشب مُدير القتل "في هدوء"

منشور الاثنين 16 شباط/فبراير 2026

التحق الفتى جاسبر جيفرز بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا، أوائل التسعينيات، وهو لا يطمح سوى في العودة إلى منزل عائلته في مقاطعة جايلز بولاية فيرجينيا بعد التخرج لمساعدة العائلة في إدارة "منشرة أخشاب" صغيرة، إلا أن مسارًا آخر ارتسم أمامه.

في سنته الجامعية قبل الأخيرة، حصل الشاب المولود عام 1970 على منحةٍ للمشاركة في معسكر التدريب المتقدم لبرنامج تدريب ضباط الاحتياط بالجيش الأمريكي لمدة ستة أسابيع في قاعدة فورت براج بولاية نورث كارولينا، إذ نصحه أحد مدربي البرنامج بالالتحاق بسلاح المشاة، قائلًا "أعتقد أنك قائد من هذا النوع". 

اليوم، مر نحو 30 عامًا على مخطط جيفرز لمستقبله المهني، لكنه لم يعد إلى قريته ولم يعمل في ورشة نشر الأخشاب، بل أصبح أحد أبرز جنرالات الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط بدوره في الإشراف على وقف إطلاق النار في لبنان ثم في قطاع غزة.

بدأ اسم الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، ضابط العمليات الخاصة، يتردد بقوة بعدما كُلف بالإشراف العسكري على تجربة وقف إطلاق النار في لبنان. ثم اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له في 16 يناير/كانون الثاني الماضي ليكون قائدًا لقوة الاستقرار الدولية في غزة.

بدأ مسيرته عام 1997 وشارك في حربي العراق وأفغانستان والحرب على داعش في سوريا

ومع مهمته الجديدة برز سؤالٌ مركزيٌّ حول ما إذا كان نموذج "الضبط العملياتي" اللبناني سيُنقل كما هو إلى غزة لتنظيم "العنف" تحت سقف مقبول دوليًا، أم سيُنتج تفويضًا يسمح لإسرائيل بهامش فعل مفتوح ومنخفض الضجيج، خاصة وأن تجربته في لبنان شهدت آلاف الخروقات الإسرائيلية وتأخيرات الانسحاب وسقوط ضحايا مدنيين، دون فرض عقوبات ملموسة.

الخلفية العسكرية

ترسم الخلفية العسكرية لجيفرز صورة مستقبل منصبه في قطاع غزة الذي لم يبرأ بعد من حرب الإبادة الواسعة على مدار العامين الماضيين، فهو ضابط مشاة أمريكي بدأ مسيرته في الجيش عام 1997، وتدرج لاحقًا في وحدات الرينجر والمظليين والعمليات الخاصة النوعية، قبل انضمامه إلى قيادة العمليات الخاصة المركزية، ليخدم في هيئة الأركان المشتركة نائبَ مدير للعمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب.

في يوليو/تموز 2024 ترقى إلى رتبة لواء وتسلم قيادة العمليات الخاصة التابعة للقيادة المركزية للولايات المتحدة "سنتكوم"، وأصبح المسؤول عن الغرفة التي تُدار فيها النزاعات التي لا ترغب واشنطن في تسميتها حروبًا.

تعرف جيفرز إلى الشرق الأوسط مبكرًا إذ شارك في الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، وكان وقتها ضابطًا شابًا ضمن وحدات الرينجر، وعمل قائد سرية وضابط عمليات جوية في الكتيبة الثانية من الفوج 75.

بعد ذلك انتقل من لغة الحرب الصفرية في العراق إلى إدارة الانسحابات وإنتاج التقديرات الأمنية في أفغانستان عام 2010 مع تحول وظيفته من إطلاق النار إلى إنتاج التقدير، ومن السيطرة على الأرض إلى مراقبة الشركاء المحليين، وفي هذا السياق عمل مستشارًا قياديًا، يربط الأمن بإعادة الإعمار.

