ثلاثةٌ من أوجه المساواة الغائبة في سوق العمل
في ظل أوضاع اقتصادية بالغة السوء يبدو أنها ستستمر؛ تصدرت قضية الأجور والحريات النقابية مطالب الحركة العمالية وعددٍ من الأحزاب خلال احتفالات عيد العمال الشهر الماضي، وهي مطالب عادلة وتعبر عن شرائح كبيرة من الشعب. لكنَّ بُعدًا عامًا غاب عن هذه المناقشات التي يجب أن تظل مطروحة طوال العام؛ وهو المساواة في سوق وبيئة العمل.
المساواة ركيزة أساسية لأي تحرك جاد نحو توفير حماية قانونية واجتماعية للعمال، خصوصًا مع تصاعد وتيرة الانتهاكات والتمييز بحقهم في السنوات الأخيرة من قبل أجهزة الدولة الرسمية، وبغطاء قانوني أو إداري غير دستوري، حتى أصبحت أوضاعهم أكثر هشاشة وضعفًا.
تتجلى أوجه التمييز كما تحددها منظمة العمل الدولية في غياب تكافؤ فرص الحصول على العمل، وتضاؤل إمكانية التطور الوظيفي، وعدم المساواة في الأجر عن نفس العمل، وفي الترقي، والحماية الاجتماعية.
ووفق البنك الدولي بسياساته النيوليبرالية، لا يمكن تحقيق الهدف الأول للتنمية المستدامة، بالقضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030، دون الحد من أوجه عدم المساواة داخل البلدان، لا سيما ذات معدلات الفقر الكبيرة.
وتؤثر سوق العمل وأماكنه وطبيعته، سواء كان عملًا حرًا أو بأجرٍ، على معايير تكافؤ الفرص والمساواة في الدخل والمعاملة. فبدون فرص عمل وأجور سينهار المصدر الرئيسي لدخل معظم الأسر. وبدون تكافؤ الفرص والمعاملة العادلة لن تتحقق المساواة بين الجنسين ولا مبادئ الإنصاف بين فئات المجتمع. وبدون سد الثغرات القائمة في الضمان الاجتماعي، لن تتوفر الحماية الاجتماعية للجميع.
ومن بين أشكال انعدام المساواة الكثيرة في سوق العمل المصرية؛ أتناول هنا ثلاثةً تتسبب فيها الحكومة. ليس فقط بتجاهلها تلبية مطالب المواطنين العادلة، بل أيضًا عبر ممارسات تعبث في الأسس الراسخة للالتحاق بالعمل في مؤسسات الدولة. بما يرسّخ غياب ضمانات الحماية الاجتماعية، ويدفع قطاعات من المواطنين إلى دائرة الفقر.
الإعدام الوظيفي
يرتبط أول وجوه هذه الانتهاكات الجسيمة بقضية الفصل الفوري من العمل عقب تحليل مخدرات إيجابي، أو ما يمكن أن نُسمّيه "الإعدام الوظيفي". تُجرى هذه الاختبارات استنادًا إلى القانون 73 لعام 2021، الذي يتضمن إخلالًا واضحًا بالحق في العمل، عن طريق إضافة شروط غير منصوص عليها دستوريًا وإجبار العاملين على الوفاء بها.
كما لا يضمن القانونُ حقوقَ العمال في الشكوى وتلقي العلاج، ناهيك عن عدم دقة التحاليل في أحيان كثيرة بعضها بفعل أثر تداخل الأدوية على إيجابية العينة. والأهم، أنه يتجاهل مبدأ تدرج العقوبة دون تمييز بين التعاطي العرضي والإدمان، ويمكن وفق بنوده فصلَ عاملٍ تعاطى سيجارةً أو قرصًا قبل عدة أيام.
قد يبدو للبعض أن هذه القضية لا تشكّل أولوية، وقد يرى آخرون أن مَن يترك نفسه مرةً للمخدرات يتحمل نتيجة خياره، لكنَّ هذا الاستنتاجَ ظالمٌ وغيرٌ دقيق. فبخلاف أن انتهاك الدستور حدث جَلل في حد ذاته؛ فإن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذا القانون على حياة آلاف الأسر التي افتقرت إلى مصادر الدخل والحماية، تتطلب تدخلًا تشريعيًا عاجلًا لإلغائه.
فبدلًا من فصل العمال الذين تعكس نتائج اختباراتهم تعاطيًا للمخدرات، يجب تشجيعهم على المشاركة في برنامج استشاري أو علاجي مع تمكينهم من البقاء في العمل، حيث تؤدي معاملة الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات معاملة اﻟﻤﺠرمين إلى نتائج عكسية من منظور الحق في الصحة.
