العاملات المصريات في بيوت الخليج.. تصدير انتهى إلى حظر
في 2009، قررت وزارة القوى العاملة والهجرة التعاقد على سفر 500 عاملة مصرية للعمل عاملات نظافة في المدارس. حينها رأى النائب مصطفى بكري في ذلك "إهانةً تكشف عن ضعف الحكومة وفشلها". وفي سؤال برلماني، حذر من "تعريض مستقبل هؤلاء الفتيات والنساء للضياع الاجتماعي". لكن رغم ذلك مرت الصفقة بدعوى توفير فرص عمل للنساء، خاصة في ظل توقف التعيينات الحكومية وقتها.
اليومَ يتبدَّل المشهد تمامًا؛ فقد أصدرت الوزارة ذاتها، التي أصبح اسمها "العمل"، قرارًا بحظر عمل العاملات المصريات في مهن الأعمال المنزلية وأعمال المقاهي والكافيهات بدعوى الحفاظ على كرامتهن وحمايتهن من الاستغلال والاتجار بالبشر. ليَلقَى القرار هجومًا مُعاكسًا لما لقيته صفقة 2009 في ظل ما يتسم به من ضبابية وغياب خطة واضحة لتنفيذه، نظرًا لانعدام تواصل السفارات والقنصليات المصرية بالعاملين في الخارج.
الوجهة الأولى للعمالة
تعمل فاطمة محمد، التي يبلغ عمرها 33 سنةً، عاملةً منزليةً في السعودية منذ 5 أعوام اختبرت خلالها السيئ والجيد؛ "أول بيت اشتغلت فيه كان صدمة، ماكانوش بيحترموني، وما طوّلتش عندهم لأنهم طردوني"، تقول لـ المنصة عبر الماسنجر.
"البيت التاني، كان الوضع أحسن شوية، بس كنت محرومة من أبسط حقوقي: مفيش إجازات، مفيش زيارات لأهلي، بس شغل متواصل وصمت طويل"، تتحدث ابنة محافظة الشرقية، الحاصلة على دبلوم التجارة، التي لم يسبق لها العمل في مصر عن ظروف العمل في إحدى المهن المحظورة الآن وفق قرار وزارة العمل، وهي لا تعرف ماذا تخبئه لها الأيام المقبلة، بالأخص وأنها لا تملك رفاهية ترك العمل والتخلي عن مسؤولية رعاية والدتها المريضة وأختها الصغيرة.
مثل فاطمة، فوجئت حسنية أحمد بالقرار وتستنكره؛ "هي الدولة هتفرض وصايتها على سلوك المصريات في الخارج؟ طيب لو كده توفرلنا بديل بمقابل محترم".
تعمل حسنية، البالغة من العمر 46 عامًا، من محافظة المنوفية، والحاصلة على دبلوم معهد تمريض، في مجال التمريض المنزلي بالمملكة العربية السعودية منذ خمس سنوات، عندما أرسل زوجها الذي كان يعمل في السعودية دعوة لها لأداء العمرة، و"هناك حد قاله إن فيه حد بيدور على ممرضة منزلية لرعاية واحدة سعودية"، كما تقول لـ المنصة.
من وقتها بدأت رحلة عمل حسنية في مجال التمريض المنزلي، حيث قننت وضعها عبر وزارة العمل المصرية، وحصلت على تصريح مزاولة المهنة لمدة عام، يتم تجديده سنويا ولا تزال تعمل حتى الآن، لتفاجأ مثلها مثل غيرها بقرار حظر عمل العاملات المصريات في مهن الأعمال المنزلية.
وتستحوذ الدول العربية على النسبة الأكبر من العمالة المصرية بالخارج، وتأتي السعودية في المقدمة إذ تستضيف نحو 3.5 مليون مصري، ما يمثل حوالي 52% من إجمالي تصاريح العمل الصادرة في عام 2017 ويليها في المرتبة الثانية الأردن، حيث يعمل بها نحو 1.25 مليون مصري، وبعدها الإمارات بأقل قليلًا من مليون مصري، فيما تُقدّر أعداد العاملين بالكويت بنحو 700 ألف، ما يجعلهم يشكلون نسبة 21.8% من إجمالي العمالة في البلاد، وأخيرًا تستضيف قطر نحو ربع مليون عامل مصري. ولا توضح هذه الإحصائيات أعداد النساء من بين إجمالي العاملين في كل بلد.
تتركز مجالات عمل العاملات المصريات في الخليج بشكل أساسي في قطاعات حيوية، أبرزها التمريض والخدمات الصحية، إلى جانب التعليم، فضلًا عن الوظائف الإدارية والمكتبية. كما تشارك بعضهن في قطاع الخدمات، بما في ذلك العمل المنزلي الذي يُعد من أكثر القطاعات عرضة للهشاشة حسب ما تشير منظمة العمل الدولية، نظرًا لخصوصية بيئة العمل داخل المنازل، وارتباط بعض العاملات بأنظمة تعاقدية قد تحد من حريتهن في تغيير جهة العمل أو الإبلاغ عن الانتهاكات.
تمييز ضد النساء
القرار الذي أثار خوف العاملات في الخارج من انقطاع أرزاقهن، وعدم توفر أعمال بديلة تستوعبهن سواء في الخارج أو الداخل في ظل الغلاء وتضاعف تكاليف الحياة، استدعى حملة انتقادت حقوقية، وطالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بإلغائه لتعارضه مع حقوق المصريات الأساسية في العمل والتنقل.