ما بين عامي 2016 و2019، عاد جيفرز إلى الجبهة العراقية السورية عبر مدخل مختلف في المعنى والدور، حيث جرى التعامل مع خطر عودة التنظيمات المسلحة عبر ترتيبات أمنية مع قوى محلية، وتنسيق عملياتي، وإدارة برامج التدريب، وإدارة توتر طويل النفس، ضمن مسار راكم خبرة مركبة تعززت بتوليه القيادة الميدانية للعملية التي انتهت بمقتل أبو بكر البغدادي في سوريا عام 2018. تجربة تسعى الولايات المتحدة إلى استثمارها كنموذج تشغيلي في مقاربة جيوب المقاومة والفصائل المسلحة داخل غزة.

الاختبار الأول لجيفرز

مع 2024 بدا أن جيفرز نضج بما يكفي، وبات مؤهلًا لما هو أكبر، إذ وصل إلى بيروت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني رئيسًا مشاركًا لـ"لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية"، التي أُعلن عنها عشية وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وشارك فيها لبنان وإسرائيل وأمريكا وفرنسا وقوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان "يونيفيل".

خلال إشرافه على الهدنة في جنوب لبنان توثّق ما يزيد على 10 آلاف خرق جوي وبري إسرائيلي

حسب المعلن وقتها ترعى هذه اللجنة عملية تحقيق وقف إطلاق النار وتشرف على وضع القرار الأممي 1701 الصادر بعد حرب يونيو/حزيران 2006 موضع التنفيذ ومساعدة الجيش اللبناني على الانتشار مجددًا في منطقة جنوب الليطاني ومصادرة كل سلاح "غير شرعي" والإشراف على انسحاب إسرائيل من جميع المناطق التي احتلها في الحرب الأخيرة.

ورغم ما بدا أنه تشكيل منضبط ومحايد برئاسة جيفرز فإن الواقع يشير إلى أن هذه اللجنة ما هي إلا آلية صُممت للمراقبة لا للمساءلة؛ تقوم على المراقبة، والتنسيق، والبتّ في الخروقات، لا على فرض الردع.

يعني هذا أنها لجنة للإشراف على هدنة تعمل رغم انتهاكها، ونظام استقرار يستمر عبر إدارة التوتر، ويؤسس نمطًا لنظام يعرف كيف يبقى الصراع نشطًا تحت العتبة، مضبوط الإيقاع، وقابلًا للإدارة من دون انفجار شامل، ومن دون إغلاق نهائي للمشهد، ما جعلها أقرب إلى نظام إدارة تهدئة مستدامة.

على الأرض، تهاوى الإطار النظري سريعًا تحت ضغط الوقائع المتراكمة، فمنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، جرى توثيق ما يزيد على 10 آلاف خرق جوي وبري للقرار 1701، شملت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا واستهدافًا مباشرًا لمناطق مدنية، وفق تقارير قوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل" التي وصفت الاستقرار في الجنوب بالهش، محذّرةً من أن استهداف دورياتها والغارات المتكررة يقوّضان جهود تثبيت الهدنة.

ومع تجاوز الموعد المفترض لاكتمال الانسحاب وأثناء محاولة بعض اللبنانيين العودة إلى قراهم في الجنوب ما بعد الهدنة سقط 26 مدنيًا لبنانيًا وأصيب 221 آخرون ما دفع لبنان إلى تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن، بينما تشير بيانات وزارة الصحة والجهات الرسمية إلى حصيلة بلغت 335 قتيلًا ونحو ألف جريح خلال عام كامل من الهدنة.