ويُفترض أن تنظر هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا في 14 يونيو/حزيران الجاري، دعوى عدم دستورية القانون، كما قدم عدد من أعضاء مجلس النواب خلال الفترة الأخيرة طلبات إحاطة عن الأخطاء في تطبيق القانون والتداعيات الاجتماعية له، وهي جهود ينبغي أن تلفت أنظار المسؤولين لسرعة التدخل، مع النظر في وضع ضحايا القانون الذين شُردوا بسببه.
الفجوة بين الجنسين
وجهٌ ثانٍ يرتبطُ بوزارة العمل هذه المرة؛ القرار الذي أصدرته الوزارة بحظر عمل النساء بالخارج في طائفة من المهن، من بينها الضيافة والمقاهي والكافيهات وأعمال الرعاية المنزلية والتدبير والطهي والمساعدة الشخصية والتمريض المنزلي، يمثل تمييزًا صريحًا ضد المرأة وانتهاكًا لحقّيها في العمل والتنقل، بالإضافة إلى فلسفة القرار وصياغاته الذكورية، والتلميحات والإساءات المستترة التي يحملها ضد العاملات في هذه المهن.
يُقصد بالمساواة بين الجنسين في العمل، تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة والأجر عن العمل المتساوي
يعد هذا القرار واحدًا من أشكال متعددة ومتجذرة من انعدام المساواة بين الجنسين في سوق العمل، ترتبط أغلبها بالصورة النمطية الراسخة عن المرأة في المجتمع، وقيمة عملها، ومكانتها في سوق العمل، أخذًا في الاعتبار أن النساء والفتيات ما زلن يُؤدين الجزء الأكبر من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر.
وفي هذا السياق، يُقصد بالمساواة بين الجنسين وفقًا لمنظمة العمل الدولية، ضمان تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة والأجر عن نفس العمل، والوصول المتساوي إلى بيئة عمل آمنة وصحية وضمان اجتماعي، والمساواة في الحريات النقابية والمفاوضة الجماعية والترقي، والمشاركة المتساوية في اتخاذ القرارات.
وتقل نسبة النساء في سوق العمل المصرية عمومًا بالمقارنة بالرجال، لكنَّ المثير للدهشة والقلق أن هذه النسبة المنخفضة تتراجع شيئًا فشيئًا، إذ سجلت 17.9% عام 2023 مقابل 23.7% في 2014، ما يعكس استمرار اختلال التوازن بين الجنسين في التوظيف.
اختبارات اللياقة والرشاقة
أما ثالث الأوجه فيتعلق بـاختبارات اللياقة البدنية والصحية وكشف الهيئة التي تُعقد قبل إتمام أوراق الالتحاق ببعض الوزارات والهيئات الحكومية، دون أن تكون لها علاقة بطبيعة العمل. تمثّل هذه الإجراءات نموذجًا لتغيّر نمط تولي الوظائف العامة، وتعكس تمييزًا متعدد الأوجه، وافتئاتًا على أدوار المؤسسات الحكومية المختصة.
تناولتُ هذه القضية من قبل في مقال "لا تكن بدينًا.. شرعنة التمييز في تعيينات الحكومة"، باعتبار أن المساواة هي المفتاح الرئيسي لتمتع الإنسان بجميع حقوقه الأخرى، وإهدارها عند تولي الوظائف العامة يهدد بقية الحقوق والحريات الأخرى التي ينبغي أن يتساوى فيها المواطنون.
إذا كان شهر مايو/أيار من كل عام مناسبة للتذكير بنضال ومكتسبات الحركة العمالية طوال قرون مضت؛ فمن الضروري أيضًا إجراء مراجعة جادة لواقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وسبل الحماية المكفولة للعمال، المفترض اعتمادها على العدالة والمساواة، خصوصًا في ظل قانون عمل نزع عن العمال قدرتهم التفاوضية على حقوقهم ووضعهم أمام سوق تسمح باستبدالهم، في ظل أدوات رقابة ضعيفة لا تضمن حتى التزام المؤسسات بتطبيق الحد الأدنى للأجور، رغم عدم كفايته لاحتياجات المعيشة.
دور الدولة في ضمان عدم التمييز ليس ترفًا، إنما التزام دستوري وقانوني قطعته على نفسها عندما صدّقت على اتفاقية إنهاء أي تمييز في مجال الاستخدام والمهنة "على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو غيرها من الأسس التي تؤدي إلى إبطال أو إضعاف تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص أو المساواة في المعاملة"، ما يُلقي على عاتقها وضع وتطبيق سياسة وطنية تهدف إلى تحقيق المساواة بغية القضاء على أي تمييز في هذا المجال.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