عللت المفوضية سبب رفضها للقرار، في بيان لها تلا صدوره بأنه يتضمن تمييزًا ضد النساء؛ "فبينما تؤدي السياسات الاقتصادية غير الرشيدة إلى خنق فرص العمل في الداخل للنساء، تلاحقهن الدولة بالحظر والاشتراطات التمييزية عند سعيهن لتحسين ظروف حياتهن وحياة أسرهن بالعمل في الخارج".
بعض الدول على رأسها الفلبين اتخذت إجراءات متعددة لحماية عاملاتها في دول الخليج
مع توضيح البيان للظروف المحيطة بالنساء المعنيات بالقرار، اعتبر أن "هذا التمييز المركب ضد النساء يستهدف بشكل خاص النساء اللاتي في أحيان كثيرة لم يحصلن على فرص التعليم العالي ويعملن في مهن أغلبها في القطاع غير الرسمي في مصر، بل وبعضها، تلك التي تستدعي العمل في منزل صاحب العمل، تقع خارج منظومة حماية العمل المتاحة لكل العاملين بأجر في مصر سواهن".
بينما سألت الدكتورة ولاء إسماعيل مؤسِّسة مبادرة أمهات في الغربة عن جدوى هذا القرار فى ظل وضع اقتصادي صعب يحيط بالمرأة المصرية بالأخص التي تحظى بقدر قليل من التعليم والخبرة وتسعى إلى كسب رزقها عن طريق قطع آلاف الأميال.
تساءلت أيضًا عما إذا كانت الدولة قد وضعت حلولًا بديلة قبل إصدار القرار، مثل توفير دعم مالي للأسر المتضررة، خاصة في ظل الإعلان المفاجئ عنه، وأكدت لـ المنصة أنه لم يخضع للدراسة الكافية وصدر بشكل مفاجئ "بين يوم وليلة"، رغم أنه من المفترض لأن يعرض على الجهات المعنية، على رأسها مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
تحذر مُؤسسة "أمهات في الغربة" من أنَّ القرار قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ "فبدلًا من حماية العاملات، قد يعرضهن لمزيد من الاستغلال، حيث ستلجأ بعضهن إلى التحايل على القرار بطرق مختلفة، مما يمنح الكفيل فرصة لاستغلالهن بشكل أسوأ".
وتشير إلى أن "القنصليات والسفارات المصرية في الخارج لم تنجح حتى الآن في حماية هذه الفئة من الاستغلال أو تقديم الدعم النفسي اللازم لهن"، مرجعة ذلك إلى غياب قنوات تواصل فعالة بين العاملات والبعثات الدبلوماسية، في حين أنَّ بعض الدول، على رأسها الفلبين، اتخذت إجراءات متعددة لحماية عاملاتها في دول الخليج، من خلال تعزيز التواصل مع البعثات الدبلوماسية والقنصليات.
قرارٌ متأخر
على الجانب الآخر؛ هناك من يؤيد القرار ويرى فيه ضرورةً لتنظيم أوضاع عمل المصريات في الخارج، بينهم رامي لبيب، ممثل الجالية المصرية في البحرين، الذي اعتبره "تأخر كثيرًا" مع تزايد أعداد العاملات في مثل هذه القطاعات، مقارنةً بدول أخرى وضعت أطرًا قانونية أكثر وضوحًا لحماية هذه الفئة، التي غالبًا ما تفتقر إلى "الوعي الكافي بحقوقها في حال التعرض لانتهاكات أثناء العمل"، على حد قوله لـ المنصة.
يدعو رامي لأداء السفارات دورًا أكثر فاعلية كحلقة وصل لضمان حصول العاملات على حقوقهن، ملمحًا إلى أن جزءًا من التحديات يرتبط بانتشار التوظيف عبر قنوات غير رسمية أو بعقود خاصة بعيدًا عن الإطار الحكومي، لا سيما في مجالي العمل المنزلي والخدمات الصحية، ما يُصعّب الرقابة ويزيد من احتمالات اللجوء إلى تسويات غير رسمية بدلًا من الجهات المختصة.
هذا ما يتفق معه فوزي بدوي، رئيس اتحاد شباب مصر في الخليج، معتبرًا أنه "خطوة مهمة نحو الحفاظ على كرامة المرأة المصرية وصون حقوقها"، وتعكس توجهًا لحماية النساء من بيئات عمل قد تكون أكثر عرضةً للاستغلال أو الانتقاص من الحقوق.
كما يؤكد لـ المنصة، يريد بدوي أن يكون هذا القرار بداية لتشديد الرقابة على شركات إلحاق العمالة، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين لضمان الالتزام الكامل بتنفيذ القرار.
حتى موعد النشر، لم تُصدر وزارة العمل ما يفسر القرار أو يشرح آلية تنفيذه، ولم تتمكن المنصة من الحصول على توضيح من المستشار الإعلامي حول غاية الحكومة منه بين من يرى فيه حماية ضرورية، ومن يتخوف من أن يدفع العاملات إلى مسارات أكثر هشاشة وخطورة خارج الإطار الرسمي، أو يكون سببًا لفقدان عشرات الآلاف من فرص العمل لصالح أسواق عمل بديلة.
وبينما ترى حسنية أن الدولة اختارت الحل الأسهل، وهو المنع تحت شعار الحماية، وكان الأجدر بها "دعم مواطنيها في الخارج، من خلال تفعيل دور السفارات، وفتح باب لتقديم الشكاوى، و التعامل مع الانتهاكات بجدية وصرامة"، لا تفكر فاطمة في العودة إلى مصر حاليًا، وإن كانت لا تسطيع تجاوز قلقها من القرار الصادر عن وزارة العمل وتداعياته.