مقاربة لبنان وغزة

هنا ظهر جيفرز بوصفه نقطة ارتكاز في نمط تنفيذي أثبت أن الأرقام وحدها لا تُنتج ردعًا ولا تصوغ أي تحرك أو تنديد دولي، إذ تحولت الخروقات المتراكمة إلى مسار مستدام بفعل غياب أي آلية عقابية فعالة. وأدى غياب العقوبات وتمديد المهل الزمنية لتحويل الخروقات إلى نمط اعتيادي، ضمن إدارة ترصد ولا تحاسب، وتوثّق دون إعادة ضبط، ما أفضى إلى بيئة التزام غير متكافئة يظهر فيها طرف مثقل بالقيود، وطرف آخر يعمل بهامش أوسع بلا تكلفة، في صورة تعكس هندسة تنفيذية تجعل الاختلال حالة طبيعية قابلة للإدارة والاستمرار.

تبدأ مقاربة غزة من نقطة لا تسمح لها بالظهور كملف منفصل عن التجارب السابقة مع مناقشتها في هذه الحالة بوصفها مساحة قابلة للاستنساخ لمسار أُنجز حديثًا في لبنان؛ نموذج من الممكن أن يكون جاهزًا للنقل، حيث يُعاد تدوير آلية وقف إطلاق النار نفسها ضمن سياق أكثر تعقيدًا، من دون إعادة مساءلة شروطها.

يظهر الحديث عن قوة استقرار دولية أو آلية إشراف متعددة الأطراف في غزة باعتباره انتقالًا شبه مباشر لنموذج إداري أمني جرى تطبيقه شمالًا، ليطرح السؤال الأعمق والأكثر قلقًا حول هوية مدير الهدوء ومنطق الضبط ومعادلة ميزان القوة حيث يُستحضر لبنان نموذجًا اختباريًّا سابقًا وتندفع غزة باتجاه شبه إعادة إنتاج نفس الآلية بنفس القائد ضمن سياق إقليمي.

على أي حال لا يمكن اعتبار جيفرز محايدًا في أي صراع مع إسرائيل، إذ تعرفه تقارير صحفية إسرائيلية بأنه شخصية مألوفة في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، وله شبكة علاقات مهنية واسعة بناها مع الجيش الإسرائيلي خلال عمله على ملف لبنان.

وأظهرت تقارير تحليلية أخرى أن تل أبيب تعاملت مع طرح اسمه لقيادة قوة الاستقرار الدولية في غزة باعتباره رهانًا أمريكيًا موثوقًا، في إطار مقاربة أمنية ترى في تجربته السابقة وقدرته على إدارة الترتيبات الميدانية بالتنسيق عنصرًا مساعدًا في الدفع نحو هدف تعتبره إسرائيل مركزيًا في المرحلة المقبلة، والمتمثل في نزع سلاح حركة حماس.

يشير هذا الوضع إلى نمط إدارة يعتمد المراقبة المستمرة بوصفها غاية بحد ذاتها، في صورة توازن غير متكافئ بين الالتزام المعلن والقدرة الفعلية على فرضه، بما يجعل نقل النموذج اللبناني مسألة تتجاوز الشخص إلى منطق التشغيل ذاته، وجيفرز داخل هذا الإطار ليس ابتكارًا سياسيًا، إنما قناة تمرير نموذج مُختبَر تأكدت نتائجه الوظيفية؛ نموذج يقوم على انضباط كامل من طرف واحد، ويتيح للطرف الآخر نطاق خرق واسع ومُنظّم يرسّخ أسبقيته البنيوية الدائمة.

تزداد خطورة هذا النموذج في غزة عن الجنوب اللبناني في اختلاف السياق البنيوي، فالقطاع يفتقر للسيادة السياسية والعمق المؤسسي، مما يجعل المدنيين مكشوفين أمام أدوات عسكرية بلا حدود وخارج أي سقف ضابط.

يبقى السؤال حول ما إذا كان حضور جيفرز سيُقدم غطاءً شرعيًا لنقل الصيغة الإجرائية اللبنانية كإعادة تدوير مؤسسي، أم أن تعقيدات ساحة غزة ستفرض مسارًا مغايرًا يعيد هندسة الآلية استجابة لضغوط ميدان أشد هشاشة وأقل انسجامًا مع متطلبات التسويق الدولي للعنف المنظم.